أحمد زكي …كأنه خلق من طمي مصري

النمر الأسمر ..الموعود بالعذاب والشجن والنجاح والحب

ناهد عزالعرب

كأنه خلق من طمي مصري ، وسري في وجدانه صبر النيل، وتركز عمقه وشجنه وقوته في عينيه فأصبح مسكونا بناس النهر الذين نَحتوا داخله ملايين الشخصيات التي تصارع جسده لكي تخرج إلي الوجود لتطل علي الدنيا عبر موهبته الفذة مسجلة خلودا موقعا باسم ” أحمد زكي ” فتي النيل ، النمر الأسمر ، المسكون بالموهبة والموعود بالشجن ، بالحزن ، بالعذاب ، بالنجاح وبالحب أيضا ، شبيه النخل في كبريائه والنيل في جنون فيضه والأشجار في صموده أمام محنة المرض الذي كان يعرف منذ البداية أنه طريق اللاعودة ؛ وبالرغم من ذلك فقد مشي علي الأشواك وتحامل لكي يخرج ” حليم ” إلي الجماهير التي عشقت فنه بإبداع نجم مولعون بآدائه ، تري هل إدخر القدر شخصية “حليم” لتكون آخر الصور المتجلاة عبر موهبة ” أحمد زكي ” الآتي من المنبع نفسه ، والمتشابهة مع رحلة عذاب ونجاح وحياة ومرض ” العندليب ” حتى ليختلط الأمر بين الواقع والسينما فظل مشهد النهاية معلقا بين” حليم” علي الشاشة وبين حياة ” أحمد زكي ” ، تري هل ادخر القدر هذه الشخصية لتكون آخر ما أبدع ” زكي ” لتذكرنا بأ ننا في حالة تسرطن تسرق منا الموهوبين في عز نضجهم وتستدعي قائمة طويلة ممن فقدناهم في السنوات الأخيرة ولم نشبع بعد من وجودهم وعطائهم .

- تري هل كان صراع النمر الأسود بهذه القوة مع المرض اللعين – وهو ما جعل طبيبه الفرنسي ” شيفالييه ” يصف حالته بأنها حالة فريدة بسبب إرادته القوية- كان خلفها مئات الشخصيات الساكنة في قلب “أحمد زكي ” والتي طالما صارعته لتخرج إلي الوجود فإذا بها تصارع معه ليبقي ؟!

– إنها في النهاية والمبتدا إرادة الله ، فسلام عليك يا ” أحمد ” بما أعطيتنا من بهجة وبما منحته لوجدان وعقل كل الجماهير العربية من متعة بفنك الأصيل الذي لم تبتذله في أصعب الظروف ، سلام عليك بعدد المهمشين الذين عبرت عنهم ، وبعدد المحبين لك ، ودعوات البسطاء والرؤساء والملوك ، والشخصيات التي خلدتها بتجسيدك العبقري لها ، سلام عليك ..

عبقرية الآداء
” أحمد زكي ” عبقرية في الآداء علي كثرة المعاصرين له من نجوم التمثيل ومبدعيه ، فهو من الممثلين الذين تتلبسهم الشخصية فلا تستطيع أن تلمح شخصية ” أحمد زكي ” نفسه إذا ما إستعرضت شخصياته الدرامية ولابد أن يتلبسك التعجب والإعجاب من قدرته علي آداء الشخصيات المتناقضة بالعظمة نفسها والمتشابهة في صور جديدة وبالإقناع نفسه ، ويصل به التحدي بموهبته إلي آداء شخصيات تاريخية ومعاصرة بعيدة كل البعد عن مواصفاته الشكلية وقريبة كل القرب من أذهان المشاهدين فيقنعك بأن ماتراه علي الشاشة هو الحقيقة فهو ” طه حسين ” وهو ” جمال عبد الناصر ” وهو أيضا ” السادات ” ، و الصعلوك ” حسن هدد ” في (كابوريا ) ، و ” هشام ” ضابط الشرطة الغليظ الذي يفهم حب الوطن علي طريقته في ( زوجة رجل مهم ) ويختلف عنه في شخصية ” يحي ” ضابط الشرطة في ( أرض الخوف ) المثالي الذي يكلف بمهمة تفسده باسم الوطن،والساذج الذي يفهم الوطن كما علموه له في (البرئ ) ، و”منتصر ” الذي يدفعه الفساد لكي يصبح مطاردا وهو المجني عليه في (الهروب) ومحامي التعويضات ” مصطفي خلف ” الذي يحدث له التحول عندما يدان ابنه عن طريقه دون أن يدري فيرفض طريق التعويضات برغم كل ماوضع في طريقه من عقبات ويرفع قضية (ضد الحكومة ) ، و”سيد ” المصور المتجول في (إضحك الصورة تطلع حلوة ) وتاجر السمك الذي بدأ شيالا ليصبح من أباطرة السوق ( شادر السمك ) ومدرس الفلسفة الذي ينتهي به الأمر إلي أن يصبح دجالا في (البيضة والحجر) و”علي ” الشاب الملئ بالطاقة والحب والذي يأكله غول البطالة المقنعة والفقر في (الحب فوق هضبة الهرم ) و ” عبده ” الطبال الذي يقدم صرخة الفنان الضائع خلف أرداف راقصة ( الراقصة والطبال ) و”شكري ” حلاق السيدات في ( موعد علي العشاء) ، ” فارس ” سائق الأجرة (طائر علي الطريق ) والمدمن ، الإمبراطور ،البرنس، البواب ، الشاعر الفقير الرقيق الملتزم (مدرسة المشاغبين ) السفرجي غاوي الفن الذي يقلد الفنانين (هاللو شلبي ) وغيرها عشرات الأدوار التي أبدع فيها ، وأخيرا “حليم ” المطرب الذي شكل وجدان جيلين علي الأقل والموعود مثله بالعذاب والنجاح والموهبة

_ والسؤال لماذا أبدع وتفوق ” أحمد زكي ” وملك ناصية الآداء وبلغ مستوي عظام الفنانين العالميين وسط ظرف سينمائي صعب لايقارن بما يتاح للعباقرة من أمثاله في السينما العالمية ؟ هل هي الموهبة فقط ؟ ماهي الشفرة التي استطاع “أحمد زكي” أن يمتلك فكها فأصبح “برومثيوس ” الآداء ومالك النار ووهج الإبداع ؟

بالطبع ليست الموهبة وحدها ولا الدراسة وإن كانا أساسيان ولكن السر يكمن في “الشخصية ” والشخصية هنا شقين الأول شخصية الفنان نفسه وتاريخه ، والثاني الشخصية الدرامية ؛ فالدراما تقوم بالأساس علي بناء وتركيب الشخصية والشخصية بدورها تقوم علي التفاصيل الصغيرة والدقيقة التي تختلف من شخص لآخر مهما تشابها أو تشابهت مهنتهما ، تفاصيل تنتج عن التاريخ النفسي والاجتماعي والعقلي و المواصفات الجسمانية لكل منهما وقد تتبدي في انحناءة ، في حركة يد أو وجه أو نظرة عين إلي آخره ، والتي تشكل علامات دالة علي الشخصية ، وهذه التفاصيل مهما أبدع الكاتب أو المخرج فهي تعتمد بالأساس علي فهم وعمق والتقاط وآداء الممثل ، و هناك عناصر خارجية تضاف لكي تتخلق الشخصية مؤداة علي الشاشة، مثل الماكياج والملابس والمكان والإضاءة وغيرها ، ولكن الماكياج الداخلي والطاقة الانفعالية والقدرة علي آداء كافة الانفعالات الإنسانية ، والقدرة علي تلوين الصوت وفقا للشخصية وللموقف ولعلاقتها بالشخصيات الأخري ، ومرونة الجسد وقدرته علي استيعاب أقصي طاقة حركية له في المكان والسيطرة علي هذه الطاقة وفقا لتفاصيل الشخصية ، والهارمونية بين التعبير الحركي والمعني الظاهر والباطن للكلام المنطوق و وبين الصوت وبنيته ، كل هذه التفاصيل من صنع وموهبة وتقدير الممثل فلايستطيع مخرج أن يخرجها من فنان فأقصي مايستطيعه أن يوجهه ل (سكة آداء ) ، تلك التفاصيل التي تحول الشخصية الدرامية من شخصية ورقية إلي شخصية من لحم ودم والتي تجعلنا نقيم آداء الفنان بالعمق أو السطحية في غيابها .
– تري هل أعدنا تأمل ” أحمد زكي ” عبر آداءه لشخصياته الدرامية وفقا لهذه القواعد والمفاتيح لنري كم كانت عبقريته وجهده الذي صقلته دراسة المسرح في معهد الفنون المسرحية ومناهج التمثيل المختلفة ولكننا لايمكن أن نصنفه في خانة منها فقد صنع توليفة عجيبة منها بتوقيعه والمدهش أنه علي الرغم من دراسته للمسرح و رشاقة آداؤه عليه لم يستهوه ؛ قدر ما سحرته السينما ، ربما ضاقت خشبات المسرح علي طاقته إلا أنه أيضا لم يحبس نفسه في كادر السينما ، كما أن هذه العبقرية في تلبس الشخصية لايصنعها الفهم ولا الدراسة فقط ولا حتى الموهبة بل تستدعي أن يوهب الفنان نفسه لشخصياته الدرامية طوال الوقت تلك التي سيؤديها والتي يحلم بها والتي ربما تجئ ، أن تظل عينيه وأحاسيسه وذاكرته طوال الوقت كاميرا مفتوحة علي الناس تلتقط وتحس وتخزن خبرتها ، وهذا هو الشق الثاني من الشخصية المتمثل في شخصية الممثل الذي سيلعبها وهو ماكان يميز ” أحمد زكي ” أيضا فلايمكن أن نتصور أن هذا المعرض والمهرجان الحي للشخصيات المتنوعة والكثيرة التي لعبها بإبداع قد أتي فجأة عندما تعرض لتمثيل تلك الشخصيات، بل كان لديه جراب وبنك من اختزان الشخصيات الواقعية وتفاصيلها، رأسماله لايحد يستدعي منه ومن مخزونه عندما تأتيه الشخصية والدور .
– تاريخ ” أحمد زكي ” الشخصي أيضا ومعاناته وعذاباته ملأت الروح وصقلت الذهب .. ، ووعيه بموهبته وبضرورة ألايهدرها فيما لاينفع الناس وما لايبقي؛ كل هذا جعل من إسمه علامة علي قمة التفوق والعبقرية وعلي رأس جيل كامل به الكثير من المبدعين والموهوبين واستحق معه حب الجماهير من الغفير للأمير ومن الخليج إلي المحيط ، واستحق معه لوعتنا علي إصابته ودموعنا علي آلامه وتقديرنا ودعواتنا له حيا أوبين يدي الله .

هكذا تحدث عن نفسه

انظروا معي كيف تحدث “أحمد” بوعي عن مكوناته ونفسه وفن التمثيل في حوار له منشور دون إشارة لمن أجراه علي معظم المواقع علي الإنترنت :
” جئت الى القاهرة وأنا في العشرين : المعهد ، الطموح والمعاناة والوسط الفني وصعوبة التجانس معه ، عندما تكون قد قضيت حياتك في الزقازيق مع أناس بسطاء بلا عقد عظمة ولا هستيريا شهرة . ثم الأفلام والوعود والآلام والأحلام …. وفجأة ، يوم عيد ميلادي الثلاثين ، نظرت الى السنين التي مرت وقلت : أنا سرقت .. نشلوا مني عشر سنين . عندما يكبر الواحد يتيماً تختلط الأشياء في نفسه .. الإبتسامة بالحزن والحزن بالضحك والضحك بالدموع ! أنا إنسان سريع البكاء ، لا أبتسم ، لا أمزح . صحيح آخذ كتاب ليلة القدر لمصطفى أمين ، أقرأ فيه وأبكي …. أدخل الى السينما وأجلس لأشاهد ميلودراما درجة ثالثة فأجد دموعي تسيل وأبكي ، عندما أخرج من العرض وآخذ في تحليل الفيلم ، قد أجده سخيفاً وأضحك من نفسي ، لكني أمام المآسي أبكي بشكل غير طبيعي ، أو ربما هذا هو الطبيعي ، ومن لا يبكي هو في النهاية إنسان يحبس أحاسيسه ويكبتها . المثقفون يستعملون كلمة إكتئاب ، ربما أنا مكتئب ، أعتقد أنني شديد التشاؤم شديد التفاؤل . أنزل الى أعماق اليأس ، وتحت أعثر على أشعة ساطعة للأمل . لدي صديق ، عالم نفساني ، ساعدني كثيراً (في السنوات الأخيرة) ويؤكد أن هذا كله يعود الى الطفولة اليتيمة ، أيام كان هناك ولد يود أن يحنو عليه أحد ويسأله ما بك .
في العاشرة كنت وكأنني في العشرين .. في العشرين شعرت بأنني في الأربعين . عشت دائماً أكبر من سني .. وفجأة ، يوم عيد ميلادي الثلاثين . أدركت أن طفولتي وشبابي نشلا .. حياتي ميلودراما كأنها من أفلام حسن الإمام . والدي توفي وأنا في السنة الأولى . أتى بي ولم يكن في الدنيا سوى هو وأنا ، وهاهو يتركني ويموت . أمي كانت فلاحة صبية ، لا يجوز أن تظل عزباء ، فزوجوها وعاشت مع زوجها ، وكبرت أنا في بيوت العائلة ، بلا أخوة . ورأيت أمي للمرة الأولى وأنا في السابعة .. ذات يوم جاءت الى البيت إمرأة حزينة جداً ، ورأيتها تنظر اليّ بعينين حزينتين ، ثم قبلتني دون أن تتكلم ورحلت . شعرت بإحتواء غريب . هذه النظرة الى الآن تصحبني ، حتى اليوم عندما تنظر اليّ أمي فالنظرة الحزينة ذاتها تنظر . في السابعة من عمري أدركت أنني لا أعرف كلمة أب وأم ، والى اليوم عندما تمر في حوار مسلسل أو فيلم كلمة بابا أو ماما ، أشعر بحرج ويستعصي عليّ نطق الكلمة .

عندما كنت طالباً في مدرسة الزقازيق الثانوية ، كنت منطويا جداً لكن الأشياء تنطبع في ذهني بطريقة عجيبة : تصرفات الناس ، إبتساماتهم ، سكوتهم . من ركني المنزوي ، كنت أراقب العالم وتراكمت في داخلي الأحاسيس وشعرت بحاجة لكي أصرخ ، لكي أخرج ما في داخلي . وكان التمثيل هو المنفذ ، ففي داخلي دوامات من القلق لاتزال تلاحقني ، فأصبح المسرح بيتي . رأيت الناس تهتم بي وتحيطني بالحب ، فقررت أن هذا هو مجالي الطبيعي .
بعد ذلك بفترة إشتركت في مهرجان المدارس الثانوية ونلت جائزة أفضل ممثل على مستوى مدارس الجمهورية . حينها سمعت أكثر من شخص يهمس : الولد ده إذا أتى القاهرة ، يمكنه الدخول الى معهد التمثيل . والقاهرة بالنسبة اليّ كانت مثل الحجاز ، في الناحية الأخرى من العالم . السنوات الأولى في العاصمة .. يالها من سنوات صعبة ومثيرة في الوقت ذاته . من يوم ما أتيت الى القاهرة أعتبر أنني أجدت مرتين .. في إمتحان الدخول الى المعهد ويوم التخرج .

– ويقول :

ثلاثة أرباع طاقتي كانت تهدر في تفكيري بكيف أتعامل مع الناس ، والربع الباقي للفن . أصعب من العمل على الخشبة الساعات التي تقضيها في الكواليس . كم من مرة شعرت بأنني مقهور ، صغير ، معقد بعدم تمكني من التفاهم مع الناس . وسط غريب ، الوسط الفني المصري .. مشحون بالكثير من النفاق والخوف والقلق .. أشاهد الناس تسلم على بعضها بحرارة ، وأول ما يدير أحدهم ظهره تنهال عليه الشتائم ويقذف بالنميمة . مع الوقت والتجارب ، أدركت أن الناس في النهاية ليست بيضاء وسوداء ، إنما هناك المخطط والمنقط والمرقط والأخضر والأحمر والأصفر .. أشكال وألوان .
اليوم علينا معالجة الإنسان .. أنا لا أجيد الفلسفة ولا العلوم العويصة .. أنا رجل بسيط جداً لديه أحاسيس يريد التعبير عنها .. لست رجل مذهب سياسي ولا غيره ، أنا إنسان ممثل يبحث عن وسائل للتعبير عن الإنسان . الإنسان في هذا العصر يعيش وسط عواصف من الماديات الجنونية ، والسينما في بلادنا تظل تتطرق إليه بسطحية .

هدفي هو إبن آدم ، تشريحه ، السير ورائه ، ملاحقته ، الكشف عما وراء الكلمات ، ماهو خلف الحوار المباشر . الإنسان ومتناقضاته ، أي إنسان ، إذا حلل بعمق يشبهني ويشبهك ويشبه غيرنا .. المعاناة هي واحدة .. الطبقات والثقافات عناصر مهمة ، لكن الجوهر واحد . الجنون موحد .. حروب وأسلحة وألم وخوف ودمار ، كتلة غربية وكتلة شرقية ، العالم كله غارق في العنف نفسه والقلق ذاته . والإنسان هو المطحون . ليس هناك ثورة حقيقية في أي مكان من العالم .. هناك غباء عام وإنسان مطحون .

الشخصيات التي أديتها في السينما حزينة، ظريفة، محبطة، حالمة، متأملة.. تعاطفت مع كل الأدوار، غير أنني أعتز بشخصية إسماعيل في فيلم عيون لاتنام، فيها أربع نقلات في الإحساس .. في البداية الولد عدواني جداً كريه جداً ،، وساعة يشعر بالحب يصبح طفلاً .. الطفولة تجتاح نظرته الى العالم والى الآخرين .. لأول مرة الحب ، وهاهو يبتسم كما الأطفال ، ثم يعود يتوحش من أجل المال ، ثم يحاول التبرئة ، ثم يفقد صوابه .. كلها نقلات تقتضي عناية خاصة بالأداء . في عيون لاتنام جملة أتعبتني جداً ، جعلتني أحوم في الديكور وأحرق علبة سجائر بأكملها مديحة كامل تسأل: إنت بتحبني يا إسماعيل ؟فكيف يجيب هذا الولد الميكانيكي الذي يجهل معنى الحب ، وأي شيء عنه ؟ يجيبها : أنا ما عرفش إيه هو الحب ، لكن إذا كان الحب هو أني أكون عايز أشوفك بإستمرار ، ولما بشوفك ما يبقاش فيه غيرك في الدنيا ، وعايزك ليّه أنا بس .. يبقى بحبك . سطران ورحت أدور حول الديكور خمس مرات عشر .. لحظة يبوح إبن آدم بحبه ، لحظة نقية جداً ، لابد أن تطلع من القلب .. إذا لم تكن من القلب فلن تصل .. واحد ميكانيكي يعبر عن الحب ، ليس توفيق الحكيم وليس طالباً في الجامعة ، وإنما ميكانيكي يعيش لحظة حب .. هذه اللحظة أصعب لقطة في الفيلم .
على الشاشة ، تألق أحمد زكي في شخصيات من الطبقة الفقيرة ، وراح في كل مرة يقدم وجهاً أكثر صدقاً للمصري الأصيل ، وإحتفظ بميزة التعبير عن الإنسان ذي المرجعية الشعبية .. يفسر ” أحمد زكي” ذلك بقوله :
تغيرت السينما كثيراً عما كانت عليه وزادت الشخصيات تعقيداً . السينما الواقعية اليوم ليست تلك التي تنزل فيها الكاميرا الى الشارع فقط ، بل أيضاً تلك التي تتحدث عن إنسان الحاضر بكل مشاكله وأفكاره ودواخله .

كما يرى “أحمد زكي”بأن التركيبة الشخصية إختلفت بإختلاف الأدوار التي أداها :
_ صحيح لعبت دور صعلوك أو هامشي في أفلام أحلام هند وكاميليا و طائر على الطريق و كابوريا ، لكن كل دور ذا شخصية مختلفة . شخصيات اليوم غالباً رمادية ، ليست بيضاء وليست سوداء .. ليست خيرة تماماً وليست شريرة تماماً ، وما على الممثل سوى ملاحظة الحياة التي من حوله حتى يفهم أن عليه أن يجهد ويجتهد كثيراً في سبيل فهم هذه الحال .
لقد فسر” أحمد زكي ” قدرته علي الانتقال من شخصية إلي أخري بقوله :
_ إختزنت الكثير من الأحاسيس والرغبات الكامنة في التعبير عما أشعر به ، لذلك تراني حتى الآن لا أهتم بالمدة التي ستظهر فيها الشخصية على الشاشة ، بل بالشخصية نفسها إذا إستطاعت إثارتي ووجدت فيها فرصة جديدة للتعبير عما بداخلي .
كان ” أحمد زكي” يرفض أن يقوم عنه الدوبلير بالأدوار ذات الطبيعة الخطرة ، ويقول أنه في فيلم عيون لا تنام حمل أنبوبة غاز مشتعلة ، وألقى بنفسه من سيارة مسرعة في فيلم طائر على الطريق ، وأكل علقة ساخنة حقيقية في فيلم العوامة 70 .
_ ويعتقد أحمد زكي بأن عدم الاستعانة بالدوبلير يعطي الفنان قدرة وتدريباً أكثر ، وقد حمله هذا الإعتقاد على أن ينام في ثلاجة الموتى بعد أن أسلم نفسه للماكيير الذي كسا وجهه بزرقة الموت والجروح الدامية كما إقتضى دوره في فيلم (موعد على العشاء) ؛وظل في الثلاجة الى أن دخلت عليه بطلة الفيلم سعاد حسني لتكشف عن وجهه وتتعرف عليه بعد أن صدمه زوجها السابق( في الفيلم ) بسيارته ، وقد أعيد تصوير المشهد ، الذي إستلزم إقفال الثلاجةعلى أحمد زكي عدة مرات، حتى تأتي اللقطة التي لا تستغرق أكثر من بضع ثوان من وقت الفيلم مقنعة للمتفرج .
ويقول عن تجربته داخل الثلاجة :
” أحسست بأن أعصابي كلها تنسحب وكأنما توقفت دقات قلبي وأنا أحاول تمثيل لقطة الموت .. وقد ضغطت على قدمي بشدة لأنبه أعصابي وأنذرها” .

وفي فيلم طائر على الطريق أصر على تعلم السباحة ، عندما طلب منه المخرج
” محمد خان” أن يستعين بالدوبلير في مشهد السباحة ، بإعتباره لا يعرف السباحة ، خاصة وأن التصوير كان سيبدأ بعد شهر ونصف فقد . وإختفى”زكي” حوالي أسبوعان ، وعندما عاد قال لمحمد خان مازحاً :
-” تحب أعدي المانش !!” فرد عليه :” إزاي ؟” قال :” أنا عازمك على الغداء بجوار حمام السباحة بالنادي الأهلي “، وأثناء جلوسهما هناك ، ذهب “أحمد زكي” الى غرفة الملابس ، وإرتدى المايوه .. ثم حيا المخرج ” خان” .. وقفز في حمام السباحة وقام بعبوره عدة مرات بحركات فنية . وعندما خرج من الماء قال لمحمد خان : لقد ظللت أتدرب هنا 15 يوماً على يد المدرب .
سيرة ذاتية

– اسمه بالكامل “احمد زكى عبد الرحمن ” من مواليد مدينه الزقازيق عام 1949.
– مات والده وهو في عامه الأول ، وتزوجت والدته بعد رحيل الوالد وفقا للتقاليد وتربي “أحمد زكي ” في رعاية جده .. فالتصقت بأحاسيسه وأذنيه كلمة اليتم ، وسكنت عمق عينيه ، فعاش في سكون مستمر ، وفتح هذا أمامه بابا دائما للتأمل .

– وجد في المسرح متنفسه وضالته ، فكان رئيس فريق التمثيل في مدرسته الإبتدائية ، ومدرسته الإعدادية ، وعندما التحق بمدرسة الزقازيق الثانوية الصناعية كان من حسن حظه أن ناظر المدرسة يهوى التمثيل فشجعه عليه.
– أما أحمد زكي فوجد في عالم المسرح الذي ولجه الباب الذهبي الذي يعيد إليه التوازن بين صمته والكلام المحبوس داخله، بين اليتم والوحدة والانتماء فصار في فترة وجيزة هاوياً للتمثيل والإخراج المسرحي على مستوى طلاب المدارس .
– وهكذا تحدد طريقه الى المعهد العالي للفنون المسرحية ، الذي تخرج منه عام 1973 من قسم التمثيل وكان الأول علي دفعته بتقدير ممتاز ، وهو نفس التقدير الذي حصل عليه في كل سنوات الدراسة .

– أثناء دراسته بالمعهد شارك فى مسرحيه ) هالو شلبى(
– بداياته الفنية الحقيقية كانت مع المسرح الذى قدم له اكثر من عمل ناجح مثل ) مدرسه المشاغبين( و ) العيال كبرت(.

– تزوج الفنان ” احمد زكى” من الممثله الراحله ” هاله فؤاد” وكثيرا ما صرح للمقربين بأنها كانت حب عمره وأنه أضاعها من يديه ، فقد كانت هالة مسكونة بالموهبة وفي بداية تألقها وكان ” أحمد ” يصر علي أن تتفرغ للبيت ، ولكن بعد ميلاد ” هيثم” ابنه الوحيد منها أرادت مرة أخري أن تعود للفن مما فجر الخلافات بينهما وانتهت بالانفصال .

ببلوجرافيا أعماله
بدور ، أبناء الصمت (1974)، صانع النجوم (1977) ، العمر لحظة، وراء الشمس، شفيقة و متولي (1978)- أول بطولة – ، إسكندرية ليه (1979)، الباطنية (1980)، عيون لا تنام، موعد على العشاء، طائر على الطريق (1981)، العوامة 70، الأقدار الدامية (1982) ، درب الهوى الاحتياط واجب، المدمن (1983)، الليلة الموعودة ، الراقصة و الطبال ، التخشيبة ، النمر الأسود، البرنس (1984)، سعد اليتيم (1985)، شادر السمك، الحب فوق هضبة الهرم، البريء ، البداية (1986)، أربعة في مهمة رسمية،البيه البواب (1987)، زوجة رجل مهم ، أحلام هند و كاميليا ، الدرجة الثالثة (1988)، ولاد الإيه (1989) ، امرأة واحدة لا تكفى ، البيضة و الحجر ، كابو ريا ، الإمبراطور، المخطوفة (1990)، الهروب ، الراعي و النساء (1991)، ضد الحكومة (1992) ، مستر كاراتيه، الباشا (1993)، ، سواق الهانم(1994) ، الرجل الثالث (1995) ، أستا كوزا، أبو الدهب ، نزوة ،
ناصر 56 (1996) ، حسن اللول (1997) ، اضحك الصورة تطلع حلوة (1998) ، حائط البطولات، أرض الخوف (1999)، السادات، معالى الوزير (2000).
-مسرحيات : مدرسة المشاغبين، هاللو شلبى، العيال كبرت.
– مسلسلات : الأيام ، هو وهى.

شائعات
الشائعات تطول الفنان أيا كان وأينما كان ، ولم يسلم منها ” أحمد زكي ” حتي في فترة مرضه ، وأشهر تلك الشائعات ماتردد عن زواجه من الفنانة الراحلة “سعاد حسني ” بعد أن قام أمامها ببطولة فيلم الدرجة التالتة ، وشائعة علاقته بالفنانة” شرين سيف النصر” ، وأخري عن فيلم سيقوم بتمثيله عن شخصية ” أسامة بن لادن” ، وأخرها ماتردد عن وجود زواج منذ عام بينه وبين الفنانة” رغدة” لأنها مصاحبة له دائما في المستشفي ، وهو مانفته رغدة والمقربين لأحمد ، أما أسخف شائعتين تعرض لهما “أحمد زكي ” فهي شائعة موته في الفترة الأخيرة وشائعة أنه أوحي إلي منتج فيلم (حليم ) أن يستبدل جنازة “عبد الحليم ” في الفيلم بجنازته ، وهو ماتم نفيه من كل الأطراف .
الغرفة 1229
_ حكي لي أحد الأصدقاء وهو طبيب صديق لأحمد زكي عقب إعلان إصابته بالمرض اللعين في العام الماضي أنه كان قبلها بإسبوع يجلس معه وبعض الأصدقاء في أحد الفنادق وكان سعيدا جداوطبيعيا ومرحا لأنه كان يحتفل بعيد ميلاده رقم 56 ، وبدون سابق إنذار أعلن المرض الخبيث الكامن في رئة الموهوب عن نفسه ، وفزعنا جميعا وكان أصلبنا “أحمد زكي ” نفسه الذي تقبل الأمر برضا بقضاء الله وهو الذي حج إلي بيته الحرام ، وبدأت رحلة العلاج وأصبحت الغرفة رقم 1229 بمستشفي دار الفؤاد غرفة شهيرة ، استمدت شهرتها من ساكنها الذي كان يقضي بعض الوقت بها وبعضه بأحد الفنادق القريبة ، فكأن ” أحمد زكي ” طائر علي الطريق بالفعل ، حيث هجر الإقامة بمنزله منذ زمن واعتاد الإقامة بالفنادق , وتواصل علاج االأطباء المصريين مع الطبيب الفرنسي ، ولكن ” زكي ” الذي أعلن ثقته في أطباء مصر خضع لأمر رئيس الجمهورية بسفره للعلاج في الخارج .
– و ما أن تحسنت صحته حتي راودته أن يترك أخر عمل لنا ” حليم ” ولكنه سقط فريسة انتشار المرض مرة أخري ، ولم يخرج من المستشفي ولكنه ظل كالأشجار واقفا ومقاوما ، يدعو الله أن يقبل دعواته ومن حوله ، ودائما كان يكتم ألمه قدرما استطاع ويحاول أن يرسم البسمة علي وجوه من حوله من أطباء و تمريض وعمال وكان أكثر مايزعجه الشائعات والإفصاح في الصحافة عما يقدمه لوجه الله .
– فاجأ “أحمد” الفنان “سيد زيان ” الذي يعالج بالمستشفي نفسه بزيارته في حجرته ولم يتمالك ” زيان” نفسه فاحتضنه وبكي ولكن “أحمد ” إبتسم وقال له رحمة ربنا واسعة وسنشفي ونخرج لنقدم معا عملا للجمهور نسعده به .

– كان لالتفاف الجمهور وحبه وكذلك المسؤلين والحكام وزملاء ” زكي ” من الفنانين أثره علي روحه المعنوية ، ولم تنقطع قراءة القرآن في غرفته وخارجها وكثيرا ماكان يقول لإبنه ” هيثم ” صلي وادع لي ، وأهدي كثيرون عمرتهم “لأحمد زكي ” .

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me