التجربة المصرية

سعداء الدعاس
(إيمان) فتاة مصرية قررت في عام 2004 أن تقدم عرضًا مسرحيًا في حديقة متحف طه حسين في القاهرة ، ورغم أن مساحة الحديقة لا تحتمل طفلا يلعب بمفرده ، فما بالنا بعرض مسرحي ! إلا أن (إيمان) لم تتعثر بمحدودية المكان وقدمت عرضها ذاك . بعد مرور سنة على تلك التجربة المتواضعة ، عادت إيمان لتقدم تجربة أخرى في حديقة دار الأوبرا المكدسة بعروض المسرح التجريبي . فراحت تنصب (بروجكترها) اليتيم غير عابئة بتعليقات رواد اكتشفوا أن العرض غير مدرج في جدول المهرجان ، ولا في قائمة (الهامش) أيضـًا.

تجربتان متواضعتان للعزيزة إيمان ، لم تقدما قيمة فنية ، بقدر ما قدمتا رسالة إنسانية تحمل رغبة حقيقة في التواجد ، سلكت لأجلها درب المحاولة بعيدا عن ذرف الدموع في طابور المؤسسة الرسمية ، ولموهبتها المتواضعة لم تصمد (إيمان) أمام تيار شبابي مسرحي جارف قادته تجارب مميزة لكل من نورا أمين ، منى أبو سديرة ، أحمد رجب ، هاني عفيفي ، عادل حسان ، سامح بسيوني ، أسامة فوزي وغيرهم كثر …أحدهم شارك في مسابقات الهواة رغم حرفيته العالية، وآخر وجد فرصته في مسرح يبعد عن مسكنه أربع ساعات ، وثالث قدم عرضه الأول في قاعة (جاليري) ، ناصبًا خشبته بسواعد ممثليه … لم أعرف منهم من جاءته الفرصة تمتطي حصانها الذهبي المجنح . بل عرفتهم مقاتلون ، يقدمون مشاريع تُرفض ، يشاركون في ورش لا تدوم ، ويخرجون عروضا لا ميزانية لها .
تذكرت تلك النماذج المكافحة ، وأنا أستمع وأستمتع بالآراء التي احتضنتها ندوة (المهرجانات المسرحية) ، حيث تطرق البعض للفرص التي يحتاجها شبابنا المسرحي . عندها أبديت وجهة نظري عبر التركيز على نموذج متخاذل اعتاد على نهج الأخذ دون العطاء ، مذ أن كان طفلا مدللا ، فتحول النموذج إلى جمهور متقاعس ، ونجم تلفزيوني لا يعرف المسرح ، أشار له د. علي العنزي في ورقته المشحونة بالألم .
في تلك الندوة ساءلت ذاتي : كم مبدعا فكر بتقديم عرض عماده جسد ممثل يغنيه عن متطلبات قد لا توفرها المؤسسة ؟ كم مبدعا قرر استغلال مساحة خضراء في الهواء الطلق بعيدا عن قوانين بيروقراطية مزعجة ؟ وفي المقابل ، كم مبدعا سألته عن نتاجه الجديد ، فأجابك : “ماكو تشجيع” ؟
لا أستثني المؤسسة من المسؤولية بالطبع ، فأن يبات عرض (تاتانيا) بيننا دون أن يمثلنا خارج الحدود إلى الآن ، وأن تقام ورشة أو ورشتين فقط طوال العام، وأن يتعثر مخرج مميز كـ (سليمان البسام) في ميزانيات الدولة التي قد تضيع على استضافة (نجمة تلفزيونية) . كل ما سبق يعد من مسؤوليات المؤسسة بلاشك ، لكن ذلك لا يستثنينا من المسؤولية أيضا ، فالمجمعات التجارية والمرافق العامة تكتظ بالزوار ، لماذا لا نستغل ذلك التكدس البشري ونقدم لهم عروضًا قصيرة تلعب على وتر الفرجة دون السقوط في هوة الذوق الجمعي العام ؟ لماذا لا نسافر لحضور عروض مهرجانات تفتح لنا آفاقا معرفية جديدة بدلا من انتظار (تذاكر) المؤسسة ؟
أخيرا .. وبعيدًا عن مهمة سبر النوايا التي لا أتقنها ، أؤمن أن جميع تلك الآراء التي بثتها الندوة صدرت بمحبة غلفت كلمات انتقدت وأخرى أضاءت تجاربنا المحلية وتجارب عالمية عبر ورقتين مميزتين بتساؤلاتهما وتوصياتهما ، قدمها كل من د. علي العنزي، و د. نادر القنة . بالحب ذاته استعرض المعقبون وجهات نظر اتفقت واختلفت بأصوات تأرجحت بين غضب ، حماس ، وفرح ، تعبيرًا عن هاجس محب حتى وإن حاول البعض تأويل عبارات الآخر ، متناسين أن للنوايا رب يسبرها.
* * *
بوح أخير ..
– بعد انتهاء الندوة مباشرة أسعدني الأستاذ عبدالله عبدالرسول مدير مهرجان أيام الشباب المسرحي ، بخبر عودة الندوات التطبيقية للمهرجان القادم ، بعد أن توقفت في الفترة الماضية ، إيمانا منه بأهميتها في تدعيم الوعي المسرحي …فشكرا للمميز (عبدالرسول) ولكل مسؤول يستمع للرأي الآخر بنية التغيير .

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me