إحراق مسرح القباني للمرة الثالثة..!؟

دمشق – صحيفة تشرين

الاربعاء 7 أيار 2008

سامر محمد اسماعيل

قريبا جدا من المسرح الذي حمل اسمه في شارع 29 أيار، تجمع عدد من الشباب والشابات السوريين في مساء 27 آذار 2003 حاملين في أيديهم شموعا وباقات من الآس الدمشقي، متجهين في الشوارع المسائية يجوبون الأوقات بمسيرة شموع صامتة نحو مسرح الحمراء لم يلبسوا أقنعة مسرحية،بل كانوا بثيابهم اليومية جدا، فالمناسبة كما يقول الراوي:
هي مئوية رحيل رائد المسرح السوري، الحالم الكبير أبي خليل القباني، ولئن كانت أضواء تلك الشموع الخافتة والمسالمة تحمل بذرة النار ذاتها التي أحرقت يوما مسرحية في « خان الجمرك» بتحريض من الشيخ « سعيد الغبرة» الذي تمكن من توقيع مضبطة جمع عليها توقيع أعيان دمشق آنذاك، فإن المرة الثانية كانت عام 1897، عندما أقدم بعض الرعاع والغوغاء، ولأسباب مجهولة على إحراق مسرح القباني في مصر المعروف حينها باسم «عنايت»… أما المرة الثالثة فكان الحريق مسرحيا بامتياز، إذ كان العرض الذي قدم بمناسبة افتتاح مهرجان الشباب المسرحي الثالث لعام 2008، تحت عنوان: « من هناك.. إلى هنا» تأليف«رغدا الشعراني وكفاح الخوص»وإخراج « شادي مقرش»كان هذا العرض بمثابة إشارة لنا، إذ يبدو أننا حتى الآن لم نع خطورة تقديم تلك النصوص القديمة، والتي كان حريا بنا ألا نقدمها بهذه الطريقة المسخية، التي تفتقر إلى أدنى قيمها الشعرية والتاريخية، معولين فقط على كم كبير من التساخف والتظارف الفظ دامجين بين الخيالي الفقير والمبتذل وبين الفكرة «الحلم»والتي كان من الممكن أن نقدم لها على الأقل شرعيتها الريادية، وفق ظروفها التي هيئت في زمن ينوف على المئة عام، بزوغ الطليعة الناهضة، الطليعة التي كان «أبو خليل» أحد أهم رموزها آنذاك، فما حدث في عرض « رغدا وكفاح وشادي » هو تسفيه تناول نصا من نصوص رائد المسرح السوري، وعكف على تقديمه على أنه نص ساذج لا يحمل روح المختبرات المسرحية الجديدة..!، ويفتقر إلى الكثير الكثير من شروط اللعبة، وأن الشخصيات تتحول بطريقة كاراكوزية، كاريكاتورية إلى أنصاف حالات درامية مشوشة، في حين كان على شباب المسرح السوري، الذين تمكنوا في مختبرهم الأخير من إصابة الجوائز في مهرجانات دولية، أن يكونوا أكثر وعيا ودراية بحساسية تناول تلك المرحلة من حياة السوريين، وكيف أنه كان على الرجل بمفرده في ذلك الزمن البعيد النائي أن يجاهر بحلمه وحبه للمسرح وفن التشخيص.

ما حدث فعلا يدعو إلى الرثاء، وجعلنا مرة أخرى نقول: ان أطوار وأجيال دولة ابن خلدون فيما لو كانت دولة مسرحية، لأزمعنا على القول: اننا نعيش الآن فترة أو طور ذهاب العصبية الإبداعية الخلاقة و«ضياع الملك المسرحي» إذ إن الجيل الخامس وبصفته الهدامة المتفكهة و«الالكترونية» لا يريد أن يحتفل برموزه القديمة إلا بطريقة تهكمية غريبة من رموز الوعي الآفل، وإذا كانت الحكاية قد بدأت مع أبي الخليل، فإنها لاحقا وفي زمن ليس بالبعيد، ربما ستصيب نصوصا أخرى، قد تكون هذه المرة لسعد الله ونوس مثلا، لاسيما أن المحكومين بالأمل والمنذورين لأحلامهم، ما عادوا سوى مجموعة من الرومانتيكيين البائدين الذين يدعون للضحك والحسرة..! يقول ونوس في معرض حديثه عن تج
ربة القباني: «عوامل الخطر في هذه التجربة تكمن في الظاهرة المسرحية بذاتها، بغض النظر عن الأفكار التي كانت تتضمنها العروض، إذ ان ظهور المسرح في تلك الآونة كان جزءاً من حركة التنور والنهضة التي رافقت صعود البرجوازية السورية». ‏
كلام الراحل الكبير يحيلنا إلى أهمية تلك التجربة بوصفها ظاهرة، وهذا لم يراعه «من هنا.. إلى هناك» بل كان جلياً من طريقة عرض المشاهد المنحولة عن نص «هارون الرشيد وقوت القلوب» أنها مشاهد قدمت على سبيل التندر والتفكه، واعتبارها مادة فنية فقيرة وغير قابلة للحياة مرة أخرى على الخشبة، وذلك بابتكار مخلوقات فضائية على نحو: ‏
جنيات السينوغرافيا والأزياء، ناهيك عن «دي جي وسي دي». وآخرين، لإبعاد ذلك الزمن عن مخيلته القريبة البعيدة، ثم لتأتي الطامة الكبرى بتقديم رمز من رموز الثقافة الدمشقية على أنه عبارة عن هيكل منقرض، مفرغ من أجسامه الحية، وإيماءاته الثرية، محض مجسم حكواتي يمر على حبال متحركة، تلوح لنا من خلاله نظارة وشارب وطربوش أحمر، مع أن الحكواتي يا شباب هو طريقة قائمة بحد ذاتها في الرواية وتعدد الأصوات واتجاه من اتجاهات المسرحة، على ما يسمى عالمياً اليوم «بمسرح الحكي» وهذا كان إشارة أخرى لإعلان القطيعة نهائياً مع التراث، واعتباره مجرد حالة متحفية لا يمكن عصرنتها، فالقصة تحتاج إلى بهرجات إضافية،لشخصيات غرائبية تهبط علينا من السماء بصحون طائرة. ‏
هل من المعقول أن نصل إلى درجة أن نرى تلك الحقبة من منظار خيال علمي أجوف، أصبغته أفلام الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد؟ هل الصحون الطائرة اليوم هي ما يفكر به جيل الشباب المسرحي كحلول إخراجية خارقة للعادة وجدار الصوت..؟.

إن هذا لا يردنا إلى غايات تقديس النصوص القديمة نسبياًو أو تحويلها إلى أصنام ثقافية لا يحق لأحد تدنيسها، فهذا ما لا نحتاجه وليس من قبيل أمنياتنا النقدية، لكن ما يفترض أن نفكر به ملياً قبل أن نعبث به على هذا النحو التدميري، هو الاحتفاء بالطليعة، والقدرة على الإمساك بروح الزمنية التي وضعت أولئك الأشخاص وجهاً لوجه مع قوى الظلامية والتعصب الفكري والاجتماعي، كنه تلك المغامرة العجيبة للقباني الذي كان لا يريد إلا مكاناً آمناً لكتابة وتمثيل مسرحياته الغنائية، مخايلاته الطريفة في «ناكر الجميل» و«أبو الحسن المغفل» مكاناً كالذي تحدث عنه في أغنيته «بين دمر والهامة، طيري يا حمامة» ثم ضربه في الأرض المصرية ومنها إلى أمريكا لتقديم عروضه، بعد أن أغلقت أبواب وطنه في وجهه. ‏
تلك السمة التنديرية العالية التي كان القباني رائد مسرحها الأول لا تستحق عرضاً اعتباطياً كهذا يضيع فيه الجهد فقط لافتتاح مهرجان، دون أن ننسى إطفاء الشموع بعد انتهاء المسيرة، لئلا نساهم في إحراق خوذة شرطي المرور، أو أشجار الرصيف، فهم أيضاً فرحوا لشموعنا الصامتة والمحايدة على أنها ضوء ليس حرياً بها أن تصير ناراً لإحراق المسارح القديمة… ‏
انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me