تشرشل وغزة ..ومسرحنا العربي

أعلنت الكاتبة المسرحية البريطانية كارل تشرشل (70 عاماً) أنها انتهت من كتابة مسرحية قصيرة بعنوان سبعة أطفال يهود مسرحية من أجل غزة”، تعليقاً على المجزرة التي شهدتها غزة قبل أسابيع .

المسرحية التي تحمس المسرح الملكي البريطاني لانتاجها وتقديمها على وجه السرعة، وبالتحديد يوم الجمعة الماضي ، سيتم عرضها مجاناُ بهدف جمع التبرعات لصالح المساعدات الطبية لفلسطينيي غزة. ومن جهتها تنازلت تشرشل عن حقوقها المادية وأكدت أنها ستنشر النص المسرحي على شبكة الانترنت لكي يتمكن المسرحيون حول العالم من تقديمه بدون الحصول على موافقتها، شريطة أن يعقب العرض حملة لجمع التبرعات من أجل غزة.

تشرشل معروفة بانحيازها للقضية الفلسطينية وهي عضو في حملة التضامن مع فلسطين التي تضم في عضويتها الكاتب المسرحي الراحل هارولد بنترالمعروف هو أيضاً بمواقفه المشرفة. لكن هذه هي المرة الأولى التي تكتب فيها عن فلسطين. وهذا يعتبر حدث يستحق التوقف عنده ، وتأمله من عدة زوايا.
فلم يسبق للرأي العام البريطاني بل والأوروبي عموماً أن عبر عن استياءه وادانته للمذابح الدموية التي قام بها الجيش الاسرائيلي ضد النساء والأطفال في غزة، بهذه القوة. وعلى حد تعبير الكاتبة البريطانية: “ان اسرائيل قد اقترفت الكثير من الفظائع في الماضي ، لكن ما حدث في غزة كان لم يسبق له مثيل.”

المسرحية قصيرة جدا ربما لايزيد زمن عرضها عن عشرة دقائق لكنها بتعبير تشرشل طريقة لتأمل ما حدث وجمع المال من أجل مساعدة أولئك الناس الذين عانوا الويلات هناك. كلنا يعلم ما حدث في غزة، وكلنا يشعر بالأسف لذلك . وبالمقاييس الفنية فالمسرحية ليست حدثاً مسرحياً ، انما هي حدث سياسي.

ويقول دومينيك كوك المدير الفني للمسرح الملكي البريطاني الذي يقوم باخراج المسرحية : إن احدى مزايا المسرح انه كان دائما يتفاعل مع الأحداث الجارية، لكن هذه كانت أسرع استجابة مسرحية على حد علمي. ويتمنى المخرج أن تستفز المسرحية مشاعر الناس، وأن يفكروا في الظروف التاريخية التي أدت بنا الى هذا الموقف في الشرق الأوسط.

وبالفعل كان المسرح عبر تاريخه الطويل شاهداً على الأحداث الهامة والأزمات والحروب ، فقد لعب المسرح الوثائقي الذي بدأ مع الفنان الألماني ارفين بيسكاتور 1966-1893)) دوراً هاماً في تسجيل ومناقشة الأحداث الجارية من خلال الصور وقصاصات الصحف، والأفلام السينمائية، بل ومحاضر التحقيق الرسمية.
فقد آمن بيسكاتور إن المسرح السياسي الذي يريد أن يقدمه لا يوجد في المسرحيات العادية المكتوبة للمسرح سواء في شكلها أو مضمونها، وكان خياره هو الإعداد المسرحي لموضوعات عامة من الحياة نفسها، بحيث لا تفقد دفء وحميمية العنصر الإنساني، والشخصيات التي يمكن التعرف عليها. وأسس بيسكاتور هذا النمط من المسرح، الذي سرعان ما انتقل إلى أمريكا حيث شكل رافداً هاما لمسرح الجماعة، وتطوير أسلوب “الجريدة الحية” الذي نشأ في كل من روسيا وأمريكا.، الذي صنع مسرحاً من الصحافة، وجاءت الجريدة الحية مزيجاً ما بين الصور المتحركة والمسرح الملحمي وعناصر من السيرك والميوزك هول والباليه.

وناقش المسرح الوثائقي العديد من الأحداث الهامة المعاصرة وقتذاك ، منها: قضية العالم أوبنهايمر مخترع القنبلة الذرية والتي ُكتبت من واقع سجلات لجنة رسمية شكلتها وكالة الطاقة الذرية الأمريكية عام 1945، ومحاكمات جرائم الحرب التي عقدت بألمانيا في الستينات، والخاصة بالتعذيب في معسكر أوشفيتز- وعرضت هذه المسرحية التي كتبها بيتر فايس بعنوان التحقيق و اعتمد فيها على تقارير صحفية – على 18 مسرحا داخل ألمانيا. كما عالج المسرح الوثائقي العديد من الموضوعات مثل التمرد الذي حدث عام 1953 في ألمانيا الشرقية، واغتيال كنيدي وغير ذلك من الأحداث والوقائع.

وفي المسرح العربي أيضا كتبت عدة مسرحيات انطلاقاً من المسرح التسجيلي، وتناول معظمها القضية الفلسطينية مثل الذباب الأزرق لنجيب سرور والنار والزيتون لألفريد فرج، حيث استخدم الأخير في مسرحيته بعض تقنيات المسرح التسجيلي ، مستحضراً وقائع ووثائق تاريخية مثل موكب اللورد اللنبي غداة اقتحام القدس ودمشق سنة 1917، وخريطة الوطن العربي ، واشارة سايكس وبيكو إلى الاتفاقية السرية لتقاسم الأرض العربية واحتلالها، ومائدة اجتماعات الأمم المتحدة وقائمة قرارات الحقوق الفلسطينية، واستعراض القوة بشخص كيسنجر، وتمثل شخصية صورة زنوبيا التي قاومت الاحتلال الروماني.

ان ما جرى في غزة من مجزرة عبر عنها الأمين العام للأمم المتحدة يان كي مون بقوله : ” انه أمر يصعب تصديقه”- حري بلا شك بأن يلهم مبدعينا العرب ، بل ويدفعهم دفعاً لكي يعبروا عن رأيهم فيه، معالجة لا ينقصها العمق، وان جاءت مباشرة ومعاصرة، لأنه وكما قالت محررة الجارديان لين جاردنر بحق فإنه في زمن جوجل و الأخبار المتواصلة خلال الأربع والعشرين ساعة، يصعب علينا أن نتقبل عملا مسرحيا يعرض بعد أعوام من أحداث هامة ووقائع تاريخية، لأنه سيبدو “قديما ومتأخراً”.
على المسرح في القرن الواحد والعشرين أن يكون معاصراً لكي يأخذ مكانه اللائق في هذا العصر المعقد اللاهث، كوسيلة راقية للتنوير ونشر الوعي بين الجمهور، وأن يكون له دور هام في حياتنا، وتأمل ما يدور من أحداث تجري حولنا في محاولة لفهمها واستيعابها.

وفي هذه اللحظة الدقيقة من تاريخنا العربي التي تواجه فيها أمتنا العربية أطماعاً توسعية من عدو يستخدم آلته العسكرية متخذاَ من أجساد الفلسطينيين دروعاً بشرية ، ويستخدم الأسلحة الفتاكة المحرمة ضد شعب أعزل هم أهلنا في غزة، لابد أن يقول المثقف والمبدع العربي كلمته، ويطرح رؤيته بكل وضوح، مستخدما كافة أشكال التعبير.
لقد قال الشارع العربي والعالمي كلمته، والدور الآن على مبدعينا، ولينظروا ماذا فعلت تشرشل.

sebaie@gmail.com

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me