لصالح من ننسف رؤيتنا للعالم ؟ د. حسن عطية

د. حسن عطية

[[ هذا المقال الذي خص به الدكتور حسن عطية "المسرح[ دوت كوم" هو مقدمة كتابه (سوسيولوجية الفنون المسرحية - تحولات البنية وحضور المتلقى) الذي صدر مؤخراً في سلسلة كتابات نقدية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر. وستقوم " المسرح دوت كوم" بعرضه على صفحاتها في العدد القادم" ]]

منذ أوائل القرن التاسع عشر ، وبداية عصر النهضة العربى ، وعقب مجموعة من المتغيرات الحضارية الناشئة عن عوامل جغرافية وتاريخية وفكرية متداخلة ، لم تهدأ حركة البحث العربى عن السعى عن هوية خاصة ومتميزة للمجتمع العربى ، ينفصل بها عن عباءة الحكم التركى الشمولى ، الذى وصل لقمة شيخوخته وقتذاك ونال من الضربات الداخلية والخارجية ما عجل بتداعيه ، ويواجه بها عالما غربيا متقدما ، جاء بأسلحته الجديدة لعمق بلاده ، وغزا أرضه بمستحدثات العلم ، وتسلل إلى عقله بأحدث تجليات الفنون والآداب والفلسفات التى تهز الأرض تحت أقدامه ، وتطرد اليقين من بيته الذى لم يعد مغلقا على ذاته ، فصار الوجود نسبيا ، ولم يعد المخالف مجرد وجود منفى فى الفراغ ، أو كائن معاد للذات ، بل تم النظر للآخر من زوايا متعددة ، صار معها الغرب غازيا للأرض القديمة ومفجرا للحضارة الحديثة ، مرفوض سلاحه القاتل مقبول نتاجه العلمى ، وتأرجحت الذات العربية بالتالى بين الحدين ، فهى بعد لم تتخلص من اليقين المطلق بالعالم ، ولم تقطع بعد حبلها السرى مع تراثها القديم ، وهى فى نفس الوقت لا تستطيع أن تنجز فعل القطيعة المعرفية الكاملة بتراثها ، الذى هو أحد أهم مقومات هويتها المكتشفة ، والساعية للتبلور جغرافيا ووجوديا عبره زمنذاك ، وهى أيضا لا تستطيع أن تقذف بذاتها فى أحضان الهوية الغربية ، كما ستفعل فيما بعد تركيا ذاتها وعلى امتداد القرن العشرين كله ، فخسرت تاريخها الثقافى ، دون أن تكسب لهويتها الجديدة بعدا جغرافيا عصريا غربيا خالصا

وإذا كانت أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 ، قد أعادت مع الألفية الثالثة أسئلة الهوية ، مختلطة ببطش القوة ودماء المستضعفين ، فى لحظة تاريخية فارقة ، يعاد فيها تنظيم العالم تنظيما مغايرا لما كان عليه فى القرن الأخير من الألفية الثانية ، باسم نهاية التاريخ ، وترتيب الأوضاع وفقا للصراعات الثقافية ذات البعد الدينى ، وفرض الرأى الأوحد بشعار العولمة ، لذا لم يكن بمستغرب أن يأتى إلينا ، ضمن من يأتوا ويتكرر وجودهم سنويا ، مسرحى غربى ليشارك فى دورة ذاك العام الحاسم ، عام 2001 ، ليشارك فى ذات الأيام فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى ، وهو الإنجليزى “مات أدامز” ، وليجلس على منصة الوعظ المفتوحة أمام النخبة الثقافية المصرية والعربية ، ويدعونا لنسف النظرية ، أى نظرية ، وذلك وفقا لهدف وأسم فرقته المسرحية اللندنية Blast Theory ، ويعلمنا أهمية نسف النظرية ، كل نظرية ، بإدعاء أن النظريات هى سبب بلايا العالم ، وأن الفن الحر، كالمجتمع الحر ، ليس بحاجة لنظرية تدعمه وتسلح أصحابه فى عملية إبداعه ، وهى دعوة كما تبدو ذات طابع تجريبى (امبيريقى) بحت وتقلل من دور النظريات العلمية والقوانين الموضوعية فى فهم العالم ، مرتئية أن التجربة الحسية هى وحدها مصدر المعرفة ، وبالطبع لم يكن ثمة استغراب من تحمس البعض من نقادنا لتلك الدعوة ، باعتبارها منطلقة من ذلك الآخر/ الغربى المتحضر ، الذى نجح من قبل فى أن يورد لنا ، ضمن ما ورد واستوردناه ، كما هائلا من الأفكار الناسفة لكل أيديولوجية ، والمدمرة لكل رسالة ، والغارقة فى شكلانية تدعى أن الفن هو قيمة فى ذاته ، وأن الأدب صياغة لغوية تمنحه أدبيته المنغلقة على ذاتها ، وأن الإبداع مجرد تحقيق حالة وجدانية ، يتعطل فيها العقل ، ويسودها دخان التلاقى الحسى ، وتبتعد عن طرح أية هموم مجتمعية ساخنة ، وتهرب فى بنيات شكلية ، يغرقنا هؤلاء النقاد فى علاماتها المضللة ، كافرين بعلاقة الفن بمجتمعه ، رافضين لأى منهج يفسر كل منهما فى ضوء تفاعله مع الآخر
أن بنية العمل الفنى ، لا تنفصل عن رؤية مبدعه للمجتمع الذى يعيش فيه ، ولا تخلق لنفسها وجودا فى ذاته دون جدل مع الموضوع الذى تقدمه تلك البنية ، أو المحتوى الدلالى الذى تعبر عنه دالات تلك البنية ، والبنية كصيغة شكلية يتلقاها المشاهد بحواسه ، والموضوع الذى يلتقط محتواه بقدرته العقلية ، لا ينفصلان بالتالى عن الرسالة التى هب الفنان من مجلسه ليوصلها للآخرين عبر عمله الفنى ، والبنية والموضوع والرسالة لا يمكن لفنان أن يفكر فيهم مجتمعين ومتداخلين ، ويقدم على طرحهم علنا ألا وهو متسلح بوعى ، كامل أو ناقص أو زائف ، بمجتمعه وبشرائحه الطبقية المتوجه إليها ، سواء تصالح مع تلك الشرائح وقدم لها ما يرضيها ، أو أختلف معها وعمل على أن يصدمها بعمله الفنى ، وهو ما يجعل الفنان أكثر من مجرد معبر تعبيرا آليا عن مجتمعه ، بل هو قابض بوعيه ، أو يجب أن يكون قابضا بوعى راق ، على القوانين التى تحكم حركة المجتمع ، عاملا على تفعيلها ، أو ربما يعمل على شل حركتها وفقا لموقفه الأيديولوجى ورؤيته للحياة ، ومن ثم فليس هناك فنان بلا رؤية نظرية ، وليس هناك فن دون توجه فكرى ، والمتلقى ذاته لا يُعَرض نفسه لمنتج فنى ، مهما كانت جماليته ، إلا إذا أتفق مع رؤيته الفكرية للحياة ، ولذلك فالمبدع الذى لا يعرف طبيعة متلقيه وزمانية عملية التلقى ، يبدع أعمالا معلقة فى الفراغ ، والناقد الذى لا يهتم بسوسيولوجية الإبداع والتلقى ، يدبج كتابة مفرغة المعنى ، كما أن الدعوة المغرضة لنسف النظرية ، ما هى ألا خرافة مقصودة لذاتها ، ليس فقط لأن من يفرغ العالم من نظرياته ، لا يملك البديل الذى يملأ به هذا الفراغ ، وإنما أيضا لأن سقوط النظريات الشيوعية والاشتراكية ، فى منظومة الدول التى سعت لتطبيقها طوال قرن من الزمان ، لا يعنى عدم فاعلية النظرية كنظرية ، وإنما يعنى أن نظريات أخرى قد انتصرت عليها ، وهى تلك النظريات التى أسست المجتمع الرأسمالى منذ ” أدم سميث” وصحبه ، ومازالت تطور نفسها على يد منظرين كثر لدعم بقاء هذا المجتمع المنتصر بقوة التكنولوجيا ووجاهة وبلاغة النظرية ، كما تعنى فى ذات الوقت أن ثمة عوامل داخلية وخارجية ، آنية وتاريخية ، أقتصادية واجتماعية أدت لتلك الهزيمة المدوية
والأمر ذاته بالنسبة للنظريات التى يتسلح الفنان بها وهو يبدع عمله ، ويتواصل به مع متلقيه ، فلم تكن الكلاسيكية ولا الرومانسية أو التعبيرية أو حتى العبثية مدارس فنية بلا رؤى فكرية تنطلق منها ، ونظريات تتأسس عليها ، ولم تغب عن إيسخيلوس وشكسبير والفريد فرج وبيتر بروك وسمير العصفورى وغيرهم رؤية فكرية ما ، أنطلق منها كل واحد منهم صادقا ومتسقا معها ، ليقدم عمله الفنى للناس
وفى كل هذه الأحوال تصبح بنية العمل الفنى ، هى المادة الملموسة التى تقبع فى أعماقها رسالة المبدع ، متفاعلة مع موضوعه المختار ، ولذا فأن هذه البنية تتغير بتغير المتعامل معها ، خاصة فى مجال المسرح باعتباره نتاج عملية تفاعل خلاق بين فنون مختلفة ، يتصدرها بالطبع النص الدرامى الذى يكتب مباشرة للعرض المسرحى ، أو قد يعد عن مادة أدبية أخرى كالقصة أو الرواية ، وفى كل حالات الإعداد والاستلهام والمعالجة والتأصيل و(الدراماتورجية) ، تتجلى رؤية المبدع الأصلى متحاورة مع رؤية مبدع العمل المعد ، فتحويل العمل الفنى من بنية ما لأخرى ، ليس مجرد عملية حرفية ، تعتمد على استيعاب تقنية البنية المنقولة إليها مادة ورسالة البنية الأصلية ، وإنما تتطلب فى الأسا

س وعيا فكريا بالبنيتين الأصلية والمنقول إليه ، وإدراكا بأن ثمة تفاعل خلاق بين كل بنية ومادتها ورسالتها ، وانه ليس من السهل استخلاص المادة (الموضوع) والرسالة من سبيكتها البنائية ، وألا وقعنا فى المباشرة ، وجنحنا نحو الأعمال الموسمية الإعلامية ، كما تتطلب وعيا كاملا بطبيعة الجمهور المتلقى وزمن تلقيه ، فمسرحية مثل (حلاق بغداد) لألفريد فرج ، عندما أخرجها “كرم مطاوع” فى أواسط الستينيات ، ووضع خطوطا سميكة تحت إحدى أفكار المسرحية وهى الخاصة بدعوة الحاكم لمنح كل فرد فى شعبه “منديل الآمان” ، دفعت ببطلها للدوران بالمنديل المنشود فى أرجاء المسرح ، كاسرا فى لحظة ذهبية جدران الحائط الرابع الوهمية ، ومتوجها لجمهور ذاك الزمان المهموم بالرقابة البوليسية ، فأن ذات المسرحية ، ودون تغيير جوهرى فى نصها الدرامى ، عندما قدمت أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة (فبراير 2002م) ، من إخراج د. “هناء عبد الفتاح” ، لم ينجذب لا المخرج ولا الجمهور لفكرة منديل الآمان ، وإنما مال العرض قليلا لفكرة سطوة الأغنياء ، وقدرتهم على إفساد المجتمع وقيمه ، وهو ما يكشف عن حضور المجتمع وهمومه بقوة داخل مجتمع العرض المسرحى

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
مهرجانات ومؤتمرات
  • الندوة الفكرية الرئيسية –الجزء الأول :المسرح وتحديات العصر

    المحور الأول : علاقة المسرح بوسائل الاتصال الأخرى ورقة عمل الدكتورة عواطف نعيم – العراق – الجزء الأول – دمشق- أحمد خليل عقدت الندوة الفكرية الرئيسية لمهرجان دمشق المسرحي الثاني عشر في قاعة الأمويين بفندق الشام مقر المهرجان تحت عنوان (المسرح وتحديات العصر) وقد ترأس الجلسة الأولى وأدارها الفنان هشام كفارنة مدير فرقة المسرح القومي [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • مؤتمر بالقاهرة عن المسرح المستقل في مصر

    القاهرة (رويترز) – يشارك مسرحيون مصريون وأجانب الاسبوع القادم في مؤتمر بالقاهرة لتقييم وتوثيق المسرح المستقل في مصر منذ عام 1990 الذي شهد انطلاق كثير من الفرق المسرحية المستقلة. وقال عماد أبو غازي الامين العام للمجلس الاعلى للثقافة منظم المؤتمر يوم الاربعاء في بيان ان المؤتمر الذي يفتتح الاحد القادم سيحمل عنوان (عشرون عاما من [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • افتتاح مهرجان المسرح العربي بالقاهرة تحت شعار “تأكيداً للتضامن وتحفيزا للإبداع”

    افتتاح مهرجان المسرح العربي على مسرح العرائس تحت شعار “تأكيدا للتضامن وتحفيزا للإبداع” افتتح دكتور أحمد مجاهد “رئيس المهرجان” يوم الخميس الموافق 15 أبريل الدورة الثامنة لمهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الجمعية المصرية لهواة المسرح تحت رعاية السيد الوزير الفنان/ فاروق حسنى وزير الثقافة، وذلك في حضور نخبة كبيرة من الفنانيين والمسرحيين المصريين والعرب وفي [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • متابعات من مهرجان دمشق المسرحي

    رفيق علي أحمد: سيبقى المسرح حصرماً في عيون الفنون الأخرى الفنان اللبناني – رفيق علي أحمد – حوار : احمد الخليل سيبقى المسرح حصرماً في عيون الفنون الأخرى يحل الفنان رفيق علي أحمد ضيفاً على مهرجان دمشق للفنون المسرحية، والفنان أحمد من المسرحيين المهمين عربياً، عرفه جمهورنا السوري من خلال عدة عروض مسرحية(قطع وصل-حكم الرعيان..) [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • تونس تحتضن احتفالات اليوم العربي للمسرح

    انطلقت بالمسرح البلدي بالعاصمة التونسية فعاليات الاحتفال الثالث باليوم العربي للمسرح الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح على غرار الاحتفال باليوم العالمي للمسرح وذلك ضمن أهداف الهيئة التى أطلق مبادرة تأسيسها ويرأسها شرفيا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة . حضر الاحتفال الذي يأتي بالتزامن مع احتفالات تونس بمئوية [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me