جورج بوشنر:عبقرية مسرحية انطفأت سريعا
وجدت في الطبيعة البشرية فوضى عارمة، وفي العلاقات الإنسانية قوة لا تقاوم، يتقاسمها كل الناس ولا يشترك فيها أحد.إن الفرد يسير مع الموجة ، الصدفة المحضة، قانون مسرحية عرائسية عبقرية و صراع مضحك ضد قانون حديدي.
للأدب الألماني سحره الخاص وأسماؤه اللامعة.. هذا الأدب الذي يمتد من جوته و شيللر في القرن الثامن عشر حتى دورنمات وبرشت و كافكا في القرن العشرين.وفي كل الثقافات فيما يبدو، نجد إلى جوار العمالقة والكبار مبدعين آخرين ينم إنتاجهم القليل عن موهبة لامعة لكن العمر لم يطل بهم و لم تكتمل تجربتهم.. يتوهجون كالشهب في السماء و ما يلبثون أن يتهاووا وينطفئ البريق مبكرا جدا وقبل أن تكتمل التجربة الإبداعية.
جورج بوشنر هو واحد من هؤلاء ، فقد عاش 24 عاما فقط قدم خلالها ثلاث مسرحيات و قصة واحدة. لكن موهبته الفذة وتأثيره القوي امتد عشرات السنين ليكون ملهما للحركة الطبيعية والتعبيرية في المسرح. عاش بوشنر فيما يعرف باسم عصر ألمانيا الفتاة حيث اشترك أدباء ذلك العصر في نقدهم الحاد للأوضاع الاجتماعية والسياسية في ألمانيا و رغبتهم في الإصلاح. أرسله والده الطبيب إلى مدينة دارمشتاد لدراسة العلوم والتشريح.. لكنه انشغل هناك بالسياسة و شارك في تأسيس جمعية لحقوق الإنسان وكتب رسالة ثورية اعتبرها النقاد أجمل ما كتب في الأدب السياسي، و كادت تلقيه في غياهب المعتقلات.
كتب بوشنر أولى مسرحياته عن الثورة الفرنسية وهي ” موت دانتون ” عام 1835..وتدور حول المواجهة بين كل من دانتون و روبسبير، حيث يحاول دانتون بلا جدوى أن يضع حدا لسفك الدماء والأعمال غير الإنسانية اعتمد فيها كثيرا على المصادر التاريخية و خطب الثوار الفرنسيين.و لكن كان أهم ما يميزها هو عدم التزامه بوحدة الحدث. واستخدامه للغة العامية إلى جانب الفصحى. لكن إضافة بوشنر الحقيقية إلى الأدب المسرحي كانت مع مسرحيته التي لم تكتمل (فويتسك) التي تدور حول قصة حقيقية لجندي ارتكب جريمة قتل.و تتجلى فيها روح عدمية ساخرة ويعتبرها النقاد بداية لنوع جديد من الدراما بمشاهدها السريعة المتغيرة وكأنها سيناريو سينمائي.
فويتسك في المسرحية هو جندي فقير بائس بل هو “أقل البشر شأناً”على الإطلاق”.. تربطه علاقة حب بماري لكنه يقتلها عقابا على خيانتها، ويلقي بها في النهر.في نفس الوقت يكون الجندي البائس موضوع دراسة من قبل أحد الأطباء و قائده العسكري.لم يمهل الموت بوشنر ، فلم ينته من المسرحية التي تركها في شكل مخطوطات متعددة لم يكتمل أي منها وظلت حبيسة الأدراج ثلاثين عاما. حتى نشرت مثلها مثل بقية أعمال بوشنر بعد وفاته بسنوات طويلة.مات بوشنر مريضا..في ريعان شبابه. لكنه بعد وفاته كان له تأثيره العظيم بأعماله القليلة التي لم تكتمل – على تاريخ المسرح العالمي لدرجة أن أنطونين أرتو و برتولد برشت اعتبراه أبو المسرح الحديث….لم يترك بوشنر لنا سوى ثلاث مسرحيات. ومع ذلك فانه يعتبر واحد من العبقريات في تاريخ المسرح الأوروبي.


