حمران العيون” ..استدراك جمالي في مدارات الخيبة
”
المسرح دوت كوم
رسالة أبوظبي من أثير السادة
“حمران العيون” عرض رابع من عروض المهرجان الرسمية يمضي به فريق صلالة باتجاه الذاكرة الشعبية كما هي عروضهم السابقة فيما يبدو افتتانا بالبيئة المحلية وتعبيرا عن طبيعة رهاناتها المسرحية التي تستند على الموروث والبيئة في تعزيز فعالية التلقي.
وما يميز هذه التجربة عن ما سبقها من عروض المهرجان هو تحررها من قلق التطورات الاخراجية وتأثيرات المسارح الحديثة الا ضمن حدود دنيا ، فهي تعتمد الوسائل الاكثر صدقا ومباشرة في تنفيذ رؤاها الاخراجية مبتعدة عن الطابع المعقد الذي مازال يغري الكثيرين ، وهذا ما سيجعل “حمران العيون” اقل مراوغة جمالية واكثر اخلاصا لخط مرجعي يمنع التشظي او التناقض في بنية العرض الاخراجية.
داخل هذه الحكاية هنالك شخصية الغريب “سالم” الذي يدفع الحدث باتجاه صعوده الدرامي المتأنق ، حين ينكشف المشهد على صورة العداء بين الشيخ علي ، شيخ قبيلة “حمران العيون”،و ابن عمه الشيخ سعيد الاعور ، واختلافهما على طريقة تدوير السلطة ، هذا الخلاف الذي سيثير اسئلة جادة دون اجابات ناضجة عن الولاء والانتماء.
ولادة الصراع تنمو بالتوازي مع ولادة الغريب الذي سيتبناه الشيخ علي ولدا له، وسيعمل على تعميده لاحقا كخلف في قيادة القبيلة..
يمكن ان نرصد اشارات كثيرة قادت العرض الى المواجهة مع افكار ومقولات حضارية ، تتصل بالموقف من الآخر واشكال الانتخاب الديمقراطي ، وانتصارها لخيار الرأي الوحد ، فرأي الجموع لا ينظر اليه الا كمدخل للفرقة والخروج عن صوابية القرار، كما تسوغ لصورة الغريب المزايد على الآخرين في وطنيته ، في وقت مال العرض فيه الى ممارسة الاسقاط على عالمنا المعاصر باستعارة مفردة الارهاب وطريقة رسم شخصيات الغرباء الذين مثلوا نموذج قوى الشر المتحالفة مع الشيخ سعيد في صراعه، وهو ما أربك الاتجاه الفكري للعرض.
ولعل الصياغة الدرامية البسيطة للمخرج المؤلف عماد الشنفري اخفقت في اختبار الصورة الكلية للاحداث ، وبدت اعجز عن فحص اشاراته اللاواعية ، وكان تأكيدها منصبا على عرض دراما شعبية بقليل من الحس النقدي ، وهذا ما جعلها تزايد على حقائق ومواقف عن غير الانفتاح الحقيقي على جدلياتها.
كان الاخراج الاكثر وضوحا وانسجاما في هذا العرض الذي مال في تصميم ديكوره الى اضفاء مسحة تعبيرية مناسبة ، كانت عاملا مهما في رسم حركي اكثر مرونة لا يتقيد بثقل اشارات الديكورات الطبيعية ، وانما يمضي في بناء علاقته بالمكان من خلال الافتراضات السينوغرافية وان لم تنجح على الدوام في اضاءة مساحة للتفاعل بين الشخوص والخلفية الديكورية ، اي انها كانت بحاجة الى اعادة صياغة وظيفتها ضمن البنية الكلية للعرض.
تعيدنا الموسيقى في هذا العرض الى اجواء البيئة العمانية ، بايقاعاتها البحرية التي تمكنت من توثيق صلة فعالة مع مناخ العرض ، وكانت لونا تعبيريا جذابا ساهم في تعزيز وتكثيف الوجه الدرامي للعرض ، علاوة على وصلات ايقاعية جميلة تم تنفيذها بالتضافر مع تشكيلات حركية لافتة خاصة في مشهد الندب الجماعي الذي دفق العرض بمسحة حزن عالية بضرباته الايقاعية الثلاث.


