مواضيع تحمل وسم ‘د. جميل حمداوي’
الدكتور جميل حمداوي- مخرجون عالميون: أنطونان أرطـــــــو Antonin Artaud
الحلقة الأولــــى
تمهيـــــد:
يعد المخرج الفرنسي أنطونان أرطو من أهم المخرجين العالميين الذين حاولوا أن ينزاحوا عن الشعرية الأرسطية، والتمرد عن المسرح الغربي ، والبحث عن مسرح مغاير بديل للمسرح الأورپي عبر النبش في الذاكرة الشرقية والمسرح الأنتروپولوجي من أجل مداواة الإنسان الغربي المعاصر المريض بالشبع المادي والمستلب عقلانيا وإنتاجيا ورقميا من قبل الرأسمالية المتوحشة والعقلانية الفجة. وهذه المداواة الدرامية لن تكون إلا عبر تطهير روحاني وجداني يحرر الإنسان / الراصد من غرائزه الشريرة وانفعالاته التناتوسية وتحرير مكبوتاته بواسطة مسرح القسوة والتعرية الصارخة القاسية لاشعوريا.
هذا، وتعتبر مسرحيات أنطونان أرطو وتنظيراته في الإخراج المسرحي تمهيدا لظهور المسرح التجريدي أو المسرح العابث بعد الحرب العالمية الثانية من القرن العشرين.
1/ من هو أنطونان أرطو؟
ولد المخرج أنطونان أرطو Antonin Artaud ) ) بفرنسا في 1896م، وقد جمع في مسيرته الحياتية بين الشعر والتمثيل والتنظير والإخراج. وكان في بداياته شاعرا سرياليا يعاني من الجنون الإبداعي والنفسي والذهني بسبب انفصال الفكر عن اللغة، وقد نشر ديوانا شعريا سنة 1925م بعنوان”L’ombilic des limbes / وسط الكواكب”.
و عرف أنطونان أرطو بالتمثيل المسرحي ولاسيما في مسرحية “شهوة جان دارك” لدريير Dreyer سنة 1928م، والتمثيل السينمائي بدوره في فيلم ” صليب الغابة” سنة 1932م.
هذا، وقد قدم أرطو أيضا نظرياته المسرحية الثورية في كتابه الجريء ” المسرح وقرينه” سنة 1938م، والذي أعلن فيه عن آرائه الجديدة في مجال الدراما عن طريق هدم مقومات المسرح الغربي مضمونا وشكلا.
وتعرض أرطو لهزات نفسية واجتماعية كثيرة بعد فشله في الحياة المسرحية والواقعية، فأدخل مصحة الأمراض النفسية برودز Rodez من سنة 1943 إلى سنة 1945م. و في سنة 1946م ، كتب رسائل من رودز . وفي 1947م ،ألف كتابا بعنوان” أرطو المومو أو فان كوخ أو انتحار المجتمع”. و توفي أنطونان أرطو سنة 1948م عن عمر يناهز 52 سنة كرس معظم سنواته في خدمة الإخراج المسرحي والتمثيل السينمائي والتنظير المسرحي.
2/ التصورات الإخراجية:
جمع أنطونان أرطو كل تنظيراته المسرحية في كتابه الأول “مسرح القسوة” الذي نشر سنة 1933م، وألحقه الكاتب بعد ذلك بكتابه ” Le théâtre et son double / المسرح وقرينه” الذي ألفه سنة 1938م .
وقدم الكاتب في مصنفه ” المسرح وقرينه” مجموعة من التوجيهات المسرحية التي ترفض أن يتحول المسرح إلى مجرد تمثيل وتقليد، بل لابد أن يعود إلى جذوره الاحتفالية والطقوسية البدائية لكي يحرر غرائز الإنسان السلبية المتأصلة فيه، ويحرره من الانفعالات الموروثة ومن مشاعره العدوانية الكامنة والمختفية في وعيه الباطني على المستوى اللاشعورالجماعي. ويؤكد دوﭭينيو ولاجوت في كتابهما” المسرح المعاصر” هذا الطابع السحري لمسرح أرطو:” لقد جعل أرطو بغيبيته الميتافيزيقية مكان الحديث التعويذة والرقية، ومكان الشخوص الأفعال، ومكان القصة الضوضاء واحتدام الحركة والصراخ عن المسرح يرفع الحياة إلى ذروتها…، كما أن الكاتب تخلى عن مكانته للمخرج الذي ارتقى إلى درجة الساحر، وصانع المعجزات”.
وما يحمله كتاب أرطو من ملاحظات وتوجيهات إنما هي في الحقيقة انتقادات تستهدف تقويض المسرح الغربي وهدمه وتدميره؛ لأنه مسرح عقلاني ومادي وحواري يهمل الأشكال الاحتفالية الفطرية والتمظهرات الجسدية والحركية والطقوس الدينية والأسطورية والسحرية، ومرجع أرطو في ذلك هو تأثره بالمسرح الشرقي الباليني في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي.
و” لم يخطئ جاك دريدا عندما تحدث عن نصوص ” المسرح وقرينه” بقوله:” هي تحريضات أكثر مما هي مجموعة إرشادات، نسق من الانتقادات يرج كامل تاريخ الغرب أكثر مما هي رسالة في الممارسة المسرحية”. لقد أدرك، فعلا، عمق هذه النصوص التي لم تخلخل بنية المسرح الغربي وحسب، وإنما زعزعت كيان الميتافيزيقا الغربية بكاملها. وليس غريبا أن تكون فصول عريضة من هذا الكتاب مخصصة للمسرح الشرقي بشكل عام وللمسرح الباليني على وجه الخصوص. إن أرطو كان يرسم من خلالها الوجه الآخر للمسرح الغربي، الوجه الذي يتأسس فيه المسرح على”حالة ما قبل اللغة”، الوجه الذي تمحي فيه ملامح تعهر الفكرة وصفائها، وبالتالي طابعها الفيزيقي.”
ومن ناحية أخرى، يدعو أرطو إلى مسرح القسوة الذي قال عنه بأنه :” كالطاعون على شاكلة هذه المذبحة، هذا الانفصام الجوهري، إنه يطلق الصراعات، ويخلص القوى من أسرها، ويفجر الطاقات والإمكانيات، وإذا كانت هذه القوى سوداء، فليس هذا خطا الطاعون أو المسرح، وإنما خطأ الحياة”.
ومن هنا، فمسرح القسوة هو ذلك المسرح الذي يحرر الإنسان من غرائزه العدوانية، ويخلصه من انفعالاته الغريزية اللاشعورية الموروثة عن طريق التطهير القاسي عبر إثارة الخوف والرعب واستخد
ام الصدمات السيكولوجية الوجدانية الهدامة و المؤثرة ، والانفتاح على المسرح الأنتروپولوجي والتجارب الشرقية القائمة على السينوغرافيا الدينية والطقوسية والكوليغرافيا الجسدية والتعبير الحركي . ومن ثم، فأرطو يسعى إلى تخريب المسرح الغربي وتدميره واستبداله بمسرح شامل يجمع بين التمثيل والرقص والكلمة والإضاءة والموسيقا والحركة. وهذا المسرح بهذه المواصفات الأسطورية والطقوسية والسحرية غير موجود سوى في المسرح الشرقي كما يتمثل ذلك واضحا في مسرح الكابوكي والنو اليابانيين والكاتاكلالي الهندي وأوپرا بكين. وبالتالي، فأرطو في الحقيقة يدعو إلى مسرح بديل وجديد يستخدم:” السحر والأسطورة في التعرية القاسية العنيفة للصراعات المتأصلة في اللاوعي الإنساني الجماعي وهو ما أسماه ” بمسرح القسوة”- أي المسرح الذي يقوم على الشكل والحركة والإضاءة ويستبدل بالكلمات ” البلاغة الحركية” وربما كان الفرق بين مسرح القسوة الذي أراده أرطو ومسرح الحلم الذي أراده السرياليون هو تركيز أرطو على اللاوعي الجماعي بدلا من اللاوعي الفردي الذاتي للفنان ورغبته في التوسل لتصوير هذا اللاوعي الفردي بالأسطورة بدلا من الأحلام والرؤى الفردية، وتوسله بالشكل والحركة بدلا من الشكل والكلمة”.
ويعني هذا أن مسرح القسوة لدى أرطو مسرح يتبنى التصور السريالي الجماعي، ويمتح من تصورات فرويد السيكولوجية، وآراء يونگ صاحب اللاشعور الجمعي مادام هذا المسرح يقوم على ” تحرير قوى اللاوعي الخلاقة، وتفجير الطاقات الإبداعية الكامنة في الإنسان كما نقرأ ذلك في قاموس الآداب: ” لقد شغف أرطو بالظواهر الغيبية (الميتافيزيقية) وطرائق السحر عند الشعوب البدائية، وبعلم الكيمياء ووسائل التنجيم في الشرق…وحالات الهوس والشعوذة… هذا العالم اللامعقول، انخرط فيه أرطو جسدا وروحا.
ويجب أن نعترف هنا، بأن مثل هذه التدريبات التي كان يمارسها أرطو لم يكن السرياليون الآخرون يطيقونها إلا بشق الأنفس. ومن ناحية أخرى، كان ذلك هو السبب الجوهري للقطيعة التي فرقت بين أرطو وبين بريتون ” بايا السريالية”، كما كانوا يلقبونه.”
أضف إلى ذلك، أن مسرح القسوة أو العنف هو مسرح يقلل من سيطرة الكلمة والحوار، ويستبدلهما بسينوغرافيا الحركة والجسد، كما أنه مسرح ميتافيزيقي أنتروپولوجي يبحث في الأشكال ماقبل المسرحية لخلق مسرح عالمي طقوسي روحاني وأسطوري وسحري. ويعني هذا أن مسرح أرطو هو مسرح احتفالي طقوسي وصوفي يستعير الفرجات الشرقية لتطعيم المسرح الغربي، ويقترب هذا التصور من المسرح الثالث للمسرحي الإيطالي أوجينيو باربا. ومن هنا، كان مسرح أرطو وتنظيراته في كتابه” المسرح وقرينه” من المصادر الأساسية للمسرح الاحتفالي والنظرية الاحتفالية كما وضح ذلك عبد الكريم برشيد بقوله:” المرجع الثالث للاحتفالية يتمثل في الكتابات النظرية والإبداعية لأنطونان أرطو، فهذا المخرج المنظر قد بشر- من خلال كتابه” المسرح وقرينه”- بمسرح مغاير، مسرح طقوسي سحري بدائي يخاطب في الإنسان لاوعيه الباطن. وقد سعى إلى المطابقة بمسرح يتخذ صفة الاحتفال السحري، بل الصوفي”.
ومن المعروف أن القسوة عند أرطو ليس بمعنى الدم أو بمعنى السادية أو المازوشية، بل هو قمع للغرائز البشرية وتحريرها من قواها السلبية عن طريق تعريتها عبر القسوة الذهنية والوجدانية والطقوسية. يقول أرطو في هذا المقام:” القسوة، جلية قبل أي شيء،إنها نوع من التوجيه الصارم والخضوع للضرورة، ولا قسوة دون وعي، دون الوعي المطبق، إن الوعي هو الذي يعطي لممارسة كل فعل حياتي لونه الدموي وتدرج تلوينه القاسي، مادامت الحياة هي دائما موت شخص ما”.
ومن الدواعي التي جذبته كي يهتم بالمسرح الشرقي هو ميله الكبير إلى الروحانيات والمجردات الميتافيزيقية والطقوس السحرية الصوفية، والثورة على العقل الغربي الذي دمر الإنسان واستلبه وحوله إلى كائن منتج فقط، وأهمل فيه جوانبه الوجدانية والروحانية والذاتية. كما أن المسرح الغربي هو مسرح يرجح كثيرا كفة الكلمة والحوار على حساب كفة الحركة ولغة الجسد، كما أن المسرح الغربي هو مسرح عقلاني يخضع للقوانين الأرسطية، بينما المسرح الشرقي مسرح طقوسي وسحري ميتافيزيقي، وقد تأثر به كل من بريخت وستانسلافسكي وأوجينيو باربا وگروتوفسكي وماييرخولد. وفي هذا السياق التأثري والتناصي ، يقول جاك دريدا عن أرطو في كتابه ” الكتابة والاختلاف” :” لقد أكد أرطو أن على المسرح الغربي الذي يجهل خصوصية المسرح أن يطلب من المسرح الباليني درسا في الروحانيات. هذا الانجذاب نحو الروحانيات الشرقية لم يكن شيئا طارئا على شخصية أرطو وهو الذي عاش تجربة الجنون المريرة، وعرف باهتمامه بالأديان والفنون الشرقية، واشتهر بانتمائه إلى الاتجاه السريالي . لقد كان في فترة معينة، يشرف على مجلتهم ” الثورة السريالية” حيث كتب سنة 1925م معظم مواد العدد الثالث،هذا العدد الذي قيل عنه ” إنه تمجيد للشرق وقيمه”



