تقرير نقدي حول عرض مسرحية – اليد الملعونة

La Main Damnée -
للكاتبة الجزائرية دليلة أوكيليDalila Oukili
تقديم: من الجزائر بوبكر سكينيBoubakeur Sekini
ناقد مسرحي
*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-
العنوان : ما ذا تريد أن تقولي لنا الكاتبة و المخرجة “دليلة أوكيلي” في مسرحيتها اليد الملعونة… ؟
“دليلة أوكيلي” تجيب: أصل الحكاية امرأة جزائرية…!
*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*–*-*-*-*-*-

في عمق الرّهانات الحالية؛ الّتي ترتفع فيها الأصوات النّسائية مطالبة المجتمع في تّخصيص لهنّ حيزا يتماشى مع ما يتقنّ إليه من ممارسات إلى جنب أشقّائهنّ الرّجال في دلف الإبداع المسرحي، تقف الكاتبة دليلة أوكيلي بينهنّ لتطرح تساؤلات عديدة حول موقف المجتمع من المرأة و نظرته لها. لذالك عمدت ككثير من الكاتبات إلى توظيف نصّها المسرحي – اليد الملعونة – كعريضة للاحتجاج على اضطهاد المرأة، من خلال تصوير إيمان الشخصية الرئيسية في المسرحية كنموذج للمرأة المقهورة التي تفعل بما يطلبه منها المجتمع و تُتركُ منبوذة تحت ضغط الخوف و الإرهاب…
إنّه لمن الغضاضة أن تتكشف دلالات مسرحية اليد الملعونة تدريجيا رغم سذاجة التصوير لمكان أحداث جريان المسرحية ومواقف شخوصها، إلاّ أنّ هذا التكشف جاء عن طريق الجرأة القويّة و الصّراحة المتّزنة، مشخّصة لنا بذلك تصويرا فوتوغرافيا وواقعا صرفا؛ فجعلنا هذا الواقع أمام بناءا مسرحيا يقدم لنا صراعا دراميا طرفه الأوّل الأب المتكبّر وما يمثله من قيم اجتماعية رجعية وبالية، و في الطّرف الآخر البنت الضّحية إيمان الّتي تصارع صراعا جانبيّا يؤكّد الصراع الرئيسي و يزيد من حدته، ليشرع بها في آخر المسرحية نحو الفاجعة والمأساوية. فالقصّة ترد لنا تجربة إنسانية جزائرية كانت وليدة ظرف تاريخي عايشته لمدّة عقد من الأعوام:
” حكاية إيمان الجزائرية التّي كانت ضحيّة اختطاف جماعة من عناصر الإرهاب، فتُعامل في وكرهم كسبية حرب فيفعل بها ما يفعل…، إلاّ أنّ الأقدار سعفتها في أن تفرّ من بين أيديهم لتسكن إلى رحابة و عطف أسرتها المتكونة من الأب والأخت الصغرى بعد تجربة عسيرة تتلوها علينا بصوت حزين. فليس كل ما يتمناه المرء يدركه؛ حيث أن ببلوغها بيتهم حلّت بها هواجس الجنين الذّي يتكوّن في رحمها، فلم يطق الأب وجـودها -لأنّها ببساطة يعتبرها العرف العام وصمة عار وبلاء انتقاص في القرية-”.
فمشكلة إيمان تؤكّد المشكلة الأساسية الّتي ذهبت الكاتبة إليها، و الّتي تدور حول مشكلة واقعية خالصة ذات طابع اجتماعي، تتمثّل كما رأينا في الصراع بين إرادة العادات المتمثّلة في شخصية الأب و من ورائه التّقاليد البالية، و بين إرادة البنت التواقة إلى استرجاع شرفها و مكانتها في القرية. فمن رأينا أنّ المسرحيّة حقّا تصنّف ضمن المسرح الاجتماعي؛ فكلّ ما في المسرحيّة مستلهم من أخبار و أنباء عن الواقع، ما عدا القصّة نفسها فهي واردة الحدوث في مثل الظّروف التي صورّتها الكاتبة أوكيلي، فمن وجهة رأينا أنّ المسرحيّة بصفة عامّة ليست تحيّة للجزائر بل نعيا لها. هذا لا يعني أنّ الكاتبة تتخلى عن جزائريتها، فمن نظرنا أنّها استخدمت وسائل عديدة في التّعبير عن المضمون الواقعي و أهمها المشهد السابع على لسان الأب الّذي يظهر في حـوار مونولوغي و في محاولة منه إيجاد حل ينهي المهانة الّتي لحقت بـه. و كذلك في المشهد الخامس؛ ففي أوج حميمية الحديث بين الشّقيقتين إيمان و لامياء يتلصّص الأب خلوتهما ثمّ يوجّه إليهما السخط و القذف الجارح. هذا المشهد بالذّات بدا لنا حيلة فنية لإثارة المضمون الواقعي للمسرحية، فقد اكتفت الكاتبة بالوصف غير المحـايد بهدف تعميق السخط في نفوسنـا على هذه البدائـل الاجتماعية الدّخيلة على قيمنا السمحة و الإنسانية، تلك الممارسات المتّسخة في ظاهرها و المتعفّنة في باطنها الّتي تسيء إلى إرثنا الحضاري و الثّقافي، فهي تقترب بذالك كثيرا من الواقعية النّقدية في غياب الثّورة الإيجابية للمرأة في الدفاع عن فرديتها و حقّها في الحياة رغم إدراكها الواعي لجبروت القوّة الغـاشمة الّتي تقاومها، مثل هذه الثورة مثّلتها باحتشام شخصية لامية في المشهد العاشر. كما أنّه نجد الكاتبة متورطة في قرار إيمان للتخلّص من الكابوس الّذي يحاصرها لتركن في قلب البدع و الشعوذة؛ ربّما الاحتمال الأصح أنّ المؤلّفة أرادت أن تفضـح في هذا المشهد الوهـم و تعمّق احترامنـا لبؤس وشقاء إيمان، الّتي ترى أن آلامها و خجلها كنتا طريقا أدّي بها إلى التّحطيم الذّاتي في نهاية المسرحية، و لربّما أرادت أن تمحي من ذاكرتها أشياء مؤلمة فجاء الخلاص من الألم مأساوي، و لربّما أشياء أخرى قد لا تريد الكاتبة دليلة أوكيلي أن تفصح عنها…
فعلى الرّغم من أنّ هذه المسرحية جاءت معالجتها بأسلوب مسطّح لعمق المشكلة المطروحة، إلاّ أنّ تلك المغامرة تمثّل مرحلة تاريخية مهمّة للكتابة المسرحية في الجزائر بأقلام نسائية؛ حيث الخروج من التّابوهات و مواجهة الصّوامت و طرح المتناقضات…

من الجزائر في 06 ديسمبر2004
بوبكر سكيني / Boubakeur Sekini ناقد مسرحي
Email : promethee73@hotmail.com

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me