مواضيع تحمل وسم ‘علي ناصر كنانة’
نوف – نص مسرحي- علي ناصر كنانة
تأليف علي ناصر كنانة
استهلال
يُقرأ بصوت آخر
قادم من خارج الخشبة: في روحٍ ولهى في جسدٍ تعبانْ يتصادى من فَرْطِ تأّلمهِ
الحرمانْ تكادُ تفيضُ مواجعُهُ تتلاشى الصرخةُ في الكتمانْ طيورُ الحبِّ تغادرُهُ
وهديلٌ يمكثُ في الأفنانْ يتلوّى مرتحلاً قبلَ أوانْ يصوّتُ بالحبِ صدى الحرمانْ
سبحانَكَ سبحانكَ كم يشـقى الإنسـان؟
* المشهد الأول
تظهر الممثلة
مسرورةً على خشبة المسرح، تحلم وتتمنى، والسعادة والبراءة تطفحان من ملامحها
وحركاتها، وهي تقول: مطراً تهبطُ أسرارُ الأحلامِ على روحي. لو أنني عشٌّ عملاقٌ
لآوي هذه الأطيارَ الملوّنةَ كلَّها. لو أنّ لي ألفَ قدمٍ لأذرعَ الأرضَ كلَّها
فأكتشفُ العالمَ بألفِ عينْ. كم جميلةٌ هي الحياةْ! كم جميلٌ هو الغد! غداً تكبرُ
الحياةُ والأحلام تكبر. أكون كما أريدُ أن أكون. أُحَبُّ وأُحِبُّ. جاسم.. وأطفال..
وأزاول الرياضة للحفاظ على رشاقتي. أوووه.. كم جميلةٌ هي الحياة! الله .. ما أحلى
لو أن الناس يفقهون قيمة تلك الرحلة القصيرة.. الحياة. ما أروع الحرية. أن تتمتع
بحريتك دون أن تزعج أحداً. لو أن الحرية ممارسة سامية لا يدفع ثمنها أحد. لماذا على
الإنسان أن يدفع أثماناً باهظة على الدوام لينال حقوقاً إنسانية يُفترض إنها ملكهُ
أصلاً؟ ما أجمل أن تكون حّراً دون أن تكون حريتك قيوداً في معصمي الآخر. لماذا لا
يكون الجميع أحراراً دون أن ينتج عن ذلك ضررٌ فردي أو إجتماعي ؟ أجل، الحياة هي
الحرية.. ولكن دون أن يتضرَر أحدٌ من ممارسة هذه الحرية .. (تنبعث أغنية جميلة
فتكمل جملتها) غناء.(وهي تشير بأصبعها الى مصدر الصوت). صحيح .. لماذا لم يتصل
جاسم؟ لقد قال لي في المرة الأخيرة بأنه سيتقدم لخطبتي وسيسمح لي- بعد الزواج -
بأكمال دراستي. إن شاء الله يفي بوعده، فالرجال غالباً ما يتنصلّون عن وعودهم بعد
الزواج؟ ليتَهُ يظلّ لطيفاً ومتفّهماً لطموحاتي كما يؤكد دائماً.. غريب..! لماذا
يتغيّر الناس بعد الزواج وكأن الحب يتوقف عن الأشتغال!؟ لا.. أمي تقول إن التعبير
عن مشاعر الحب يختلف لأن المرء بعد الزواج يشعر بالأمان.. قبل الزواج يحاول المحب
تأكيد حبه في كل دقيقة وكأن العصفور سيطير! ثمة خوف دائم من الهجر أو الغياب.
صديقتي قالت لي إنها
وزوجها بلغ بهما الحب بعد الزواج الى حد أن الحياة تصبح مستحيلة في غياب أحدهما،
يفعلان ذلك دون أن يضطرا للسؤال المتكرر: تحبني؟ تحبينني؟ فلم يعد حبهما يحتاج الى
تأكيد لأنه حقيقة قائمة. غداً.. في الجامعة.. أسأل صديقتي هذه كيف استطاعت وزوجها
النأي بحبهما عن منغصّات الحياة اليومية وتفاصيلها الرتيبة والتي كثيراً ما تلقي
بظلال ٍقاتمة على الحياة الزوجية. لا.. لن أسألها. لاتوجد وصفة جاهزة لنجاح الحياة
الزوجية، فلكل علاقة خصوصيتها التي تستمدُّ ملامحَها من خصوصيات كلا الطرفين: الزوج
والزوجة.
(يُفتح الباب ..
يدخل أهلها عائدين من زيارة عائلية. دون أن تراهم. وهي تهمهم): – .. لقد عاد أهلي.
يجب أن أنام (وتندّس في فراشها).
المشهد الثاني
الصمت يعمُّ
المسرح. والظلام يخيّم على الخشب. يتم تسليط الضوء على الممثلة وهي تجلس حزينةعلى
الكنَبة. تمثّل الممثلة مشاعر الصدمة ايمائياً وهي تتلمّس إعاقتها كأنها غير
مصدّقة، ثم تعبّر عن مشاعر الهزيمة. في الوقت ذاته، أي بالتزامن مع أداء الممثلة
ينبعث صوتها مسجّلاً وهي تقول بانكسار: انتهى الأمر.. لقد أقفلت الحياة أبوابها..
الأبواب التي كانت بالأمس مشرعةً أمامي.. وأنا استطلعُها دون أن أدلف إحداها.. كنت
أظن أن عمراً كافياً مازال أمامي يتسع للأحلامِ والطموحاتِ كلِّها أو أغلبها.. أما
الآن فأنا مغلقةٌ على نفسي.. ليس بوسعي اقتحام ابواب الحياة التي لن تقبلني
بعكّازة.. ولا أحد سيجد باباً يؤدي إليّ وقد انغلقت’ على نفسي مثلَ جدارٍ تكوّر على
نفسهِ واكتفى ببؤسه. حتى جاسم سيتخلّى عني. بالتأكيد سيفعل. لأنه سيرى امرأةً اخرى.
وهو على حق. فلن أطلب منه تضحيةً فوق طاقته. فهو رجل ومن حقه ان يهنأ بأنثى. وأنا
الآن حطام إمراة هجرتْها الأنوثة
. المشهد الثالث
تتحدث إلى الكرسي
في أداء مركّب، يتغيّر تعبير الممثلة خلاله حسب البُعد النفسي: أيّها الكرسي
البليد.. لا تكن أليفاً. لقد جزعتُ هذه الألفة! أرجوك.. لا تكن قَدراً أبديّاً.
أغربْ عني أو دعْني أهرب دون أن تتمسّكَ بي. أعلمُ أنكَ أكثر رحمةً من بشرٍ حديدٍ
يتبخترونَ حولي دونَ أن يكترثوا بالأنين المتصادي. أعلمُ هذا.. ولكن معذرةً ايّها
السيّد لقد سئمتُ من الاستعباد. لو أنكَ فقط تقرّر أن تمضي إلى شأنكَ لأبحثَ عن
شأني بعيداً عن عبوديّة تلك العلاقة. اعتقْني أرجوك.. ولا تكنْ قيداً يكبّلُني في
عتمة الاستعباد.
المشهد الرابع
(تتحدّث إلى جسدها) أيّها الجسد المبعثر في دهاليز الخيبة أيّها الجسد المحلّق فوق
ربوع التمنّي كيفَ ألملمُكَ لتنهضَ بيْ؟ أريد أن أخطو خطوةً واحدةً إلى الأمام أو
إلى الوراء أو إلى المجهول إذا شئتَ.. المهم أن أخطو.. لقد اشتقتُ إلى الخطو. آه..
أريدُ أن أكتشفَ هذا المجهول المشاغب لأنثرَ الأسئلةَ المؤجّلة على مفارق الطرق
ودونَ أن انتظرَ الإجابات أطلقُ عنانَ فضولي وأثرثرُ بلا انقطاع عن لهفتي المديدة
لعناق المجهول. أريدُ أن أفعل ذلك الآن…. (تنهض من كرسيها وتتكوّم على الأرض،
كاتمةً صوتها.. ما عدا بعض تعابير على وجهها.
. المشهد الخامس
(مونولوج مركّب
المشاعر) آهٍ.. لقد تلاشت أطيار الأحلام ولم أعدْ غيرَ عشٍّ خَرِبٍ تسكنُهُ أصداءُ
تغاريدٍ بعيدةٍ.. بعيدةْ.. لا شيء سوى هديل خافت تنزفُهُ البقايا. هل أنا مجرّد
بقايا إنسان؟ حقاً إنّ الموتَ ليس خاتمة القسوة. ها أنذا في حالٍ أمسى الموت معها
رحمة. – لا..لا.. أعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم. (وقل لن يصيبنا إلاّ ما كتبَ
الله لنا). إنّ استمراء الموت قبولٌ بفكرة الانتحار. وأنا أمرأةٌ مؤمنة. ( ولا
تقتلوا النفسَ التي حرّمَ الله). يجب أن أقاوم المصيبة.. وأتعارك مع خناجرِها.
سأقاوم.. ومَنْ خلقَني (سبحانه) يتكفّل بي. وهو العلي القدير. فأنا الآن لا حول لي
ولا قوة. لابدَّ أنه سيلتفت إلى حالي.. لابدَّ. (تصمت في تمثيل تعبيري.. ثم تمّد
يدها الى كتاب صدى الحرمان بين كتب كثيرة..وما أن تراه تقول): – إيْ… هذا هو
ديوان صدى الحرمان.. لعلَّ فيه بلسماً لجراحي.. فالشاعرة عانت ما أعاني.. (ثم تقرأ
من شعر صدى الحرمان): تعبت أحمل ضنى اعوامي واجاهد في معاناتي واعيش اليوم مثل
الأمس حتى خانني صبري ولقيت ان الأمل أضعف من أضعف احتمالاتي وأنا اللي كنت أعاند
قسوة الأيام من صغـري رفضت اخضع لصوت اليأس حتى صار مأساتي وسـرق مني بقايـا عمري
الضايع ولا أدري ما عاد اميّـز حلمي المسـروق من ذاتـي ولا باقي سوى صوره هزيلة
ضمّـها شـعري وعى آخر حدود الأرض ضاعت كل هقواتي ودفنت آخر أمل باقي في ابعد ركن من
صدري
المشهد السادس
(مونولوج) إيهْ..
يا نوف…. لقد تدهورتْ الأحلام وأضحتْ أضغاثاً. ها هو كل شيء يتعطّل ولم يتبقَ سوى
الحلم. هل تحرمُني الأقدار حتى من الحلم؟! ربّما!! فأيّةِ أحلامٍ هذه التي تتهشّم
على ظلّي المتكوّر؟! حسناً.. أنا لها! إذا أبتْ الأحلام مصاحبتي سأصنعُ وهماً..
وأسمّيه: حلماً. وستكون أوهامي أجمل من أحلامٍ كثيرةٍ تتحطّم على صخرة التفاصيل.
أين أنت ياجاسم الآن؟ لاشك أنك تهنأ بحبٍ آخر. ولاشك أنك تتذكرّني بين الحين
والآخر. أما أنا فليس في ذاكرتي سواك (ثم تقرأ من شعر تليلة المهندي): احبك والظروف
اللي أعانيها تهد جبال وغرستك يا أمل ظامي بحبي في شراييني تخيرت اعشقك كذبه يجود
بها الزمن لو طال وعشت اتنفس وجودك حقيقة ساكنة فيني أعيشك وارسمك وادري بأنك حلم
ما ينطال وأدوس البعد من أجلك ولا به شيء يثنيني حبيبي والوعد كلمه تموت بعالم
الأنذال وأخاف إنها تموت وتترك أشواقي تشقيني
المشهد السابع
(تخاطب المرض أو
الإعاقة ثم تنتفض شاعرةً بالقوة) لن تهزمَني أيها الشلل السافل. كيف تحطّمُ أمرأةً
بريئةً مثلي؟ لم تقتل ولم تسرق ولم تزنِ ولم تغضب ربَّها بحرام. غادرٌ أنتَ أيّها
الخنجر! وقادرةٌ أنا على الوقوف بلا قدمين. قويةً سأبقى أهزأُ من وهمِ انتصاركَ،
قويةً رغم أنفِكَ. فالجسم بذاته ليس مكمن القوة، وها أنت تعتقد بهزيمتي حين سلبتَ
جسمي. لا.. أنت واهم. القوة – أيّها الساذج الغادر – شيءٌ آخر تماماً، أول عناصرها
الإقدام. أنظر مِن حولكَ كم من الأجسام الضخمةِ تنضحُ هزيمةً لأنها مهزومة من
الداخل. (تقرأ من شعر صدى الحرمان): يا معتقد بالضعف خل اعتقادك بعزيمتك في همتك
والإراده شارك وشارك في تقدّم بلادك غيرك أبد ما فيه عنك زياده اعمل وبتحصِّل ثمار
اجتهادك المجتهد كلٍ يخاطب وداده افرد يدك للحب وانسى عنادك خل الأمل يملا حياتك
سعاده عمر الاعاقة ما توقف مدادك ما دام عزمك ما يخونك مداده لا.. لا تفكر عاجز
الحيل عادك الواصل أنت وفي اجتهادك شهاده لابد ما في يوم تبلغ مـرادك مثلك قـوي..
لابد يبلغ مـراده
المشهد الثامن
لم يعد ثمّةُ
شيءٌ مما أشتهي في متناول اليد.. لقد خيّمَ الحرمان على مملكتي، حتى غدوتُ كتلةً من
الحرمان. سأجعلُ لهذا الحرمان صدىً يتصادى في الأرجاء. سأجعلُ صدى حرماني أقوى من
أصواتٍ بلا صدى. يجب أن أكون قوية وأفعل ما فعلتْ الشاعرة (صدى الحرمان) حين واجهتْ
قدرَها بالشعر (وتقرأ): أنا والليل وصرخاتي يرددها صدى الحرمان أنا انشلّت احاسيسي
واسجل حزني مرثيّه حسبت بغربةِ سْنيني ابلقا عندك التحنان أمل ظامي بدفا وقتي أمل
باحلام ورديّه انا رحلة عذاب وصمت تصلح للشقا عنوان اخطْ حروفها بدمّي وفوق سطور
وهميّه أنا عشت الأمل لوحه ما ترسمها يد الفنان أكيد انا اللي بس اقدر اترجم همّي
بيديّه تحدّاني زماني وصرت اسيرة حزني والاشجان جروح من الألم تنزف وانا اقول أنها
عاديّه اصوّر لك معاناتي وحصيلة عمري الظميان واوصـف لك مشاويري على عكّـاز فضيّه
وكلما حدّني وقتي وشافتني عيون إنسان تسابق دمعتي الخطوه واصير للناس سخريّه لهيب
أنفاسي يحرقني وصوتي تردّه الجدران أخذت من قسـوة الدنيـا مشاعر غير عاديّه يذكّرني
أنين الموج بخطواتي على الشطآن وأعزف من ضنى روحي على أوتار رمليّه أنا من جرح
دمعاتي أغمّض رمشي الحيران تعوّدت الظلام وصرت أعيش بليله منسيّه
المشهد التاسع
ضاعَ كلُّ شيء.. بَيْدَ
أن هذا القلب الطافح بالحب ما برحَ نابضاً بالحياة، يسعفُني كلّما حاصرِني غيمُ
اليأس الأسود. يتعيّن عليَّ مكافأة هذا القلبِ الوفي بأسباب الحب. ولكن كيف؟! مَن
يقبل أن يكونَ سبباً لقلبٍ يتطافرُ في حطامِ جسد؟! هذا هو قدري. عليَّ أن ابتكرَ
لحياتي ما لا يضطرُّ الآخرون إلى ابتكاره. وكما تآلفتُ مع شروط هذا النوع من
الأسئلة التي تطرحها روحي وجسدي، سأصنعُ وهماً: أُلبِسُهُ رداء الحلم وأزفُّهُ إلى
قلبي ليسكنَ إليه. (ثم تقرأ): كل ما هز غصني من هواكم هبوب فزّت عـروق قلبي واتجه
للشمال غصب عني وعنكم ساكنه بالجنوب لا قويت المسير ولا قدرت الوصال من غلاكم عيوني
هايمه بالدروب لا هما طيف أحدكم قمت أصوت تعال بلغوا قلب أهلي إن قلبي يذوب مثل
شمعه يتيمه في سـواد الليال من يعزّي القصايد في فراق القلوب لين ضاقت عروقي تنتظر
الإتصال
المشهد العاشر
أينَ الصداقةُ
وحضورها الدفيئ؟ أين صديقاتي؟ من يعنّي على هذه الأوجاعِ كلِّها؟ أين الصديقات
اللآئي ظننتُ أنهنّ صدوقات؟ لماذا يختفينَ حيثما ينبغي أن يظهرنَ؟ كانت الواحدة
منهنّ تقتحم حياتي دون استئذان. لقاءات ومكالمات وثرثرة لا تنتهي، وحديث عن الصداقة
والمحبّة والوفاء. أمّا الآن وأنا أحتاج إلى هذا الاقتحام وتلكم اللقاءات
والمكالمات والثرثرة، فلا أحد يطرقُ بابي، ما عدا مجاملات شحيحة. أليستْ الصداقةُ
هي أن تفتقدَ صديقك؟ وهل هناك وضعٌ أكثر سوءاً مما أنا فيه ليوجبَ السؤال؟ سامحهن
الله. (وتقرأ من شعر صدى الحرمان): ابد لا تحزني يمه. إذا خانتني رجليني وإذا كلٍ
شكى همه وأنا همي بقى فيني وإذا خنجر صداقتهن غرس حدّه وسط قلبي وإذا عكازتي خافت
من أنها تسند ايديني ولا تبكين يا “يمه” إذا عمري غدى دفتر ولكٍ يمـزع اوراقـه ولا
ظنـه يكفيني ابد لا يجزع احساسك لا شفتي البعض يجرحني وإذا ضاع الوفا فيهن وضاعت
معهن سنيني على ضيم الجفا ابقى تنازع روحي الحسره وأحـس الظلم يا أمّـي يقطع من
شراييني
المشهد الحادي
عشر
(في حوار مع
الموت) أيّها الموت.. اهجمْ! هلمَّ أيها الشجاع.. فلم أركَ من قبل وجِلاً كما تفعل
الآن. لماذا تقف محنيَّ الظهر – على غير عادتِكَ -، منكسرَ النظرةِ، كما لو أنكَ
تتوجّس خيفةً من مغامرة الاقتراب مني..؟ هل آن الأوان؟ أجبْ. لِمَ تلوذ بالصمت؟ إني
لأرى في نظرتكَ “نعم” عملاقة كناب الفيل. لماذا التردّد إذاً؟ هل خَجِلٌ أنتَ من
الانقضاض على كائنٍ شبعَ موتاً؟ هل اعتراك شعورٌ بالعطف والاستخطاء؟ لا.. أيها
القوي المستبد. لابدّ أنكَ تذكرُ يومَ تحدّاك السيّاب: (الموتُ أهونُ من خطيّه).
خذها هذه الروح العليلة ولا تعطف. إنني لأربأ بنفسي أن تقبل عطفاً يجعل الحياة
مذلّة متواصلة. اقتربْ.. فليس بوسعي النهوض لاحتضانك والتحليق معك بعيداً في سماوات
الأبدية. سأمكث لعنةً في ذاكرتك. وستتذكر طويلاً هذه الليلةَ التي استجمعتَ فيها
شجاعتَكَ لتقتحم خِباءَ أمرأةٍ أسيرة: أمراةٍ هي المأساة تتبخترُ في باحات جسمٍ
مهزوم. انقضْ عليَ.. واقتلعني من هذه العتمةِ التي تفترسُني دونَ رحمة. أعلم أنكَ..
ستكون أول الباكين على جثمان البراءة. أيّها الموت.. أنت المألوف الأكيد طوال هذه
الرحلةِ القصيرةِ-الطويلة في كهوف الأحزان والضجر واليأس. لقد قابلتُكَ كثيراً، وكم
تمنيّتُ لو تملّكتكَ الشجاعةُ لتنقضَّ على الفريسة. ولكن – كما يبدو – كنتَ تخشى من
لطخة العار. فذي فعلةٌ لا يرتكبُها الفرسان: أن تغزو منطقةً ثالثةً: لا حياةَ ولا
موت. الأحياء هم مَن لك أن تتربّص بهم، أمّا أنا فلم أكن حيّةً منذ زمنٍ بعيد.
وربما كان الشِعر هو مظهرُ الحياة الوحيد في عالمي.. ولعلّك به اعتبرتَني من
الأحياء! لقد بات الأمر واضحاً الآن. خذني… ها أنذا أفردُ جناحيَّ لعناقك
القاسي.. افعلْها! افعلْها! ولا تبالغ في التحضير. استقبلْني. قادمةٌ أنا بالخطوةِ
الواثقة، لا أتهيّب من ملاقاتك. ها أنذا أنهض إليك – كما لم أفعل من قبل- لنغربَ من
هنا معاً ولنجنّب الآخرين أحزاناً مديدة لم يسهموا في صناعتها. تنهض متعثرةً لتلبس
كفنها وتندس في الرمل. ينبعث صوتها مسجّلاً وهي مسجّاة تهبط على جسمها – من سقف
المسرح – أوراق زهور طبيعية من مختلف الألوان. تذكّرني.. تذكّرني إذا تسمع بليل
الشوق أشعاري.. وإذا دمعة طفل سالتْ.. أو أشجار الصبر مالتْ.. وشفت الناس تتغيّر..
وماساة الناس تكبر.. تذكّرني.. وتذكّرْ صمتي اللي كان واعذرني على اصراري.. تذكرني
اذا صار الألم اكبر من القدرة على النسيان.. واحلام الفرح صارت مجرّد وهم للإنسان..
وكل الكون يخدعنا وضاع عنا الوفا وضعنا محال اللي مضى يرجع أو خيوط الفجر تتطلع على
داري.. وخل الصمت يتبعني يسابقني بمشواري تذكّرني..
16 ديسمبر 2002 الدوحــة علي ناصر كنانة
5381832 alialkinani@hotmail.com


