فارس الزمن الأخير في ذكراه الحادية والعشرين

محمد رياض إبراهيم

نجيب سرور.. الثائر ضد تعاسة الواقع والقهر والانهزامية والفساد
* كان مندفعًا غشيمًا معتدًا بنفسه لا يسيطر علي عواطفه.. وتلقي صدمته الكبري في القاهرة ومبادئ الثورة وفقدان ابنه * أغرب مفارقات حياته أنه عمل رقيبًا.. وعندما عاد من روسيا لم يجد لنفسه مكانًا في الوطن فدفن همومه في الخمر والكتابة * كانت زوجته الممثلة يحسب أقواله.. تتجسس عليه لحساب السلطة والزج به في مستشفي العباسية

في الرابع والعشرين من أكتوبر، تأتي الذكري الواحدة والعشرون لرحيل الشاعر والفنان والمخرج المسرحي نجيب سرور «1932 ـ 1978»، ونحن إذ نتذكر يوم رحيله عن العالم، إنما نقدم فرضا واجبا علينا تجاهه، وهذا أضعف الولاء.

عن المهمشين أكتب، عن الحرية، عن الغربة، والركض اللاهث في دروب الوطن سعيا إلي البقاء، عن الكفاح المرير للخروج من أسر الهامش ومن ليل الغياب «الغائبون» كلمة تسطع في ضمير الوطن، وتهز كيانه من الداخل هزا عنيفا، من آن لآخر تبرز أسماء قضي عليها الموت في دهاليزه السرية، وعوقبت بالنفي حتي أقصي حدود الذاكرة، الذاكرة الهشة التي لم تعد تعي أو تراجع أو تقلب في أوراقها الصفراء المهترئة تحت أكداس الهزائم والجرائم والخراب وزخم الحياة الخئون.. ذاكرة الوطن.

بالرغم من ذلك تتهادي إلينا أسماء من ماتوا، وجوه تستطلع مشهد الحياة بصمت نبيل، لقد قالت كلمتها ورحلت، وعلينا الآن أن نعيها كما هي.

نجيب سرور، ذو المواهب الهائلة، الشاعر والرجل «المتلاف» منفلت العزار الذي صدمنا جميعا، وأوقفنا علي حدود الواقع شاخصين في غباء، وهو يشرح بمبضعه الحاد جثة الوطن «العزيز» في «أمياته» السرية «العلنية» المسموعة بصورة لم نستطع معها سوي الضحك مع من يضحكون، وبعدها تنشب المرارة أظفارها الدموية في قلوبنا وعقولنا.

أحري بنا الآن أن نتذكر بعضا من ملامح هذا الشاعر «الصدمة»، لنعرف كيف انتهي الأمر بالفارس الهمام ـ فيما يشبه «السقطة» بالتعبير الدرامي ـ إلي هاوية الجنون والموت.

كبرياء القروي

قدم نجيب من قريته «أخطاب» إلي القاهرة محملا بزواده من طيبة القروي وكبريائه، ببعض من عبير الأرض، وحكايا كثيرة من الأرض البراح، وكل الذين اقتربوا منه وعرفوه يجمعون علي أنه كان مهذبا يتسم بطيبة مفرطة لكنه وعلي الجانب الآخر كان مندفعا «غشيما»، معتدا بنفسه وبأفكاره، لا يسيطر علي عواطفه وقد يصل به الأمر أحيانا إلي الشجار بالأيدي، لقد غرست فيه «أخطاب» قريته النائية بعضا من عفويتها وفطريتها، ومثل كل الشعراء القادمين من قري مصر الهادئة ـ وقتها ـ صدمته تجربة المدينة، وأحدثت في كيانه شجا، لقد هاله ما رأي من حشود البغايا والمتسولين والعسكر، واصطدم لأول مرة في حياته بمنطق السوق الذي لا يرحم «يا دفتر الأرقارم ما ثمني؟ أنا مثل التراب بلا ثمن.. لا شيء بالمجان غير الموت.. لكن.. لا مفر من الكفن» «لزوم ما يلزم».

كانت هذه انطباعاته الأولي عن المدينة، وبعد ذلك بسنوات ستكون القاهرة مسرحا للتشرد والضياع، سيعرف فيها الخيانة والاضطهاد والحبس والمطاردة وسيضيف نجيب إلي كل ذلك السُكر والتصعلق والفن الجميل.

مبادئ الثورة

تفتح وعي الفتي السياسي في مرحلة الخمسينيات علي مبادئ الثورة، ومثل كل مثقفي المرحلة امتلأت نفسه بأحلام القومية، تلك الأحلام التي ما لبثت أن أجهضت بقسوة وجاءت الهزيمة لتقضي تماما علي البقية الباقية من أحلامه الكبري.

عاش نجيب حياته كيخوتيا خالصا، كان يدرك ذلك تماما علي المستوي الحياتي والفني، وحتي مع الموت كان يعرف أنه سيموت موتا ملحميا، لقد عاش حياة الفرسان لكنه ـ بحكم الشاعرية أو النبوءة ـ كان يري نهاية المغامرة، السقوط المروع من علياء الحلم، كان يعرف أن فروسيته ليست من هذا العالم، لذلك كان يشك في جدواها وجاءت النهاية كما توقعها تماما: «ما أنت أول فارس.. ما أنت آخر فارس / قد ضيعته الكتب / ألقت فوق عينيه الغشاوة» «لزوم ما يلزم».

عمل نجيب سرور بوزارة الثقافة رقيبا ـ لاحظ المفارقة ـ وفي أوائل الستينيات سافر في بعثة إلي الاتحاد السوفيتي، وهناك تعرف علي المبادئ الشيوعية وقرأ كثيرا في الأدب والمسرح الروسي وتأثر علي وجه الخصوص بدراما تشيكوف الأكثر إنسانية وسخرية ورغبة في التغيير، كانت سنوات البعثة مرحلة فارقة في حياة وفن نجيب تزوج خلالها من فتاة روسية «ساشاكورساكوف» وأنجب منها ثم ما لبث أن ترك زوجته وابنه للمجر هاربا من وهم المطاردة اليهودية له، هذا الوهم ـ منذ ذلك الحين ـ ظل يسيطر عليه طيلة حياته، بعدها رجع نجيب وحده فلم يجد له مكانا في الوطن، كان قد فقد وظيفته إلي الأبد، وافتقد حتي النهاية إلي مورد للعيش، واضطربت حايته، خاصة بعد أن منعت زوجته وابنه من اللحاق به، فدفن همومه في الخمر والكتابة.

الزواج القاتل

كان نجيب قد تزوج للمرة الثانية من ممثلة، وفشلت الزيجة فشلا ذريعا، وتركت في نفسه جرحا لم يندمل إلا بموته، لقد كانت الزوجة أداة ـ بحسب أقواله ـ من أدوات السلطة للتجسس عليه والزج به في مستشفي العباسية التي قضي بها ستة أشهر كاملة ولم يأمن نجيب بعدها من الملاحقة علي أيدي الهيئات الرسمية.

جاءت هزيمة 1967م لتكتب الفصل الأخير من حياة «نجيب سرور»، لقد توازي انهيار المشروع القومي مع انهيار حياته كلها، وكأن انكسار الحلم كان يساوي لديه الحياة نفسها انهارت صحته وأخذت حياته في الأفول، كان نجيب يعلم أنه يقترب من الموت، إن إحساس الموت هذا هو الذي دفعه إلي الكتابة بغزارة وبلا كلل، لعله كان يري في الكتابة أداة مقاومة في مواجهة الموت المحدق أو لعله كان ينشد أن يقول كل شيء قبل غيابه التام، كتب نجيب في هذه الفترة مسرحيات «قولوا لعين الشمس» و«منين أجيب ناس» و«ملك الشحاتين» و«الكلمات المتقاطعة» ومن الدواوين: «رباعيات» و«فارس آخر زمن» و«الطوفان الثاني» الذي لم يهده العمر لاستكماله.

مات نجيب بعد أعطانا درسا في الثورة والتحدي وعدم الصمت «كيخوت لا تصمت، أليس الصمت قلت هو الجحيم»، لم يصمت نجيب، كان يقول دائما ما لا يقال بثبات، وبعفويته المعهودة، وكان صوته ولا يزال دليلا دامغا علي الإدانة، وحجة ضد تعاسة الواقع والقهر والانهزامية والفساد.

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me