هيا نمثل: ملاحظات على هامش الدورة الـ 15 لمهرجان المسرح التجريبى
أشرف الصباغ
هل يتعارض مفهوم التجريب مع تحديد عناصر للتجريب يمكن أن تمثل فيما بعد شروط لقبول عروض معينة فى ما يسمى بمهرجان المسرح التجريبى؟ وما هى مجالات التجريب بالضبط؟ بل وما هو التجريب؟ فى الأشكال؟ فى النصوص الدرامية؟ فى جميع عناصر العرض المسرحى ككل؟ فى مفاهيم بناء العرض المسرحى؟ إذن فأين التجريب فى المضامين والمقاصد سواء الدرامية أو الاجتماعية؟! بمعنى التجريب فى هدف النص، ومن ثم التجريب فى التعامل مع عناصر العرض.
لنأخذ مثلا مشكلات المرأة عموما، ومشكلاتها فى المجتمعات المتخلفة.. كيف يمكن معالجة هذه القضية دراميا-تجريبيا؟ وطبعا لو استطعنا أن نستعين بنصوص كلاسيكية قابلة للتجريب سيصبح الأمر أكثر روعة وتجريبا. لماذا لا تلتقى نساء شكسبير، مثلا، بنساء فريدريتش دورينمات؟ لماذا لا تتبادل “كورديليا” ابنة الملك لير، والسيدة “العجوز” عند دورينمات؟ ولنرى، هل هناك إمكانية لعمل مسرح تجريبى بجد؟ لماذا لا تلتقى نساء بريخت مع نساء نجيب سرور؟ ولماذا لا يظهر “ماكبث” كمدمن للمخدرات مثلا؟ ولماذا لا تظهر “ليدى ماكبث” كعاهرة؟ أو العكس، أقصد أن تتبادل المواقع مع زوجها وسيدها، وسيد ضلالاتها!
لماذا لا يتحاور “الخال فانيا” تشيخوف، مع “سعيد مهران” نجيب محفوظ؟ أو فجأة يتخلص فاتسلاف هافل من ضلالات السلطة، ويلتقى مع على سالم ليبحثا معا بعض الأمور من قبيل، لماذا اختلف هافل مع ميلان كونديرا، فانتقل الأول من موقع الدراماتورج إلى موقع رئيس تشيكيا. وانتقل الثانى من صفوف الحزب الشيوعى التشيكوسلوفاكى إلى موقع كاتب الرواية والمنظر والفيلسوف، بينما ظل على سالم وحيدا يعرب عن إعجابه بأناقة أنور السادات، ووسامة مناحم بيجين؟
يبدو أن التجريب سيظل يمثل إشكالية معقدة. ولعل ذلك هو سر مفهوم التجريب. غير أن مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، والذى بلغ عامه الخامس عشر، قد أصبح فعلا فى مرحلة البلوغ والنضج. وبالتالى عليه، أقصد على منظميه أن يتعاملوا معه كمهرجان محترم، أعنى دولى بكل ما تتضمنه الكلمة من فخامة وضخامة. فالمسابقة “الرسمية” فى الدورة الـ 15 تضم وفقا لإحدى الإحصائيات 47 دولة تقدم 83 عرضا، وفى إحصائية أخرى تشارك 42 دولة تقدم 49 عرضا. وبعيدا عن عدم الدقة فى الإحصائيات التى تعلن عنها الكثير من الجهات، فهناك مسابقة رسمية اسمها “مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى”. إذن فأين المسابقات الأخرى التى يمكن أن تقام على هامش المسابقة الرسمية؟! مثلا: مسابقة المونودراما، ومسابقة المسرح السردى، وأقصد هنا التعامل-تجريبيا-مع النصوص السردية أو القصص القصيرة أو الروايات، ومسابقة الموسيقى الدرامية، والبانتومايم.. هل هذه الأشكال خارج التجريب المسرحى الدرامى؟ طبعا يمكن للعرض المسرحى التجريبى أن يتضمن كل الاقتراحات الواردة أعلاه، ولكن ماذا يمنع أن يتم التجريب فى إطار كل اقتراح على حده، بمعنى التجريب فى كل عنصر على حدة وهو ما يمكنه أن يخدم التطور الذاتى لكل عنصر من العناصر ويصب فيما بعد فى تطور العرض المسرحى، وعندما تصل النتائج إلى حائط سد، يمكن هنا التجريب فى التجريب السابق؟
مثل هذه المسابقات التى يجب، ومن الضرورى أن تقام على هامش المهرجان الرئيسى، سوف تكشف لنا إن عاجلا أو آجلا عن إمكانيات هائلة فى التجريب المسرحى الحقيقى. وستفتح الطريق لفرق ومجموعات فنية بعيدة تماما عن “الرسمى” و”الحكومى”، ولكنها فى ذات الوقت تمتلك إمكانيات فنية هائلة. ولكن لماذا يتم طرح هذا الموضوع الآن؟ لأن 6 فرق مسرحية مصرية “خاصة”-وهذا لا يعنى إطلاقا أنها فرق تجارية-قررت أن تقيم لقاء مسرحيا موازيا لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى والذى تمثل مصر فيه عادة الفرق التابعة لوزارة الثقافة. أى أن هذا المهرجان بدأ يتحرك نحو الرسمى، وتابوهاته، ومحظوراته. وبالتالى فالكثير من عناصر التجريب يمكن هنا أن تتلاشى ببساطة أمام تابوهات “الرسمى”، وأمام لهاث الكثيرين وراء قبول عروضهم مهما كان الثمن. والثمن هنا هو بكل تأكيد: المسرح، والمسرح التجريبى بالذات، والتجريب ذاته.
نعم هناك فرق مسرحية مصرية تثير ضيق بعض الأصوليين فى الدراما المصرية، وتثير حفيظة المسؤولين عن التابوهات، ويمكنها أن تستولى على حصص بعض الوجوه المستهلكة، والتى يمكن وصفها بالجديدة/القديمة مثل العالم، والتى تتكرر أيضا فى كل مهرجان. بينما الأكثر إجادة للتجريب فى الجامعات والحوارى والنوادى لا يجدون أمامهم أية فرصة لـ” التجريب”، تجريبهم هم، وليس التجريب بشروط الأصوليين والمسؤولين عن التابوهات.
أليس من الممكن أن تكون لدى هذه الفرق مفاهيمها الخاصة عن التجريب؟ عن التجريب فى الاجتماعى، والسياسى، والدينى، والجنسى، والفنى طبعا؟ أليس من المكن أن تكون لدى هذه المجموعات همومها الفردية والجماعية، واهتماماتها الفنية والاجتماعية؟


