المسرح والأسطورة
المسرح والأسطورة
البطل الأسطوري بوصفه رمزاً مثالياً وتاريخياً
بقلم : الدكتور يوسف رشيد جبر
ناقد وباحث مسرحي من العراق
ان ما نقلته الرسوم المكتشفة علي جدران الكهوف هو جزء من محاولات الانسان في السيطرة علي موجودات الطبيعة وظواهرها التي شكلت صور القوي الغيبية وأخذت موقعها الخارق في عالمه الأسطوري علي هيئة آلهة للخصب والنماء وآلهة للخير في مقابل آلهة الشر والدمار التي كانت تهدد حياته فكانت هذه الرسوم تشكل فكرة مبكرة وغريزية تلقائية للإنسان للتمظهر اللاإرادي بشكل البطل.
فكان لابد للتجربة الانسانية وهي في بواكيرها الأولي أن تشق الطريق في تأمل الظواهر الكونية، وكانت الأسطورة حيث كان الإنسان من خلالها يصور الآلهة في صراعهم مع بعضهم في الأساطير الأولي بوصفها المصدر الأول للظواهر الكونية والمنظمة لها، فهو عندما فكر بكل هذه الظواهر الكونية من حولها ربطها بقوي غيبية بعيدة تسيطر عليها وتحكمها وهي تتصارع في ما بينها لخلق حالة من التوازن بين الخير والشر، فالأسطورة هي الوسيلة التي حاول الإنسان من خلالها أن يضفي علي تجربته طابعاً الوهياً فكرياً.
لذا فقد كان من الضروري أن يكون لهذه الأسطورة بطلها الموضعي الذي تكمن فيه أهمية وجود تشكيل قوي الصراع.
البطل الأسطوري رمز مثالي:
فالبطل الأسطوري بوصفه رمزاً مثالياً أعلي ، هو رمز يتناسب وكون الأسطورة بحد ذاتها نموذجاً مثالياً أعلي. وعليه فأن هذه الصورة المثالية المكونة للبطل من شأنها أن تحقق ثقلاً يمكن أن يقابل ثقل السحر في طاقته المثالية المكونة للبطل من شأنها أن تحقق ثقلاً يمكن أن يقابل ثقل السحر في طاقته المثالية أو حتي تقابل الدين في صورة العالم العلوي.
ويبدو ان آراء (يونج) في الانطلاق من الوعي الجمعي وآراء (فريزر) في مدرسته التطويرية كلها نحو هذا المنحي في دراسة شخصية البطل عبر ارتباطه بالطبيعة وموقفه منها، لذلك فقد ارتبط هذا التطور في دورة حياة البطل في الأسطورة بالدورة الشمسية أو دورة فصول السنة حينما يرمز الفجر إلي ميلاد البطل أو الغروب الذي تدور حوله أساطير الموت والهبوط من العالم العلوي (الجنة) إلي الأرض والظلام والشتاء وعلاقتهما بانهزام البطل.
فالأسطورة في مفهومها الأول هي حكاية تحكي وهي ليست محاكاة فعل كما هو في التراجيديا. وانما هي الفعل الذي يمتد من الماضي إلي المستقبل و “الأسطورة هي قطعة من حياة الروح، تفكير الشعب الحلمي مثلما ان الحلم أسطورة الفرد”.
غير ان الشرط الذي يحدد سمات البطل في الأسطورة يبدو أكثر ارتباطاً بالصفة الالهية حيث تؤكد بعض المفاهيم هذه الصفة بوصفها تحديداً لصفاء النوع الأسطوري حيث “يذكر (فونك) في معجمه.. انه لابد أن يكون للأسطورة خلفية تاريخية بمعني أن تكون شخوصها الرئيسة من الآلهة. فاذا لم يظهر في الحكاية آلهة أو انصاف آلهة فان هذه الحكاية تندرج تحت صنف قصص شعبي آخر”.
البطل والتاريخ:
ولعل هذا الشرط قدر اقترانه بضرورة الخلفية التاريخية فانه يعطي (اوديب) مثلاً مشروعية الاقتران بالأسطورية ويعزز ذلك الأصل التاريخي لحكاية أوديب وتوترها عبر الأجيال.
وان هذا الشرط في البطل الالهي لهو أقرب إلي شرط اقتران الأسطورة بالطقوس الدينية حيث “العلاقة الوثيقة بين الدين والأساطير في المجمعات البدائية أو البسيطة قد أثارت اهتمام بعض الباحثين وفي مقدمتهم فوندت ودوركاين وهيوبرت وغيرهم حيث لاحظ هؤلاء الارتباط القائم بين الأسطورة والطقوس الدينية وبين العرف المقدس والبناء الاجتماعي للتوصل إلي نظرية سوسيولوجية علمية عن طبيعة ودور الأساطير في المجتمع”.
وبالتالي يمكن تعرف المكونات الاجتماعية للبطل الأسطوري ويري (جيمس فريزر) رائد (المدرسة التطويرية) ان الجنس البشري قد مر بمراحل ثلاث هي مراحل السحر ومرحلة الدين ومرحلة العلم وان الأسطورة علي وفق ذلك ترتبط بالسحر الذي يرتبط بالبدائية والهمجية ويعارض جماعة (المدرسة الوظيفية) ورائدها (كالينوفسكي) هذا الرأي حيث تري هذه المدرسة ان السحر لا يرتبط بمرحلة حضارية تتسم بالبدائية كما وصفها (فريزر) وانما السحر متداخل مع الأنشطة الروحية والفكرية الأخري وهي الدين والعلم، فالسحر عند جماعة (مالينوفسكي) له وظيفة ويلبي حاجات نفسية عند الإنسان بقدر ما للدين من وظيفة في الحياة الحضارية وكذلك فان الأسطورة المرتبطة بالأنشطة والمكونات الفكرية والاجتماعية للحياة التي تؤثر في صياغة شكل البطل الأسطوري. حيث يضيف إلي مكونات الخصائص الأسطورية جماعة (المدرسة البنائية الانثروبولوجية) ما أشار إليه ليفي شتراوس حول الأسطورة والتشابه، في ان الأساطير يمكن اعتبارها جسداً واحداً وان الروابط الداخلية بين الأساطير ذات أهمية كبيرة علي الرغم من انها تنتمي إلي انساق أسطورية عديدة.
البطل الأسطوري والخرافي:
في حين تتوسع (الموسوعة البريطانية) في توضيح الأسطورة وسمات البطل الأسطورية بوصفها “رؤيات خاصة تتضمن ظروفاً واحداثاً خارقة تقوم بها الآلهة أو ابطال خرافيين من البشر تختلف تماماً عن الظروف والأحداث التي يقوم بها الانسان العادي، وكل أسطورة تتمتع بقوة خاصة، وغالباً ما تقدم نفسها علي انها تفسير وتوضيح للحقائق دون الاهتمام باختلافاتها تماماً عن الحقائق الطبيعية”. وان هذا المفهوم ينطلق من خارقية الأسطورة وميتافيزيقيتها من خلال اتصالها ببعض الأبطال الخرافيين من البشر وهنا يمكن أن ينشأ تداخل ما بين الأسطورة والخرافة كما يمكن ان يؤشر (بطل خرافي) في مجاور (البطل الأسطوري) وكذلك الحال مع (البطل في الحكايات الخرافية والأساطير هي بكل تأكيد مقابل المعتقدات الشعبية، كما انها تأملات الشعب الحسية وبقايا قواه وخبراته “ومهما يكن من أمر فان سمة الخارقية قد ظلت ملازمة لهؤلاء الأبطال الذين اختلفوا شرطاً عن الانسان الاعتيادي واتصلوا بسمات الانسان البدائي عبر (بطل تاريخي)، يشكل مجمل السمات المتقدمة اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان الفكر الأسطورية الفلسفي هو امتداد الماضي في الحاضر والاتصال بالمستقبل وهو احتواء عميق لمضامين أخلاقية مثالية ذات بعد رمزي وفلسفي في المجتمعات البدائية.
اذ ان… من السمات التي نسجها الفكر البدائي للانسان الأمثل هي التواضع الروحي وحسن القصد في الأعمال حيث لا مكان للغطرسة في هذه المجتمعات البدائية.
مرتكزات أساسية:
وان السمة الاخري تتمثل في قوة الشخصية وحكمتها، بوصفها اسمي الفضائل وهي المرتكز للشخصية في المنظور الفكري والايديولوجي السائد والذي يعني فيما يعنيه الاستقامة والصدق والشجاعة.
ومن السمات التي قدمها التصور الفكري للأسطورة أيضاً، الاعتراف بحدود الممكن في واقع الحياة نتيجة قيود العوامل الطبيعية في مواجهة الانسان واستيعابه امكانياته وقدراته في ضوء هذه الحدود وكذلك في ما يتسم به من الواجبات الملقاة علي عاتق الزعماء للجماعة من توازن مزاجي وحلم وعادات عقلانية. هذه كلها جعلت من الانسان البدائي الذي يشكل المكون الفني والفكري الأساس للبطل الأسطوري مصدراً مهماً في دراسة الشخصية الأسطورية التي تعددت وتنوعت في ما بعد في المجتمعات الحضارية عبر تنوع الأساطير ذاتها.
وتعرض لنا الدراسات والمؤلفات في هذا الخصوص عدداً من أنواع الأسطورة يهمنا منها نوع (أسطورة البطل الآله) قدر تعلق الأمر بالبحث حيث… مهمة البطل هي الوصول إلي مصاف الالهة، ولكن صفاته الانسانية تشده دائماً إلي العالم الأرضي.. حيث تضيف (د. نبيلة إبراهيم) ان الاله البطل ليس هو البطل النصف إله، كما ان البطل الذي يحتوي تكوينه قدراً من الالوهية وقدراً من الإنسانية ليس هو الإنسان في الأساطير المتأخرة ويكفي ان تطور صورة البطل في الأساطير حتي نتأكد من ان الإنسان كان يسعي للوصول إلي المزيد من التحديد في المفاهيم الانسانية والكونية.
بقلم : الدكتور يوسف رشيد جبر
عن جريدة (الزمان) — العدد 1886 — التاريخ 2004 – 8 – 14
http://www.azzaman.com/azzaman/http/display.asp?fname=/azzaman/articles/2004/08/08-13/678.htm


