الـعــودة الـبـــاردة

“مـهــاجــر بـريـســبـان” لـجــورج شــحـادة فـي بـعــلبـــك : الـعــودة الـبـــاردة

عمر عجمي

الملحق الثقافي / جريدة “النهار” اللبنانية

عاد “مهاجر بريسبان” لجورج شحادة الى مسقطه المفترض، قرية بلفنتو في صقلية، متلفعاً بتألق لغته التي عرّبها الشاعر عيسى مخلوف، وبموسيقى الفنان الممتاز زاد ملتقى. ربما كان من المتوقع، أن يتلذذ الإخراج الذي يحمل بصمات المخرج نبيل الأظن وبراعاته وخبراته، بتطيير عصافير الحلم والفانتازيا عالياً وعميقاً في فضاء المسرح البعلبكي. لكن، ربما كانت التقنيات أعلى كعباً من الحلم. فقد كان من المتوقع أن يكون الجمر أشدّ استفزازاً للأدوات، وأن يكون الليل الصقلي أشدّ إثارةً للمناخ، وأن يكون القياد أكثر انقياداً لغوايات التمثيل اللافت وفتنته ونزقه وبراعته لدى كلٍّ من رندة الأسمر وجوليا قصار وكارول عبود ونقولا دانيال وغبريال يمين وكميل سلامة وبيار داغر وعبيدو باشا وآخرين. هكذا وصلنا الى بلفنتو جورج شحادة و… ربما لم نصل كما يحلو للحلم الفانتازي أن يصل.

يا لها ليلة صقلية رائعة في قرية بلفنتو. يا لها حكاية لقصيدة.

العامية العربية، قريبةً من شعرية الكذبة الحالمة، وملامِسةً للفصحى التي لا تتفاصح، شاءت في هذا العرض المسرحي البعلبكي أن تقدّم مقاربة معرّبة ــ ملبننة للغة “شحادية” جديرة بالانتماء الخالص الى مغناطيس الحلم وتوازناته الباطنة.

النص الجديد هو مقاربة عربية حية، مختلفة، مغايرة، نشطة، أمينة، فاعلة، ودينامية. حرّكت النص وأتاحت أمام الإخراج سبل اغتنام هذه الفرصة ليحاول الدخول الى لغة الحلم. كأن المقاربة التعريبية هذه، أرادت أن تقول بالإمكانات المتعددة التي تمنحها اللغة “الشحادية” للقارىء المتلقي، الشاعر و المترجم، بما يجعله حراً في تأويل النص الأصلي وفق تجسيداته وتصوراته لمسرح جورج شحادة ولغته الدرامية، وأيضاً وفقاً لما يمكن أن يسمح به النص الأصلي من اقتراب أو ابتعاد. فقد تكون لغة شحادة نفسها، قد وضعت كينونتها الدرامية في مكانةٍ لغوية ممانعة، تصعّب كل محاولة للنقل والتعريب والترجمة.

مقاربة عيسى مخلوف الجيدة، هي الثانية لهذه المسرحية في العربية. سابقاً، قدّم الشاعر أدونيس رؤية تعريبية لـ”مهاجر بريسبان”، كانت أقرب كثيراً الى أدونيس منها الى جورج شحادة نفسه. وربما كانت رؤية “أدونيسية” لا “شحادية”، بسبب ما غلب عليها من فصاحة ومن تعقل ذهني ــ بلاغي أينهما من شفافية شحادة ومن فلتان الحلم والفانتازيا والعبث والحدس الحلمي الأبيض و”الكاذب” الذي يغمر على الدوام لغة شحادة الشعرية ــ الدرامية، ويمنحها أن تولد باستمرار وأن تذهب بعيداً في حلميتها الجارفة والمتواصلة.

لقد “اخترع” الشاعر اللبناني الكبير بالفرنسية جورج شحادة لغةً داخل اللغة الفرنسية، مما قد يشكل في ذاته خطاً شعرياً ــ درامياً فريداً من نوعه في لغة المسرح العالمية. وهو خط وسّع فيه شحادة أفق الدرامية ــ وسأقول “لبننها” حلمياً وشعرياً ــ ومكّنها من أن تنمو وتفرح وتتغاوى وتعبث و”تتفنتز” ما شاء لها أن تفعل هذا وغيره.

ذهبنا الى بعلبك وشاهدنا العرض الذي أخرجه المخرج اللبناني المقيم في فرنسا نبيل الأظن. الأكيد أن المخرج عارف وخبير وأستاذ تقنيات وخلق درامي، وله تجارب طويلة عريضة في العمل المسرحي الفرنسي والأوروبي. لقد وضع النص تحت يديه وعقله وراح يعمل عليه الى أن خرج على الصيغة التي ارتآها له. وقد نجح في ما شاءه للنص المسرحي، ونجح في إيصال رؤيته الهادئة والمتباطئة والمتطاولة، لكنه ــ على ما أزعم ــ لم ينجح في إيصال جورج شحادة. لم ينجح في استعادة الروح، روح اللغة والحلم والفانتازيا والكهرباء والمغناطيس الشحادية. قدّم عرض نبيل الأظن ولم يقدّم عرضاً لجورج شحادة.

كان العمل بارداً وبطيئاً ومتطاولاً أمام روح اللغة وأمام نزقها وعبثها وفانتازياها وحلميتها. كانت النار بعيدة بعيدة رغم البراعات والقدرات الهائلة المتوافرة.

إلاّ أن الكلمات كانت تشبه الأرغفة الجائعة، وكانت المونولوغات والحوارات كأنها تريد أن تلتهم طعامها.

وصل المهاجر الى قرية بلفنتو ولم يصل.

جورج شحادة نفسه، أراد أن يعود المهاجر الى قريته البعيدة التي “ارتكب” فيها علاقة غرامية عابرة مع إحدى نسائها، أثمرت ولداً من صلبه. هذا الولد سيكون في ما بعد وارثاً مفترضاً لأمواله التي ها هو يحملها معه الآن في حقيبته لدى عودته الى قرية لن تكون قريته بلفنتو في صقلية.

المهاجر يعود من دون أن يعود حقاً. ثمة شيء “جوهري” يخربط الوصول الى القرية الموعودة. شيء يشبه الكذبة. بل هو الكذبة إياها، التي هي عماد المسرحية وجسرها الموصول بعالم الحلم والشفافية الشعرية.

فقد فبرك جورج شحادة عودةً “كاذبة” نفّذ خيوطها حوذي مزعبر، بارع في إيهام المهاجرين أنه سيوصلهم الى قريتهم الحقيقية التي كانت في ما مضى مسرحاً لذكريات وعواطف وعلاقات غرامية. هذا الحوذي ــ وهو سائق في الأساس ــ أمضى حياته وهو يوصل المهاجرين الى قرية ليست قريتهم الحقيقية. وهناك في تلك القرية الكاذبة، كانت تُحبَك القصة التي تقوم عليها حكاية “مهاجر بريسبان”.

يصل المهاجر حقاً لكنه يموت فجأة وبغرابة مدهشة وغامضة منذ منتصف الليل الأول، في ساحة القرية، تحت السماء وعلى مبعدة من أصداء العواءات. لكن المهاجر العائد ليموت يترك حقيبة ملأى بالأموال كان سيمنحها لولده “غير الشرعي”، وهو الوارث “الشرعي” الوحيد لتلك الأموال.

يتولى رئيس البلدية الأمر ومعه الكاهن، ويحاولان إيجاد مخرج ملائم. يلعب الفأر بعبّ الأزواج ويحاولون حمل زوجاتهم على “الاعتراف” بأمومة موهومة وغير حقيقية، من أجل الحصول على الإرث العظيم بالتواطوء مع رئيس البلدية وكاهن القرية.

ما لنا ولتفاصيل الحكاية. فلنتحدث عن المسرح.

كان أداء الغالبية العظمى من الممثلات والممثلين رائعاً، وهم منحوا العرض والخشبة أعمق ما يملكون من طاقات درامية. من جهة أخرى، لقد بُذل الكثير لإنجاح العرض: تعريباً وموسيقى وسينوغرافيا وإضاءة وتصميم رقصات وديكوراً وملابس… وأشياء أخرى. لكن الروح بقيت بعيدة وهائمة. بل ضائعة. كان ثمة عصب غائب أو مغيَّب. وهو… كان على مقربة. عجباً!

الغياب المتغلغل في وحشة الزمن المنقضي حرّك مياهاً راكدة في بحيرة الغياب الفادح. المياه المتحركة لم تحدث فيضاناً ولا طوفاناً على مستوى الفضاء الدرامي. وإذا كانت القرية الباردة قد آمنت في نص شحادة بأنها ستهجر برد وحشتها لتشعل النيران بالحكاية، فإنها لم تستطع أن تؤمن على الخشبة البعلبكية، ولا أن تجعلنا نؤمن. ظنت أيضاً أن النوم سيفرك عينيه المغمضتين ليذهب الى نوم باطن ونزق، وأن هذا النوم سيروي حلمه السحيق الى النهار المنتظر ليصير النهار ليلاً ويزداد الليل ليلاً.

استغرقت البحيرة النائمة في ركودها وظلت متشبثة الى حد ما بأحوالها على الخشبة. ربما هي تكاسلت أو تباطأت أو تباردت. ربما هي أيضاً شاءت أن تكون ممسوكة ومسوّرة بالتقنيات فلم تشأ أن تتزوج الحلم أو أن تراوده كثيراً عن نفسه. فقد دعته الى المجيء، لكن أخذها التردد والوجل. وربما هي لم تشأ أن تثير شهواته الهوجاء كي لا يأخذ الحلمُ الواقعَ الى رحمه ولا يعود يعرف طريق العودة.

لقد بدأت الغواية حقاً. كانت الراقصة البيضاء ترقص. كانت الفكرة الإخراجية تريد لها أن ترقّص الليل وأن تسحره. لهذا السبب ربما رأينا ما يشبه الغيوم التي تأخذ بالنظر وتدعوه الى الزوغان. ربما شاءت الغواية أن تغوي. ربما ظنت الرؤية الإخراجية أن ذلك من شأنه أن يجعلها تذهب بعيداً وأن تشرقط وأن تبحث عن هاوية أو غابة، لتخربط سياج الواقع الروتيني وتجعله يسقط أو يذهب الى مجهول. لكن ذلك لم يتحقق. وإذا تحقق بعضه، فعلى برودة وبطء “غير شحاديين”.

لقد بدأت الغواية حقاً ولم تشأ أن تلمع. مشت على إيقاع متراقص، هادىء، مدوزن، مرتَّب، متوقع، ومدروس. ربما هي خافت أن تفلش شعرها على جسد الليل، وأن تتعرى. ربما هي خشيت أنها إذا فعلت مثل هذا الفعل، فلربما يأخذها الرقص الى النزوات الحارقة والعودات المستحيلة.

ربما شاءت الغواية الإخراجية لنفسها أن تبرع. أو أن تتبارع. وأن تكشف عن ساعدَي خبراتها وعدّتها المدرسية الموضبة بعناية. وقعت الغواية في العقل المتأني فجعلها ترثه. وبدل أن تكمن للخبرة الاغترابية وتوقعها في حبائل الحلم، آمنت بالممكن فلم تكمل سيرها الحثيث الى الحلم. حركت بحيرة بلفنتو الراكدة لكنها لم تشأ ربما أن توقظ القعر وتصعقه بالدهشة.

هكذا عاد المهاجر الى بلفنتو. وصل الى هناك ولم يصل. طرق باب الماضي وفي اعتقاده أن الكذبة ستزداد وتتكثف وسترفع غيوماً وتعليها الى سقف السماء… لتكون هي السماء الأخرى. عاد المهاجر وفي ظنه أن الحلم سيشرّع له المصاريع كلها، لكن الحلم ظل مشروع حلم وظلت القرية غريقة وحشتها الباردة.

لم يكن المجيء الحسي سوى رسالة من بريد الماضي الغارق في النسيان. هو الماضي المشتهي حلاوة كونه ماضياً، لكنه اشتهاء بطيء الود وقليل الجمر وكثير الرماد. وربما تعثر قليلاً أو كثيراً في سيره المفضي الى النار.

عاد المهاجر الى وطنه المبدد. كان من المفترض أن تترافق السماء البعيدة مع أحلام منتصف الليل، وأن يفتح صدى العواء البعيد أفقاً مترامياً من أعمار الكذب الأبيض والحنين والحلم والعبث والفانتازيا.

وكان من المتوقع أيضاً أن يروي هذا كله عطشاً ظل طاغياً، وأن يجنّن توقاً الى حرارات إخراجية مفتقدة، والى بروق ونيران، والى تصعيدات مكثفة لغيوم الفانتازيا اللذيذة وأحلام العبث التي تشهد لمكانة جورج شحادة في فن المسرح العالمي.

جلس المهاجر على حجر منتصف الليل في تلك الساحة التي كان ينبغي لها أن تكون ساحة قريته. وعندما جلس كان يريد لنفسه أن يسترجع ذكريات وأحلاماً فالتة وحياةً عاشها هناك ولم يتبقَّ منها سوى عطور وذكريات مندثرة عن ابن يقال إنه تركه ينمو في بطن امرأة مجهولة.

عاد المهاجر وآثر أن ينام على تلك الصخرة نومه الأبدي الملتبس، تاركاً حقيبته الملأى بالنقود الى وارث مجهول وامرأة مجهولة.

كم أحببنا أن نحبّ تلك الليلة. كم أحببنا أن نلهث وراء نيران متوهَّمة، أشعلت أغصانها الخضراء الرطبة دخاناً ولم تشعل حريقاً.

وإذا كان المشاهد يكتشف هذا كله من الزيارة الأولى للمهاجر الأول برفقة الحوذي المزعبر، فستكون زيارة المهاجر الثاني في اللوحة الأخيرة بمثابة وصول الخيبة الى مبتغاها. وكان الستار لا يزال مفتوحاً وكأنه يعد بالتتمة… .

*************************
الملحق الثقافي / جريدة “النهار” اللبنانية
عمر عجمي

صور المسرحية والمقال الاصلي:

http://www.annaharonline.com/CULTS/PAGE4.HTM

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me