امبراطور ”كاليجولا” مقسوما علي ثلاثة

امبراطور “كاليجولا” مقسوما علي ثلاثة
لماذا تنتحر؟.. اذا كانت الحياة مثل الموت؟!

أحمد عبدالحميد

التجربة الجسورة التي أقدم عليها المبدع الشاب “هشام عطوة” مخرج مسرحية البير كامي “كاليجولا” لمسرح الطليعة. والتي اقدم فيها علي “فك” الامبراطور الروماني الي ثلاثة “كاليجولا”.. كل منهم يمثل حالة عقلية ونفسية مخالفة ومناقضة “هي “نوبات” متعاقبة أو متداخله زلزلت كيانه ومملكته.. وأودت بحياته وحياة عشرات الالوف الذين تلذذ بتعذيبهم وقتلهم.. والسؤال: هل هذا الاجتهاد جاء في مصلحة العرض أم ضده؟

.. وهل كان في مصلحة “الشخصية” أم وبالا عليها؟.. بصراحة أنا – كناقد – رغم استمتاعي البالغ بالتجربة كعرض مدهش خيالا وتجسيدا ورغم أنني ضد المصادرة علي الاجتهاد خاصة وأن الفكرة فاتنة ومبهرة.. رغم هذا.. وجدت نفسي ضد “تفكيك” الشخصية وتمزيقها.. ولي أسبابي!!
في تقديري الشخصي أن “كاليجولا” كما رسم شخصيته وصورها الفيلسوف الفرنسي “البيركامي” “1913 – 1960″ لم يقتل كالطاعون لأنه سفاح طاغية ومجنون أو أنه اراد أن يحرر قومه من المسلمات والبديهيات وبلادة الاعتياد بالتجربة العملية – التي تثبت أن الحياة هراء وعبث كما أن الموت عبث وعدم. الشخصية المثيرة المركبة المرعبة تحتمل كل هذه التفسيرات. لكنني اراه تجسيدا للانسان “الوجودي” الخالص.. الذي يوضع في “محك” درامي أو حدث درامي يثبت أن الوجودية ذاتها عبث وهراء.

الخطوط الرئيسية

ان الرجوع الي الخطوط الرئيسية للفلسفة الوجودية هو مفتاح شخصية “كاليجولا”. ان نقطة البدء في “الوجودية” هي “ذاتية الفرد” وأولي حقائقها هي اكتشاف الفرد لذاته لانه “نسخة خاصة” ووحيدة وهو حر تماما غير خاضع للجبر لامن الطبيعة ولا مما فوق الطبيعة ولا توجد قوة اخري غير قوتنا نحن البشر لتخضع العالم الا ارادتنا الحرة لذلك فالانسان “مسئول” .. لا عن فكره ومبادئه ومصيره فحسب بل عن فكر ومصير الاخرين.. أي أنه مسئول عن الوضع الانساني. لكن هذه الفلسفة تنهار فجأة وتبدو بلا معني أمام “الموت” فاذا كان مصير الانسان المحتوم هو الموت والعدم فماذا تعني الحياة ذاتها غير انها وهم وهراء وعبث وبالتالي فالانسان الوجودي الملقي علي غاربه “أقصي درجات الحرية والتطرف” ما يفتأ ان يجد نفسه يدور حولها قلقا معذبا محروما من السعادة حتي الممات لأنه يحمل علي كتفيه – من واقع المسئولية عن حياة ومصير الاخرين – ذنوب الآخرين ويدين نفسه بذنوبهم.. فهو مذنب وهم مذنبون.. والذي يدقق مليا في احداث وشخصيات المسرحية يجد أن “كاليجولا” تجسيد من لحم ودم لهذه الفلسفة انها “المرايا” الداخلية ل “كاليجولا”.
أين تكمن عظمة الشخصية؟
الفكرة الفاتنة وسحر غوايتها.. التي اوقعت المخرج في حبائلها.. واعني بها “تفكيك” الشخصية المركبة المعقدة الغامضة الي ثلاث نسخ من كاليجولا كل منها تجسد الحالات العقلية والنفسية المتناقضة والمتضاربة والتي ربما أفادت في توصيل وتبسيط هذه الفلسفة وهذه الشخصية الي الجمهور العام والتي ربما أفادت في ضبط ايقاع “النوبات” أو الحالات وفي الابهار والشكل الجمالي حيث تخرج لنا النسخ الثلاث من كاليجولا من “المرايا”.. في العمق وعلي الجانبين.. كما ساعدت الممثلين الشبان الثلاثة الذين لعبوا “كاليجولا” علي أداء بعض من جوانب الشخصية وبعض من انفعالاتها حتي لا تهرب من أي منهم لو لعبها متكاملة موحدة كل هذا صحيح لكنه أضر بالشخصية الدرامية وسلبها اعظم خصائصها وهو “الصراع الداخلي” العنيف كأنه زلزال “تسونامي”.. قلق وحيرة وصعود وهبوط وسحر الغموض الذي يحبس أنفاس المشاهدين الذين لا يمكن ان يتوقعوا ما سيكون عليه تصرفه في اللحظة التالية. لقد تعامل مع “الحالات الثلاث” وكأنها اجزاء عضوية مادية يمكن فصلها واستقلالها عن بعضها.. هذا الجزء هو الرومانسي النبيل وذاك الجزء “السادي” الذي يتلذذ بقتل وتعذيب ضحاياه وهو يتناول غذاءه أو يغتصب زوجات رجاله وحاشيته في حضورهم.. أما ثالثها فهو الجزء الممسوس بالهوس حوالجنون.. الذي صعد فيه السلم ليمسك “القمر” ويزاحم الحق في عليائه ويحقق المستحيل.

ممثلين عظام

لقد كانت “كاليجولا” كما صورها “البير كامي” عاصية علي الاداء التمثيلي الفذ والمبهر الا علي أيدي ممثلين عظام ذوي ملامح نفسيه شخصية “هستيرية” من عينة الفنان القدير “محيي اسماعيل”.. تلهبه بعنفوانها وانفعالاتها المتضاربة فتشعل جوارحه ويتوحد معها فيبدع انها في تقديري اصعب في الاداء التمثيلي من هاملت مكبث ولير ولم يكن هناك مفر من تقديمها متحدة ولو كانت متحدية للممثل والتمثيل حتي تبدو في بهائها الدرامي الكامل.

خيال ابداعي مدهش

ان مشكلة تحديث وتجديد الشكل الفني للعرض في مصر تمثل التحدي الذي يواجه تسعين بالمائة من مخرجينا لانهم يميلون الي تنفيذ النصوص وتجسيدها بخيال بليد وشكل تقليدي مألوف ومتكرر واحساس مفقود بجوهر فكرة العرض المسرحي وضرورة توهجه بالايقاع المناسب والتوتر الدرامي والحيوية والتشويق.. والاهم ان يعبر عن خيال ابداعي جديد ومدهش يهتم بالمتع البصرية مع عدم اغفال باقي القيم الفكرية والوجدانية والجمالية وهذا ما تحقق في اخراج المبدع الشاب “هشام عطوة”.. ليس فحسب في تفكيك شخصية “كاليجولا”.. الجديدة علي مسرحنا رغم اختلاقي معه في ذلك.. ولكن ايضا في اهتمامه بالاداء التمثيلي وبالتشكيل الجمالي والتكوينات التشكيلية الدرامية وفي استخدامه للمرايا “والسلم” والاضاءة.. وتوظيفه الدرامي لموسيقي “تامر سنجر” بحيث لا تستطيع تصور العرض بدونها ثم هذه اللوحة التي استهل بها العرض من تصميم “ضياء ومحمد”.

الاجتهاد والتنافس

ان خبرة الممثل تضفي علي ادائه ونبرات صوته وايقاع حركته الكثير.. وهو ما ظهر جليا في اداء حمدي هيكل “شيريا” وماهر سليم “هليكون” وعبدالله الشرقاوي “الشريف الهرم” وأحمد الحلواني “رئيس الديوان”.. كذلك فان تفكيك شخصية “كاليجولا” الي ثلاثة اشعلت الحماس والاجتهاد والتنافس بين النسخ الثلاث.. محمود عزت وزميليه محمد يونس وياسر عزت وكشفت عن امكانات جديدة مكنتهم من التعبير المتقن للصور الثلاث.. شديدة الغلو في انفعالاتهم وجبروتها.
ان شخصية “سبيون” التي لعبها الممثل الشاب وعبر بها عن الحب والوفاء وربما الامل.. الشخصية الهادئة الرومانسية التي تشير الي “كاليجولا” في صباه والتي تنذر بتكرار مأساته.
سبيون: اني اعلم انك قد اخذت مصيرك لم يعد هناك مخرج بالنسبة لك ولا بالنسبة لي.. أنا الذي اشبهك شبها عظيما ولهذا سوف ارحل بعيدا بحثا عن علة كل هذه الامور.
تمنيت النعيم مطهر النفوس.. ونشرت السماء مشرقة الشموس.. واشتهيت البشر العارم المجنون فتحطم الأمل في قلبي المفتون.

تصرف رقابي غريب

شاهدت العرض المسرحي السبت “12 مارس” وتصادف وجود احدي عضوات الرقابة علي المصنفات ورغم انها ابنة كاتب وأديب وخريجة معهد الفنون المسرحية فقد اعترضت علي ملابس عشيقة كاليجولا “ريهام سعيد”.. لأن “الفستان أحمر ويكشف عن اجزاء يسيرة من كتفيها واعلي الظهر.. الاغرب أن “الرقيبة” خرجت بعد الفصل الاول.. ولبست “ريهام سعيد” فستانا “أسود” لضرورة درامية.. تماما كما كان الفستان الاحمر لضرورة درامية!!

علاقات جنسية

لقد فات “الرقيبة” ان “ريهام” تلعب دور عشيقة في عصر روماني منحل.. وكان للامبراطور الروماني كاليجولا علاقات جنسية محرمة مع شقيقاته وكان يدير لحسابه بيوتا للدعارة.. والزي المسرحي له وظيفة ان حاد عنها يكسر الشخصية ولا يعبر عنها ولا عن عصرها. ماي نختار “رقباء” يفهمون في الفن؟!
وبعد.. ان المغزي البعيد لهذه المسرحية الفلسفية العميقة لا تنتصر “للحرية الحرة” ولا للوجودية بل تدينها.. واتفق مع المخرج في كلمته التي قدم بها العرض.. “ان طريق الحياة وعر وشاق بغير معونة الدين والفن والحب.. وان ايذاء الغير هو الضلال الوحيد”.

0

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
مهرجانات ومؤتمرات
  • المركز الدولي لدراسات الفرجة يقيم ندوته السنوية عن “الفرجة الخاصة بالموقع”

    تحت شعار “الذاكرة الثقافية والإبداعية المعاصرة: الفرجة الخاصة بالموقع في سياقات عربية إسلامية”يعقد  المركز الدولي لدراسات الفرجة بطنجة أيام 21-22-23 مايو 2010، ندوته السنوية التي يشارك فيها عدد من الباحثين البارزين في مجال المسرح. وذلك بمتحف القصبة، طنجة، المملكة المغربية. يشارك في الندوة نخبة من الباحثين والدارسين على مستوى العالم، ومن بين الأسماء المشاركة كل من [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • المكسيك و ألمانيا تحصدان جوائز الدورة ال22 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء

    بشرى عمور بعد نيلها لجائزتي (الموضوع المسرحي، ومناصفة في جائزة أداء إناث من خلال الممثلة نورما إيريكا شانشس) تفوز مسرحية “المرأة سازون” لجامعة المسرح بنميرييتا (المكسيك) بالجائزة الكبرى للدورة ال22 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، التي أقامتها جامعة الحسن الثاني ـ المحمدية ـ الدار البيضاء / كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ بنمسيك، من العاشر [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • تونس تحتضن احتفالات اليوم العربي للمسرح

    انطلقت بالمسرح البلدي بالعاصمة التونسية فعاليات الاحتفال الثالث باليوم العربي للمسرح الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح على غرار الاحتفال باليوم العالمي للمسرح وذلك ضمن أهداف الهيئة التى أطلق مبادرة تأسيسها ويرأسها شرفيا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة . حضر الاحتفال الذي يأتي بالتزامن مع احتفالات تونس بمئوية [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • ندوة دولية عن المسرح الذي لا نعرفه

    التبادل المعرفي المسرحي  وتحديات المشهد العولمي المسرح دوت كوم – ‏08‏/02‏/2010- سعياً من  أكاديمية الفنون الى مواكبة  الاهتمام العالمي المتزايد بالمسرح العربي وبقضاياه وإشكالياته، نظراً لما لهذا المسرح بالضرورة من دور هام في الاشتباك مع الواقعين العربي والعالمي بكل تعقيداتهما الراهنة في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: الثقافية والإيديولوجية والسياسية والاقتصادية ، وتأكيداً [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • الشمعة الخامسة لمهرجان فاس للمسرح الجامعي

    على نغمات أغنية:”الحلوة” رهانات تحققت وأخرى في الانتظار بشرى عمور طيلة أربع أيام عاش فضاء مركب الحرية عرسا مسرحيا دوليا بمناسبة الدورة الخامسة لمهرجان فاس الدولي  الجامعي، بتيمته المتميزة:” مهرجان القراءة المسرحية”، الذي نظمته جامعة سيدي محمد بن عبد الله من يوم الأربعاء 08 أبريل 2010 إلى غاية 11 منه. تميزت هذه النسخة بنضوج حضوري [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me