صحافة درامية
يشير الناقد روجر م . بسفيلد في كتابه ” فن الكاتب المسرحي ”
إلى معظم كتاب بروداي المسرحيين في القرن العشرين ، كانوا من ألمع الصحفيين في فترة السبعينيات . ومن أولئك الرواد المسرحيين المشهورين مثل ماكسويل آندرسون وبهرمان وجورج برود هرست ومارك كونللي وإدنا فربروجيمس فورلبس وبن هشت وغيرهم
حيث اتضح أن الخبرة التي يكتسبها الصحفي من أداء مهنته ، تؤهله لأن يصبح كاتبا مسرحيا ، قادرا على كتابة نصوص مسرحية مستقاة من الواقع .
وتعتبر الصحافة مرآة عاكسة لتجربة الإنسانية من قلب الحدث الدرامي . فنحن في كل يوم أصبحنا نسمع الأخبار العالمية والأحداث الغريبة التي تنشر على صفحات الجرائد ، والتي يمكن معالجاتها دراميا فيما بعد ، واخراج عروضا قد تتماثل مع الواقع وتؤكد صحة الخبر ، ويعد الخبر الصحفي بصيغة المختلفة من أقوى وسائل التأثير على الرأي العام خصوصا إذا اتصف بالسبق الصحفي إزاء حادثة ما .
وأشار الناقد روجر م . بسفيلد بأن هناك خمس سمات تسهم في صنع كاتب صحفي مسرحي ، وهى كتالي :
أولا : أشار ماكس مارسن – وهو من الجيل القديم للكتاب الصحفيين المسرحيين – إلى هذه الازدواجية لدى الكاتب الصحفي المسرحي ، بقوله : ” أي صحفي مخلص لعمله ، وممن أوتوا للموهبة الصحفية الأصيلة ، يكون قادرا ولابد على كتابة التمثيلية الجيدة ”
إن المواقف الدرامية التي تبني عليها المسرحية ، قد تكون عبارة عن قصة خبرية نشرت في إحدى الصحف بتفاصيلها العامة ، ولقد كان أوجستس توماس كاتبا مسرحيا صحفيا في إحدى المؤسسات الإعلامية ، والذي يعود له الفضل في تأليف العديد من المسرحيات ، مثل : الساعة الساحرة ، وأريزونيا والرأس النحاسي وغيرها .
ثانيا : إن الصحفي عندما يجرى إحدى المقابلات الشخصية يلتقي بنماذج من الشخصيات المتباينة من حيث المنشأ والفكر الأيدلوجي و المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
كما يتعرف الكاتب على أساليب الحوار التي تتوافق مع كل شخصية ، وأفاد الكاتب الصحفي المعروف ويلارد ماك بأن خبرته المكتسبة جاءت من خلال مقابلاته وأحاديثه مع الناس في الشارع ، والتي كانت بمثابة المفتاح السحري الذي مكنه من تأليف روائعه الفنية ، ويعلق على ذلك بقوله : ” لقد عملت في إحدى الصحف
مخبرا وهذا هو الذي علمني كيف يفكر النصابون والغشاشون . وقد عملت فترة ممثلا حيث لمست ضعفا في إحدى التمثيليات وقد أدركت أن معظم الضعف آت من ناحية اللغة ، ومن ثم قلت للمخرج : ” إن الناس لا يتكلمون على هذا المنوال ، وأنا لا أشك في أنك تعرف كيف يتكلمون ، وقد أعدت حوار المسرحية ، وشرعت بعد هذا بكتابة المسرحيات ” .
ثالثا : يمتلك الصحفي أيضا القدرة على رسم الشخصيات المتماثلة مع الشخصيات الحقيقية التي قد نجدها في الحياة ، وذلك من خلال احتكاكه بأصناف البشر المتباينة في سلوكياتها وطباعها وأشكالها ، وهذا يمكن الكاتب من الجمع بين الأضداد ذات المستويات المعيشية المتفاوتة ، فنجد هناك الأغنياء من الناس في حين أن هناك ممن يعانون من ضيق أو الأزمات الحادة كالفقر والأمراض والحروب .
كما أن العمل في الحقل الصحفي، يتيح فهم احتياجات الفئات العمرية المتنوعة وطرق التحاور معها ، وهذا بالطبع يكسب الصحفي بعدا اجتماعيا يمكنه من سبر أعماق النفس البشرية .
وقد يتحفظ بعض الأشخاص أحيانا عن الإدلاء ببعض المعلومات في حادثة ما ، ولكن الصحفي الناجح يمتلك أدواته الخاصة ، والتي تجعله يؤدي عمله بسرعة ودقة.
رابعا : إن الخبر الصحفي يعتبر مادة حية تصنع عناصر الدراما الأساسية ، و التي يحتاج إليها الكاتب المسرحي ليبدع عمل فني ينتقي خصائصه من مجتمعة .
يقول مارسن : ” لقد بدأت حياتي العملية بالعمل في الصحافة ، وذلك كما فعل كثير من الكتاب المسرحيين . وقد كانت الخبرة التي اكتسبها من عملي بالأخبار الصحفي قيمة ثمينة ولا تقدر بثمن في عملي بالكتابة المسرحية ، فلقد وضعت بين يدي ذخيرة لا تفني من المادة الخام التي لم تصقل والتي كنت أشكل منها مسرحياتي ”
خامسا : القدرة على التركيز في المواضيع والبعد عن التفاصيل والبيانات الكثيرة في المادة الخبرية المقدمة إلى المؤسسة المعينة ، فالصحفي المتمرس يستبعد النوافل التي لاتهم القارئ ، ويحاول الحصول على الحدث الأهم والأحدث، وذلك لصنع حبكة قصصية جيدة ، وهذا بالطبع يتطلب وجود الكاتب مبدع ، والذي يمتلك عين مجهرية فاحصة لما يدور حوله ، ويقول أوجستس توماس :” لقد كنت أجدني في أكثر من مرة منذ الوقت ألهج بالحمد وأنا أشارك في أحد التدريبات بالملابس ، وما يصحب هذه التدريبات من هرج ومرج ، على توافر لي هذا القدر الكبير من حسن السيطرة على النفس ، وذلك التركيز الذي كان يساعدني على تلفيق مشهد مسرحي فج وأنا جالس إلى حامل من حوامل النوتة الموسيقية ”
أننا بحاجة إلى كاتب مسرحي محنك ، يرصد الواقعة الصحفية بشغف وفضول جم ، ومن ثم يحورها إلى عمل درامي متميز ، كما أننا بحاجة إلى من يكشف النقاب عن القضايا التي تهم الناس وتشكل هاجسا قوميا لهم .
وكل ذلك سوف يوجد تجربة فنية نابعة من المجتمع ، ومغلفة بطابع الخبر الصحفي الناجح .
لذا لم يكن بغريب أن نرى العديد ممن يمتلكون القلم الصحفي ويمتهنون مهنة المتاعب هذه ، ينضوون تحت مظلة التأليف المسرحي . فالحياة تعج بالكثير من القضايا والقصص والوقائع والأحداث المتجددة على مدار الأربع والعشرين ساعة ، وهذا بدوره سيخلق مناخ ملائم للإنتاج الأدبي والفني . وسينطلق ذلك الإبداع على أسس سليمة ، ومتشربة بنزعة إنسانية تفضح حقيقة ما يجري في عالمنا ، ويقوم العمل الفني بتقديم شخصيات قد تكون موجودة من حولنا ولكننا لا نراها بوضوح إلا من خلال الفن .
وهناك ممن سخر تلك العين المتمرسة لاقتناص المواقف الساخرة التي تحاكي الواقع أقل مما هو عليه ، وهذا سينبه الناس إلى بعض المواقف اللاأخلاقية أو السلوكيات التي قد ينكرها البعض .
ولكن هذا سيجعلنا أيضا نقع في قضية أخرى وهى ، هل من الممكن أن تخلق المهنة الصحفية كاتبا مبدعا يمتلك موهبة خصبة ؟ فكما هو معروف أن العمل الفني ، يحتاج إلى ملكة إبداعية تتدخل فيها الموهبة كأحد العوامل الرئيسية التي تقوم عليها .
ونحن اليوم نشهد موجه من الأعمال الفنية الهابطة التي تخلو من كل اوجه الجمال الفني ، ورأينا تكالب تلك الأعمال على أجهزة الإعلام المختلفة بغزارة منقطعة النظير وإن كانت تبدو سطحية و تفتقر إلى العمق الأدبي والفني، وبتالي تظهر فجة وخالية من مقومات البقاءالاستمرارية ، فهي أشبه بسحابة صيف سرعان ما تختفي .
وهكذا تظل العملية الإبداعية من أساسيات العمل الفني الناجح ، وهذا ما شهدنا في الأعمال المقدمة خلال الحقبة الماضية ، كما نأمل أن نرى نتاج فني مماثل في عصرنا الحالي .
عزة القصابي – azqassabi@yahoo.com


