الحاي مفتونا بالشعبي في ”غصيت بك يامي”
المسرح دوت كوم
رسالة أبوظبي من أثير السادة
يتيح لنا الفنان ناجي الحاي مرة أخرى في هذا المهرجان فرصة التواصل مع اجتهاداته الاخراجية التي عرفنا عنها من عروض سابقة الميل الى التكوين الاخراجي البسيط في مفرداته، كما في تجربة “باب البراحة ” التي نالت جائزة افضل عرض في المهرجان المسرحي السابع ،وقبلها في مسرحية “زكريا حبيبي”.
وما يميز تجربة الحاي كذلك هو اصرارها على الاتصال بالفضاء المحلي وترسيخ انتماء المسرح لذاكرة الناس وهمومها ، وهذا يظهر بوضوح فيما يكتب وما ينتخب من نصوص ، فهو يقرأ الحياة الاجتماعية جماليا عبر استثمار موضوعاتها ومفرداتها اليومية ..عبر افتضاض تلك الذاكرة المثقلة بالتداعيات والاسئلة.
هذا استهلال مهم لتأسيس موقف من “غصيت بك يا ماي” للمخرج ناجي الحاي والمؤلف اسماعيل عبدالله، فهي مسرحية تتعاطى مع الحكاية الشعبية ، وتصويراتها لاشكال الصراع الاجتماعي في تاريخها القريب ، في معالجة درامية تنطلق من حدية الصراع بين الشر المطلق والخير المطلق ، متمثلة تكييفات الذاكرة الشعبية التي تنحو ناحية صياغة خاصة تحفظ للمجتمع قيمه وتصوراته عن الحياة.
“البئر المسكونة بالجن” مفتاح الصراع في هذا المساحة الانسانية المسكونة بالمشاعر المتناقضة..اداة للسيطرة على عقول الناس وفق منظور العرض..ليصبح الخوف والذل مادة العرض الاثيرة ، والتي ستفجر كوامن الشخوص من خلالها.
نطالع في العرض صورة الشاب المعتوه “عطشان” ابن السقّاي المسكون باسئلته عن معنى الخوف ..من البوح..والبئر..ورموز الشر..الى جانب امه “مهرة” ، المرأة الضرير، التي يسكن في داخلها كثير من الكبرياء والصبر وتواجه الحياة بالغناء…في قبال “سعيد الطاقة” الذي تتمثل في روحه صورة سيد الفريج ذو السطوة والطغيان.
هذه المرة يغيب التشكيل الجمالي المتقشف في نحت الفضاء المسرحي عند ناجي الحاي الذي استحضر البيئة الشعبية بتفاصيلها في ديكور مكون من اربعة اشجار مترابطة تصنع ما يشبه العريش محاطة بسياج من الخيش والسعف المهترئ ، وعدد آخر من المفردات التراثية.
ثمة رغبة الى ايجاد معايشة حية تقصدتها القراءة الاخراجية للحاي باختيارها لمفردات الديكور لتأثيث فضاء العرض، لتضفي اليها قيمتها الجمالية عبر التصميم اللافت للسينوغرافيا ، التي باشرت فيها الاضاءة تكثيف الطاقة الدلالية للمفردات وتصعيد قدرتها على الايحاء والاشارة.
تتسع دائرة اشتغال المخرج لتطال الاداء الرهيف للفنان مروان عبدالله صالح “عطشان” الذي انتزع من شخصيته خلاصته وتفاعل باخلاص مع تلويناته الادائية ، ليكون شريكا مهما للفنانة هدي الخطيب التي امتازت بتلقفها الذكي لعالم شخصيتها النفسي والتماس المباشر مع مناخ الحدث في هذا العرض الذي امتاز بمسحة ميلودرامية.


