الندوة الفكرية الرئيسية –الجزء الأول :المسرح وتحديات العصر
المحور الأول : علاقة المسرح بوسائل الاتصال الأخرى
ورقة عمل الدكتورة عواطف نعيم – العراق
– الجزء الأول –
دمشق- أحمد خليل
عقدت الندوة الفكرية الرئيسية لمهرجان دمشق المسرحي الثاني عشر في قاعة الأمويين بفندق الشام مقر المهرجان تحت عنوان (المسرح وتحديات العصر) وقد ترأس الجلسة الأولى وأدارها الفنان هشام كفارنة مدير فرقة المسرح القومي وكان موضوع المحور الأول من الندوة الفكرية هو (علاقة المسرح بوسائل الاتصال الأخرى) وقد دعا السيد رئيس الجلسة الكتاب والفنانين المشاركين فيها لاعتلاء المنصة لقراءة أوراق أعمالهم وهم السادة والسيدات: د. عواطف نعيم من العراق الشقيق، والأستاذ فرحان بلبل من سورية والفنان صلاح السعدني من جمهورية مصر العربية، وكانت د.عواطف التي قرأت ورقة عملها وكان عنوانها ( المسرح العربي وحداثة وسائل الاتصال –إقبال وانحسار).
مشاكسه:
ما الذي نريده من هذا الساحر الجليل الذي اسمه المسرح، ذاك الذي منذ ثيسبيس وعربته المزركشة بالأقنعة والألوان وحتى هذه اللحظة المغلفة بالأقنعة والأحاجي. لم تتوان عن التلاعب به والتباكي والتضاحك و التآمر على خشبته فخمناه وعظمناه وبجلناه وقعدناه وقعرناه ونظرنا له و تنظرنا به، فكان في بداياته كلاسيكياً بوشائج ديمقراطية ، ثم تحول على يدي قواد روما الفاتحين المحتلين المنتصرين على أثينا إلى منسوخ مقهور بالعبودية التي أسلمته إلى قرون وسطوية دينية متزمتة نبذته وغيرته ثم عادت فبثت فيه الحياة وأعادته إلى دائرة الضوء ليبشر بتعاليمها وشعائرها ومصالحها وبعدها تحول إلى جديد في كلاسيكيته ومن سماء الآلهة المعظمة نزل بمقدار درجة ونصف إلى عالم البشر الدنيوي وهبت عليه رياح الرومانسية وحولته إلى فردية متمردة وعدنا لنقفز به إلى طبيعة مفرطة تماهى فيها مع الحياة بكل قساوتها ورثاثتها وتدنى إلى أحط طبقة بشرية .ثم رفعناه درجة من الدرك الغني إلى واقعية تقف في منزلة وسطى ما بين المثالي والدنيوي المادي تعكس ما نحلم به وماينبغي أن يكون وليس كما هو كائن، ذلك المسكين الساحر الذي اسمه المسرح ما الذي فعلناه به حين حاولنا عصرنته في رمزية وتعبيرية ومن ثم لم نكتفِ بذلك فأوقعناه في لا معقوليتنا وعبثنا وحدثناه وعدنا إليه ثانية فأدخلناه فيما بعد حداثة مجنونة . فككناه، وشظيناه وهشمناه وشتتناه وقطعنا أوصاله ولم نكتف بكل ما تقدم فهو ساحة للتجريب واللعب والتنافس والتباري والحذلقة والاستعراض !!خشبته الجليلة بعد أن كانت مكسوة بالمعمار والقداسة ..عريناها وأفرغناها وأبقينا ذلك الساحر الذي أسمه الممثل مبدعها الأول وعرافها الباهر وعلامتها الرئيسة ، لكننا في لهاثنا نحو الجديد لم نكتفِ بذلك وبدأنا نثقل الخشبة وما عليها بالمسميات من معمارية طرازية إلى بيئية إلى سينوغرافيا إلى غريوغرافيا إلى اكتظاظ وتزاحم لكل وسائل الاتصال الحديثة التي ابتكرها العقل الإنساني. وتبارى السادة المخرجون في توظيفها واستخدامها حتى ضاع في زحمة هذا التباري والتسابق الساحر الأول الذي اسمه الممثل .وتسيد المخرج فأزاح الإنسان الحي وسلط الآلة بكل تنوعها وإعجازها وعجائب اشتغالها بحثاً عن الإبهار والإدهاش وتحقيقاً للبصري المتخيل جمالياً ضارباً بالدلالة وعلمها وسيميولوجيا المسرح علاماته عرض الحائط متناسياً المسكين الآخر الذي يجلس في قاعة المسرح متلقيا.ً متعجباً .مندهشاً مسحوقاً.مذهولاً.مشوشاً، فكأن العالم في ألفيته الثالثة بكل ما يحمله من تناقضات وتضاربات وحروب وأهوال وانتكاسات وجروح لا يكفي حتى تتحول خشبة المسرح إلى تلك الفوضى والزحمة !! فما الذي نريده من هذا العلوي الصابر على بلاوينا نحن المسرحيين . بعد أن حرفناه عن رسالته وهدفه وفككنا خطابه وشظيناه . كما تفعل امريكا بوطن عريق مثل العراق بحجة الديمقراطية والحرية ؟ ما أشبه المسرح اليوم بالعراق ، فوضى واضطراب نزف يومي وحلم بعيد المنال حربه مذهبة وديمقراطية مسلفنه مازالت في طي الغيب !.. موت مجاني مفتوح لكل من يحاول أن يتمرد مثل عرض مفتوح بدعوه عامة لجمهور لا يجد نفسه فيما يشاهد ويتلقى ؟؟
ما الذي نريده من هذا المسكين المبتلى بنا والذي اسمه المسرح في الألفية الثالثة التي أعادت للاستعمار الذي ظننا أنا خلفناه في الماضي البعيد ، أعادت له وجهه القبيح بعد تلميعه؟؟ ولكن هنا كمن يصنع على خشبة المسرح حياة مقدسة وفناً نبيلاً يضيء في أرواحنا براعم الأمل ويحيي يباس الذاكرة.. لكن لا بد من مشاكسة في زمن الخراب كي ينهمر مطر الأسئلة ويستفد خيال المبدعين الباحثين عن الحقيقة !!
المسرح العربي
حداثة وسائل الاتصال.. فتور وانحسار
لعل المسرح من اكثر الفنون انفتاحاً وتوظيفاً لكل التطورات التنكولوجية والتقنيات الفنية التي تبتكرها عقول خلاقة وتنضجها اجتهادات علمية باحثة ومكتشفة ( المسرح أبو الفنون لما ينفرد به من إمكانية التنوع في الأشكال الفنية في مكان واحد حيث الفن التشكيلي والباليه والموسيقى والكلمة وغيرها من هذه الفنون مجتمعة معاً في صورة فنية متلازمة وهو أي المسرح فن متجدد لا يتوقف عند حد في عملية الاكتشاف والكشف والتجريب داخل الظاهرة المسرحية، وقد تجلت هذه الفعالية منذ بدايات المسرح ، فحين أراد المبدع المسرحي في زمن الإغريق أن يأتي بالآلهة من السماء إلى دنيا البشر ليخلق بذلك الحضور جواً طقسياً يوحي بالجلال والرهبة، ابتكر الآلة فكان (الإله من الآلة) وحين أراد أن يرسل (زيوس) كبير الآلهة من قمة جبال الأولمب حيث ملكه، الصواعق والأمطار ، حرك الفنان الحصى الناعم على ملمس المعدن الصقيل مع إرسال.
الضربات وقرع الصنج، لتنهمر الأمطار ويدوي صوت رعودها الصاخب وحين أراد ذلك المبدع المغامر أن يصور الإبحار عبر الأمواج المتلاطمة برحلات المتمرد يوليسيس، شيد تلك المساحات الشاسعة وغمرها بالمياه ليحيط بها جموع المتلقين المبهورين من الرومان معلناً عن بدء رحلات مليئة بالمغامرات والأهوال ، هو الإنسان الذي منحه الخالق قدرة الخيال وجرأة المغامرة ليحيل الموجودات إلى كائنات توالدية تتواصل عبر الجديد وتخلق صدمة المغايرة عبر ابتداع القواعد والنظم واستحداث الطرائق والنسق المطورة والمخالفة لما هو مألوف ومعتاد ليس في الظاهرة المسرحية وحدها بل في ظواهر الحياة المحيطة بنا والتي بدورها ومن خلال تناغمها وتألقها وتقاطعها تعزز وتدين حركة الحياة الإنسانية وديمومة الكون الشاسع، والمسرح انعكاس متطور وحلم يختزل الزمن والأمكنة ويضع أمام أنظار المتلقين في شتى بقاع العالم رؤى الحياة وتصوراتها كما يحلم بها المبدع وكما يصورها ويرقى إليها مفكر المسرح، الذي يستقرئ المستقبل ويستشف الأفاق عبر تجربته المنجزة والتي يراعي فيها ان تكون مغايرة ومتفوقة على ما يحيط من مألوف وجاهزي ، لذا كان المسرح في أزمنته المختلفة متحركاً متجدداً كاسراً للثوابت والتابوات خارقاً للقواعد والقوانين ، ومع وجود الكلاسيكي كان هنــاك الحداثــوي ( جاءت تيارات وانبثقت مدارس متنوعة ومختلفة غيرت في تكوين المشهد الثقافي والفني في العالم لاسيما في أوروبا ، فكان أن تركت تلك التيارات المشهد الثقافي والفني في العالم لاسيما في أوروبا .فكان أن تركت تلك التيارات بصماتها على الحركة المسرحية العالمية(1) وما مصلحي المسرح ومفكريه الذين حققوا ثورة في قوانينه وقواعده . وفتحوا الآفاق رحبة أمام التجارب الإبداعية من أمثال (كابو ،كوردن كريك ، وكرونوفسكي، وأرتو ، وأبيا ومارهولد ، وفيلار ومارتيني، وبرخت وستانسلافسكي وبونسكو وبيكت من مخرجين وكتاب ومنظرين .الذين كانت بصماتهم واضحة على خارطة المشهد المسرحي العالمي إلا دليل على جدة المسرح وحداثته (اختلق وضع المسرح العالمي كثيراً منذ فترة الحرب العالمية الثانية حتى نهايات القرن. كان المألوف سيادة مدرسة واحدة. أو مدرستين وربما ثلاث في أكثر الحالات تطرفاً ، آنذاك خرج لورنس أوليفييه عن إلقاء شكسبير بالطريقة التقليدية وألبس شخصياته أجساداً من لحم ودم ، آنذاك طوّر مخرجون وأساتذة رواد المتعارف عليه مسرحيا .
كان للمتغيرات السياسية و الاقتصادية والعلمية دورها الكبير في استحداث وبلورة تيارات مسرحية وفنية تعنى بطبيعة الخطاب المسرحي جمالياً فالدادية والمستقبلية والتكعيبية والسريالية ثم العبث واللامعقول ما هي إلا ثورات وتمرد على التقليدي ورفض للمألوف ومغايرة لما هو واقعي فالمسرح كما يقول (هارولد كليرمان): يجب أن يكون حقيقياً ولكن ليس على المسرح أن يكون واقعياً .هذه التيارات والمدارس الفنية التي برزت وتبلورت استحدثت ليس فقط القواعد والقوانين والنسق بل أساليب الاستغلال و الأسلبة وتقنيات العرض، مستفيدة من التطور التكنولوجي والثورة العلمية التي تمخضت عن الاختراعات والابتكارات و الاكتشافات الحديثة العلمية والاقتصادية والأدبية والاجتماعية والسايكولوجية. ماحدث في العالم من متغيرات ومتحولات كان واضحاً ومتجلياً بشكل حي ومحسوس على خشبة المسرح ، ما من تطور وتغير ومغايرة إلا وكان المسرح من أكثر الفنون استجابة لها عبر مبدعيه ومفكريه، وبقدر ما سعى هؤلاء المبدعون إلى الاستفادة والتوظيف لكافة الوسائل والإمكانات المتاحة التي توفرها التكنولوجيا المتطورة ووسائل الاتصال الحديثة في تجسيد الرؤى والتصورات . فإنهم في أحيان كثيرة كانوا يتناسون قواعد المسرح ومكوناته سعياً وراء الإبهار والدهشة والتجريب الذي يمتطي صهوة الحداثة وبشكل يتجاوز حدود السرعة المبتغاة للتواصل والتجاوب أحياناً ، مما يضعهم في حالة من التطرف والمغالاة والغموض ، وبالتالي يخلق فجوة وانقطاعاً ما بين المبدع عبر رؤاه المجسدة على شكل عرض مسرحي حي على الخشبة وبين المتلقي في القاعة أياً كان توجهه وثقافته، نخبوي أم شعبي متخصص أو متابع متذوق، مغالاة وتطرف وتشويش رغبة في إثارة الدهشة والمغايرة وإذا كان الخطاب المسرحي هو تلك الأفكار والرؤى التي يحملها العرض المسرحي فإن الهدف المرجو منه ينحرف في أحيان كثيرة عن مساره ليتحول إلى نوع من الحذلقة والمباراة والاستعراض ليس لمهارات الأداء أو نضج الرؤى بل للاستخدام والتوظيف المبالغ فيه لوسائل الاتصال الحديثة من أجهزة مرئية (سينمائية ، فيديو ، إضاءة ليزرية ، مؤثرات صوتية موسيقية وتعبيرية) .
أي تحويل العرض المسرحي إلى آلية تكنولوجية معلبة ، تفقد المسرح أهم عناصره في العرض المسرحي ألا وهو الممثل ذلك الساحر الحاضر عبر العصور صوتاً وشعوراً وحركة ، الحامل الأول لعلامات العرض المسرحي فكراً وجمالاً ومهارة أدائية، وعملية التواصل في العرض المسرحي هي الهدف الأساسي له ، وهذا الهدف يتحقق من خلال الاتصال ما بين الخشبة و الصالة لأن عملية الاتصال هي ( عملية مركبة ، إنها تبدأ من “مرسل “لديه دافع ما، خارجي أو داخلي يريد إرساله إلى “مستقبل” وهو لذلك يقوم بترميز ما لديه، حتى يتحول إلى “رسالة” يمكن أن ترسل من خلال وسيلة للاتصال ، حتى يعيد “المستقبل” فك رموزها ، ويستجيب لها من خلال “إرجاع” تنتهي معه عملية الاتصال والعرض المسرحي هو رسالة موجهة إلى مُستقبِل أي متلقي . وفي عروض تعتمد التجريب
من خلال توظيف العديد من مسائل الاتصال الحديثة وتضعها على خشبة المسرح دون دراسة وفهم لمدى تأثيرها سلباً أو إيجاباً ، تبرز مخاطر الاتصال إذ أن وسائل الاتصال الحديثة تلعب دوراً خطيراً في حياتنا المعاصرة نظراً لما تتمتع به من خصائص فريدة لم تتوفر لغيرها من الوسائل عبر تاريخ البشرية الطويل بفضل ما أتاحه لها العلم الحديث بثورته التي بلغت أوجها خلال العقود الأخيرة من هذا القرن والتي تنبئ بما سيأتي مستقبلاً من تطور أكبر وأخطر، فهذه الوسائل أصبحت في متناول أعداد غفيرة من الناس بمختلف أعمارهم وأجناسهم ومستوياتهم المعيشية والثقافية . يتعرضون لتأثيرها ليل نهار فتفعل فيهم فعلها مغيرة عاداتهم وأفكارهم وطرق معيشتهم و أذواقهم. وتكمن الخطورة في أن التوظيف المغالى فيه يسلب حق المتلقي في أن يرى بشكل سليم ما ينبغي أن يراه ، وإذا كان كربك قد أكد على أن المتلقي يحضر إلى المسرح كي يرى أكثر مما يسمع فإن الأمر يصبح أكثر خطورة إذا ما تحول ما يراه ذلك المتلقي هو تلك الآلات والأجهزة الضوئية والصوتية والمرئية التي تتحرك وتضج وتتلون على الخشبة فتتحكم في الصوت والصورة البصرية لتجسد الرؤى الجمالية والفنية المبهرة وتسلب الممثل مهاراته حين تهمشه وتحيله إلى جزء ثانوي ومكمل في إطار المشهد المرئي إزاء ما يتموضع ويتبروز ويتفرد على حاملات الرؤى والأفكار والتصورات الدرامية والجمالية وباثات الدلالات بشقيها المادي والتعبيري المتحول ونقصد بها الآلة والتي تتمثلها وسائل الاتصال الحديثة بأنواعها ، هذا فيما يتعلق بوجود وتوظيف وسائل الاتصال الحديثة على الخشبة من قبل المخرجين والفنين سواء أكانوا من المجتهدين في التجريب أو الذين كانوا مستنسخين ومقلدين لتجارب الآخرين من أوربيين وعرب ، وسائل الاتصال التي حولت العالم إلى قرية صغيرة وخلقت وسائل جذب واجتذاب لها و أصبحت تتصدر المكان في البيوت والمؤسسات وأماكن الترفيه والتسلية والجامعات والمدارس ، أوجدت لها عالماً جديداً في التعامل والتعاطي إنها بقدر ما تسهل الحياة و أقربها للفرد وتمد روابط الاتصال والمشاركة مع الآخرين فإنها خلقت شيئاً من الفتور مع المسرح ؟ فإذا كان المسرح في أوروبا قد شهد خلال عصوره المختلفة حركة تغير وتجدد واكتشافات من خلال المساحات الحوار والحرية الممنوحة له في المجتمعات الغربية بحكم الأنظمة السياسية والظروف الاجتماعية والدينية والاقتصادية ،(حياة المسرح وازدهاره لا يتمان إلا في مناخ من حرية وجرأة التعبير.فإن المسرح في الوطن العربي مازال يعاني من حالة مد وجزر وهو يتفاوت داخل الوطن العربي في نسبة تقدمه ونضجه من قطر عربي إلى آخر ما بين متقدم ومتطور وما بين ناشئ وتقليدي وآخر يحاول أن يصوغ تجربته في التأصيل باحثاً عن هوية لمسرح عربي ذي خصوصية اجتماعية ودينية ، وهنا يصبح الأمر أشد خطورة إذا ما علمنا أن المسرح في الوطن العربي وهو فن وافد أي أنه لم يصبح ضرورة مثل الخبز والماء، أو حتى في بعض البلدان ضرورة اجتماعية وثقافية، بل أنه يعد في بلدان عربية محددة وسائل ترفيه وتسلية ومن يتعامل معه مجرد شخصيات تمتهن التسلية إن لم تتحول لدى بعضها الآخر إلى وسيلة متاجرة وربح وخسارة ،المسرح في الوطن العربي ضمن هذا التصور يصبح أكثر عرضة للانحسار والجمود في حدود زمنية ومكانية ثابتة ، فإذا كان المسرح العربي بعد ما يزيد عن المائة عام من تواجده على ارض عربية وبعد محاولات التأصيل والتأهيل والتواصل داخل المجتمع العربي لتحويله إلى جزء من لُحمة الحياة الاجتماعية والثقافية لم يستطع أن يتحول وبشكل فاعل وملموس إلى ضرورة ملحة فإن وجود وسائل الاتصال الحديثة تشكل خطراً كبيراً على مستقبله ولا سيما بالنسبة لهذا الجيل الجديد من أبناء الوطن العربي الذين تعاملوا مع الإنترنت والفضائيات وما تبثه من إعلام ودعايات تكرس نظام العولمة بكل سلبياته التي تشوه وتطمس وتحرف كل ما هو محلي وذا خصوصية بيئية ، إنها تكرس وبشكل جذاب ولامع وآخاذ الأفكار والرؤى والعوالم التي تخلق حواجز بين المتلقي وجذره وتعمل على تعويم العقول والروح في عالم جديد ذاتي وسطحي ومغيب، العولمة (لاتهدم المسرح والجمهور وأهل المسرح ، بل تهدم معاني التعلم والتعليم والمدارس والتجريب والأفكار ، تصفيها كلها في نمط موحد في لا وعي جماعي ، يصيب الفردية في الجمهور، والفردية في المبدع المسرحي والفردية هي الينبوع الأول، لا للمسرح ومتلقيه ، بل لكل الفنون و الإبداعات، إنها التميز عن فكرة “قطيع”وعن فكرة ” الإجماع” وعن فكرة أن المسرح عندما يكون للجميع ، فيجب أن يخضع للجميع، مرآة صادقة للجميع. إنها قريبة من الفرد تأتيه بكل ما يسأل عنه من معلومات وتضع بين يديه كل ما يمكن أن يبغيه ويرغب أن يبهره ، إنها تصنع وتجمل وتنوع وتؤشر وتحلل ما يبحث عنه عبر وسائلها المتطورة التي صنعها عقل بشري وطورها والتي أشرفت عليها واستثمرتها مؤسسات صناعية عالمية لها صلة وثيقة ببلدان ومدن اقتصادية وسياسية لها في الاجندة السياسية الدولية مصالحها وأهدافها كما أن لها أساليبها في الترويج والتكريس والتأثير ، فإذا ما كان المسرح في الوطن العربي عبر مبدعيه ومفكريه ومنظريه ممن أمنوا به رسالة في التوعية والتثقيف والمعرفة والجمال مازال يراوح بين مد وجزر، بين انفتاح وتقبل وانغلاق وتخوف.فكيف له أن يصمد أمام هذا الهجوم المخيف والجارف لوسائل الإعلام والاتصال الحديثة التي تشهد نفوراً وتجدداً ما بين ساعة وساعة وليس أشهر وأسابيع !! إنها محنة في
الحالتين حين تدخل تلك الوسائل وتعتلي خشبة المسرح رغبةً في عصرنة وتحديث الخشبة وما عليها أكان شكسبير أم تشيخوف أم كان بيكت أو أداموف. وبين وجود تلك الوسائل في كل مرافق الحياة الاجتماعية في البيوت والمدارس والجامعات والدوائر الرسمية وغير الرسمية ، فهي في الحالتين تختلق تحولاً لدى المتلقي وعزوفاً عن المسرح الحي وهنا لابد لنا من التساؤل قبل أن نعلن يأسنا، ما الذي ينبغي أن يفعله المسرحيون العرب للحفاظ على المسرح وسحره ؟؟ ليس فقط من وسائل الاتصال والثورة التكنولوجية. بل المتاجرة به وتحويله على سلعة للتسلية والتسطيح والتسذيج وتسفيه القيم من قبل حفنة من أصحاب رؤوس الأموال الذين يبحثون عن منافذ للإثراء السريع فيسهل لهم بعض الطارئين المحسوبين على المسرح، تلك المتاجرة من خلال تقديم عروض مسرحية لمسرح الكبار أو مسرح الأطفال لا تحمل من فن المسرح إلا الاسم فقط .عروض استهلاكية تزيد في نكوص الحركة المسرحية و إخفاقها وضياعها في هذا القطر العربي أو ذاك . أو مسرحاً مؤدلجاً دعائياً ومكرساً لأفكار و أهداف ومصالح المؤسسة الرسمية وتضع خطوطاً حمراء لايمكن تجاوزها ، قد تكون المهرجانات والتجمعات الثقافية وسائل ناجعة لمناقشة هذه الاشكالات والعوائق التي تحجم وتضعف دور المسرح في المجتمعات العربية ، ولكن حتى في هذه المهرجانات العربية الدولية منها والمحددة عربياً هناك عوائق عديدة ،لعل أبرزها هو الوصول إلى تلك المهرجانات و التظاهرات و المشاركة فيها في عروضها المقدمة أو ندواتها المعقودة ضمن محاور محددة ، أو ندواتها المرافقة لتقييم العروض المشاركة ، إذ أن تلك المهرجات لا تكفي لأنها تعقد سنوياً كما هو الحال في الندوات الرئيسة للمسرح التجريبي والتي تناقش في محاورها البحوث دون الوصول إلى نتائج تتمثلها توصيات ومقترحات تتحول إلى مواضيع للتطبيق والتفعيل والعمل في المهرجانات اللاحقة ، أو كل سنتين كما هو الحال في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح والذي يكتفي هو الآخر بمناقشة البحوث والأوراق الدراسية المقدمة في حدود دار الندوة عبر المحاور المعلنة والمتفق عليها سلفاً،أي أن كل هذه البحوث والدراسات والأفكار لا تتحول إلى مناهج عمل تتمثلها الفرق والجمعيات والمحترفات والورش والمختبرات الفنية المشاركة في تلك التظاهرات والمهرجانات الرسمية منها وغير الرسمية، نحن ندعو لحرية التجربة المكتشفة الباحثة ونحن على ركوب المغامرة و الإبحار عبر المجهول بحثاً عن قيم الجمال واللقى البكر. ونغلق الأبواب أمام أدلجة الأفكار والرؤى مزيلين الخطوط الحمراء والخضراء مشرعين الأبواب لتيارات الإبداع الواعية العارفة التي تدفع العروض المسرحية على خشبة المسرح إلى بر الأمان والتلقي الإيجابي ويظل السؤال قائماً أمام المسرحيين العرب ، كيف لنا أن نحول المسرح في الألفية الثالثة التي شهدت منذ إطلالتها الأولى حروباً وكوارث وعودة للاستعمار والهيمنة وصعود اللون الواحد والصوت الواحد تحت ذرائع وحجج شتى والتي كان لوسائل الاتصال الحديثة بكل ثقلها وتنوعها دوراً كبيراً في الترويج والتغذية والتطبيع والتضليل والتلاعب والترهيب والتهويل لها ومعها، كيف لكم أيها المسرحيون أن تحولوا المسرح إلى رسالة توعية وتنوير وتثوير وتحريض ومعرفة ! بعيداً عن التشويش والحذلقة والمغالاة والتطرف والمكننة والآلية قريباً من الإنسان الحي ، على الخشبة النابضة بالسحر والجمال المفعمة بدفق الحياة؟؟.
و قد ركّزت الدكتورة عواطف على مثالين تأكيداُ لورقة عملها حيث شاهد ضيوف مهرجان دمشق المسرحي الثاني مسرحية ( شوباش ) لهاشم كفارنة و قد كان العرض مهيمناً و واضحاً و لم يكن هناك حضور يذكر لوسائل الاتصال الحديثة بل كان هناك بساطة و انسيابية ، و في العرض التركي ( أنا أناضولي ) كان هناك حضور للممثل و ببساطة ، حيث قدم الممثلون أنواعاً متعددة من الأداء الكلاسيكي و الواقعي و التعبيري و مع ذلك فقد فهمنا العرض رغم اننا لا نفهم اللغة التركية على عكس إحدى الفرق الفرنسية التي قدمت عرضاً غير مفهوم في إحدى دورات القاهرة التجريبي إذ استخدم الممثلون التقنيات الحديثة من سينما و سلايدات و غرف جعلنا نحن المختصين لا نفهم ما يريد العرض قوله ! و ما الذي يحدث على خشبة المسرح حيث تشتتنا .


