شكرا للدكتاتورية
في السنوات الأولى لدراستي للمسرح، قرأت كيف أقدمت الدكتاتورية على إعدام المخرج الروسي الكبير فيسفور مايرهولد، وايضا عن نفي المنظر والمخرج الألماني برتولد بريشت، ولوركا ذلك الشاعر الإنساني الكبير على يد نظام فرانكو الدكتاتوري،تلك الحوادث وغيرها تطرح أسئلة كثيرة ومحيرة، هل تساهم الدكتاتورية (بدون قصد) بإنجاح وإيصال تجربة ما؟ هل يكون القمع سببا للإبداع؟ هل تساهم المقاصل ، وهذا ما يميز كل الدكتاتوريات، ببعث روح الحياة للمشاريع الإنسانية والفكرية الكبيرة، حتى بعد إعدام أصحابها؟ العالم المسرحي كله يتلفظ اسم مايرهولد الآن ، منفى بريشت الأمريكي ساهم كثيرا بإنتاج جواهر بريشت المسرحية، ولم ينفع الاعتراف بخطأ الدكتاتورية على إقدامها إعدام لوركا، ذهبت الدكتاتوريات وبقى لوركا كأحد الشعراء العظام ، واسم المفكر، والفنان والمثقف، وبقى المشروع الثقافي والفكري.
عندما كنت داخل العراق اعمل في الوسط المسرحي، كانت أمنيتي ان أشارك بأي مهرجان مسرحي دولي، ضمن الوفود التي تذهب للمشاركة في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ، مهرجان قرطاج الدولي ، وغيرها من المهرجانات المسرحية، كان حلما بعيد المنال، رغم انه منطقي جدا ، كوني فنان مسرحي عراقي، لا اعرف لماذا هذا الحلم أو الشعور، قد يكون بأنه أشبه بالاعتراف بي كفنان مسرحي من خلال التواجد هناك وتمثيل البلد…. للاسف لم يتحق هذا الحلم طيلة وجودي بالوسط المسرحي منذ نهاية الثمانينيات، بل لم أشارك حتى في مهرجانات المحافظات ، عدى مشاركاتي في مهرجانات منتدى المسرح والمسرح العربي في بغداد.
بعد أن اخترت المنفى في منتصف التسعينيات ، واستقر بي المطاف بعد محطات عدة في هولندا، وقدمت أولى تجاربي المسرحية كممثل داخل وسطها المسرحي،وكانت للمخرج المبدع الصديق( رسول الصغير)، في مسرحية( فاقد الصلاحية )، وقد مثلت فيها الشخصية الرئيسة، اختارت لجنة المشاهدة لمهرجان القاهرة التجريبي، عملنا للمشاركة في المهرجان من بين أربعة أعمال هولندية قدمت ملفاتها للمشاركة، وشاءت الصدف أن يكون عملنا الوحيد الذي سيمثل هولندا في المهرجان، وأرسلت لنا السفارة الهولندية في القاهرة لتخبرنا بهذا الاختيار ، وتبلغنا ضرورة إكمال إجراءات السفر، تذكرت حلمي الأول الذي بدا يشع بالأفق، لكنه ليس عن طريق العراق، بل عن طريق بلد آخر ، أوربي ، حيث سأمثل بلغته للمرة الأولى ، وأنا لم أحمل اسمه بعد ، باستثناء وثيقة سفر تمنح للاجئيه .
،أقلعت الطائرة باتجاه القاهرة عبر براغ، بجانبي رسول الصغير،وشريكتي بالتمثيل الفنانة الهولندية (اوكيا)، وبقية الوفد سيلتحق بنا بعد يومين لارتباطهم بعمل آخر في هولندا وهما مصمم السينغرافيا (ري فاسن والممثلة الرائعة انا ماريا دي بروان)، كنت فرحا كطفل، لكن بداخلي غصة كبيرة ، انتبهت اوكيا لفرحي وتوتري، أخبرتها بحلمي الذي سيتحقق عن طريق هولندا.
قبل سفرنا تحدثنا أنا ورسول الصغير عن هذه المشاركة ، مشاركتنا في المهرجان باسم هولندا ، انجاز بحد ذاته.، فهو اعتراف رسمي بأهمية التجربة وأحقيتها في المشاركة، نريد ان نقول بأننا مازلنا مصرين على التواصل بمشروعنا المسرحي، حتى لو كان بلغة أخرى، سيعرف أساتذتنا وأصدقائنا في العراق ذلك، لان حتما هناك مشاركة عراقية بالمهرجان وسنلتقي بهم وسيرون تجربتنا….
يا اللـــــــــــــه الفنان الكبير يوسف العاني عضو لجنة تحكيم، الدكتور عقيل مهدي يوسف، يشارك بالندوات، وكذلك الراحل الرائع عوني كرومي، المبدع الكبير جواد الاسدي له ورقة نظرية داخل الندوات، ميمون الخالدي وحيدر منعثر وزهرة بدن(الام تيريزا) كما كنا نطلق عليها سابقا لاننا ننتمي لفرقة واحدة وهي( فرقة فاوست) وقدمنا أعمالا جميلة حينها في الثمانييات من القرن الماضي، حضروا يمثلون العراق في مسرحية (حريق البنفسج)، كأن الله يكافئنا بهذا الحضور، والذين أشادوا جميعا بخطوتنا هذه.
اذن هو عرس مسرحي عراقي شاءت الاقدار ان نلتقي جميعا بالقاهرة، نقدم لهم عملنا بعد غياب أكثر من عقد من الزمان في المنفى، لكنهم جاؤوا كوفد عراقي، ونحن كوفد هولندي،في بلد لم يمض على إقامتنا فيه سوى بضع سنوات!!!!!!!!!
مفارقة غريبة وشعور أكثر غرابة، عندما عرفنا بان عملنا داخل المسابقة الرسمية للمهرجان، فهذا يعني بأننا مرشحين للجوائز أنا على مستوى التمثيل ورسول الصغير على مستوى الإخراج ، كون العمل داخل المسابقة، لم لا ؟ كل شيء وراد طالما هي مسابقة وهناك لجنة، شعور غريب انتابني حينها استحضرت حلمي القديم وبصقت عليه لأنه وضعني في مأزق كهذا، وفرحة المشاركة تحولت إلى غصة، اخبرني المعلم الكبير يوسف العاني بان الفن بلا هوية، ودع مشاعرك جانبا، أنت تمثل العراق حتى وان كنت تمثل بلغة أخرى، تحت علم أخر…
لكن كيف إذا حصلت على الجائزة؟ بماذا سينادون علي؟ العراقي او الهولندي؟ أكيد الهولندي لأني امثل هولندا ،رغم إني لم احمل جنسيتها!!! لكن هولندا تعطيني هذه الفرصة….غريب ! رغم إني أؤمن بان الفن بلا هوية ، وبلا انتماء سوى الانتماء للإبداع فقط،القضية ليست قضية شعور وطني، وقد يكون كذلك ، لكني حقيقة لا اعرف ما هو ، ولماذا كنت أفكر به حينها.
سألت رسول قبل بداية العرض عن أساتذتنا وأصدقائنا ، داخل القاعة، اخبرني بأنهم جميعا حضروا…( كلهم) وقعت علي كالصاعقة قبل الدخول إلى الخشبة ، لم يكن يهمني أي شخص في القاعة سواهم، هم جمهوري الوحيد هذه الليلة ، لعلني اختصر سنوات المنفى الذي فرقنا ، امُثل وعيوني تلتقي بهم واحدا واحدا، قدمت العرض وكأني امثل لأول مرة في حياتي، رغم عتاب اوكيا وانا ماريا باني مثلت بطريقة مختلفة، وهذا غير ما اتفقنا عليه في البروفات والعروض السابقة إن كانت في هولندا والمغرب، رغم إني لم ارتكب أي خطا أو حركة غير متفق عليها إخراجيا، لكن الليلة الإحساس تغير، المشاعر كانت مختلفة هذه المرة، لم يفهمني احد سوى رسول الصغير، والذي كان يبكي في غرفة الإضاءة، لأنه حلمنا المشترك، إنهم لا يعرفون بأننا اليوم نحصل على شهادة الاعتراف الفنية.
اخذ مني (الممثل الباحث) وقتا طويلا من البحث، ومن ثم التنظير له كطريقة جديدة اقترحها للممثل، وهذا أيضا ساهم فيه المنفى/ الدكتاتور/الدكتاتورية، لولاه لم اذهب للمغرب مؤطراً ورشاً فنية على طريقة(الممثل الباحث) والإعلان عنها، بل واخذ الاعتراف بها من أساتذة وفنانين كبار ولهم باع طويل في الحقل المسرحي، من أمريكا وألمانيا والبوسنة وفرنسا وروسيا ،حيث كنا جميعا مؤطرين لورش فنية في مهرجان المسرح الجامعي الدولي بكازبلانكا، اثنوا على الطريقة والمصطلح، المهم أنهم عرفوا باني فنان هرب من الدكتاتورية، وينتمي للفن فقط وللإنسانية.
لولا هروبي من الدكتاتورية والدكتاتور ، لم يتحقق ذلك الحلم الذي كان بعيد المنال ،إذا شكرا للدكتاتورية التي جعلت انتمائي للفن والمسرح ,والثقافة فقط، شكرا للدكتاتورية لأنها (ساهمت) بوصول مشاريعنا المسرحية إلى الآخر ، في الضفة الأخرى.
أحمد شرجي
ahmadsharji@hotmail.com
هولندا


