مسرح ساحة الناس المغربي

(نقد مسرحي)

بقلم: خالد أمين

لا مجال للشك في كون المخرج الشاب عبد الإله النمروشي يراهن في مسيرته الفنية على مشروع مسرحي يروم مسرحة مجموعة من السلوكات الفرجوية التراثية، وذلك منذ بحث تخرجه من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي(والذي يعادل الإجازة الجامعية) تحت إشراف الأستاذ رشيد امحجور بمعية مجموعة من الأساتذة والمؤطرين أمثال الإيطالي كارلو دماسكوس، لكن ارتياد هذا الطموح المشرع على أفق تجريبي أرحب يجب أن يواكبه بحث دائم عن أنجع سبل المصالحة مع الوجدان الفرجوي التراثي حتى لا يسقط صاحبه في مطبة ما أسماه المفكر عبد الله العروي ب “الفلكلور المسترجع”، والتشييء، و”الاغتراب في الماضي”.
إن نقل تقنيات الفرجة الشعبية إلى البناية المسرحية يعبر عن مسار الهجنة كثورة مستمرة للأشكال المسرحية يتم من خلالها إعادة صوغ أزمنة التشكلات الفرجوية التراثية المعاصرة، كما يرمز إلى وضعية المابينية الثاوية في عمق الممارسة المسرحية المغربية الراهنة.

هكذا يتساوق مشروع فرقة “مسرح ساحة الناس” بقوة مع شرط التحولات الراهنة في المسرح المغربي، كما ينخرط هذا المشروع عن وعي في الدينامية الجديدة منذ مسرحية “حروف الزين” (1)، إذ يبرز الوعي باستلهام الأشكال التراثية على مستوى الخطاب كالتالي: “ومن أهم هذه الحلقات بالساحة، هناك “اعبيدات الرما” بتمثيلاتهم الساخرة التي تجسد مواقف اجتماعية في قالب كوميدي تتماثل في ذلك مع أحد الأشكال العالمية وهي “لا كوميديا ديلارتي الإيطالية” (2).
جميل أن نرى فرجة “مول الحمام” تنتقل من فضائها الطبيعي (الساحة العمومية/الشفهية) إلى فضاء المؤسسة المسرحية (البناية المغلقة/الأدبية)، ولكن الأجمل هو اكتشاف وتفكيك مورفيمات التعبير القبلي التي تؤسس الحدث الفرجوي في كل من الحلقة كمعبر للفرجوية والكوميديا المرتجلة، والتي بإمكان الممارسين (الممثلين/الفعالين) تطبيقها على أرض الواقع بغض النظر عن التأثيرات الثقافية. من بين هذه العناصر البسيطة التي يمكن استخلاصها من هذه الأشكال المعقدة: طريقة الحكي، الإيقاعات وتموضع جسد الممثل كآلة، كيفية صوغ طاقة الممثل إلى أن تصبح حية مشهديا (أي كيفية الارتقاء بالممثل حتى يصبح حضورا يلفت انتباه المتفرج للوهلة الأولى)، وكيفية بناء الهابيتوس المشترك (3) بين الفاعلين والجمهور عبر استثمار فضاء اللعب الدائري.
إن تفكيك العناصر المشكلة للفرجة “اعبيدات الرما” قد أصبح أمرا ملحا للتمكن من آليات اشتغالها بعد مرحلة البحث في المرجعيات التاريخية والاثنوغرافية التي انبثقت من تخومها هذه الفرجة، ولكن الغاية القصوى التي ينبغي استشرافها هي مسرحة واستنبات هذه العناصر (في إطار بحث مختبري) ضمن بناء درامي منسجم وفرجة مسرحية مكتملة البهاء، سواء على مستوى بناء الشخصية انطلاقا من ملامح الشخوص النمطية (السايح والمسيح)، أو على مستوى توظيف خيمة “الرما” كفضاء لعبوي مفتوح وقابل لاختراق البنية / البناية المسرحية المغلقة. المطلوب أولا وقبل كل شيء، التمكن من أوليات اشتغال فرجة “الرما”، وبعد ذلك يمكن مزجها مع آليات اشتغال “الكوميديا ديلارتي الايطالية”.
لقد انطلق المخرج الشاب منذ البداية من افتراض قائم على وجود قواسم مشتركة بين فرجة “اعبيدات الرما” والكوميديا المرتجلة “خصوصا في معالجة القضايا الاجتماعية باسلوب ساخر، وبالاعتماد على شخصيات نموذجية مع الواقع، وكذا استغلال الثقافة الشعبية واللغة اليومية والاعتماد على نص مرتجل يقدمه ممثلون ينتمون لفرق متجولة…” (4). ولكن، هل يكفي وجود هذه القواسم المشتركة لمزج الفرجتين؟ هل تمكن المخرج من تقعيد أسس وآليات اشتغال صناعة فرجة “الرما” قبل لحظة التضامن بين الاثنين؟
- على مستوى بناء الشخصيات: تعاني شخصيتا “السايح والمسيح” من انفصام يتجلى في الشرخ بين مرجعيات التلفظ (قول وحكي “الرما”)، من جهة، وتعبيرات جسدية مستمدة من تقنيات “الكوميديا ديلارتي” وشخصية “أرلوكان” بخاصة من جهة أخرى .أكيد أن هذه الازدواجية كانت مقصودة من خلال التمثل وتصميم الملابس وأسلوب اللعب اللعبوي… ولكنها أدت إلى نتائج عكسية أثناء العرض المسرحي، ذلك أن “أرلوكان” أصبح حريزيا (إن لم نقل سرغينيا) (5) مع وقف التنفيذ، و”السايح والمسيح” انزلقا في متاهات الحركات “الأرلوكانية” بدون مبرر.
- على مستوىفضاء اللعب: إن اختيار خيمة “الرما” كفضاء للعب يعكس رؤية جمالية تعي خصوصيات هذا السلوك الفرجوي المتجذر في عمق الوجدان المغربي، ولكن وظيفية هذه الخيمة في تأثيث وتفضية فضاء اللعب سيجت من خلال أسلوب اللعب المستمد من “الكوميديا ديلارتي”. فالخيمة المنفتحة نحو الجمهور على شكل نصف دائرة لم تفلح في استشراف الهابيتوس المشترك، رغم اتساع فضاء اللعب عبر دعوة “الرما” للجمهور في مستهل المسرحية.
- على مستوى تراكم المهام: الملاحظ هو أن عبد الإله النمروشي يجمع بين الإعداد والإخراج والتشخيص، وهذا ينعكس سلبا على المشروع الفني المفترض الذي يحتاج إلى الاستثمار الجماعي الخلاق والمتعدد الاختصاصات.
وفي ختام هذه الورقة الموجزة، نؤكد حرصنا على استمرارية مشروع فني حالم كهذا الذي تحمله فرقة “مسرح ساحة الناس”، ونأمل أن تعمل هذه الفرقة على تقويمه من الداخل من خلال ممارسة النقد الذاتي والبحث المتواصل.

**************************
(جريدة “الاتحاد الاشتراكي” المغربية)
هوامش:
1 – إبداع فرقة “مسرح ساحة الناس” لسنة 2002.
2 – النمروشي. مطوية مسرحية “حروف الزين”.
3 – أخذا بعين الاعتبار القدرة السحرية لحلقة “عبيدات الرما” لاحتواء وتوريط الآخرين، فإنها تستشرف الفرجوي من خلال هابيتوس مشترك بين صانعي الفرجة ومتلقيها. وفي سياق هذه السيرورة، فإنها تعيد صوغ القيم الثقافية والمعرفية الذاتية بواسطة إدراجها لجمهورها في لعبة مطردة للأدوار المقدمة، كما أنها تجلي الفعل الإنساني بطاقة عالية لإبراز وعكس الهوية الثقافية الجمعية.
4 – النمروشي. مطوية مسرحية “السايح والمسيح”.
5 – نسبة إلى مناطق بني حريز والسراغنة بجنوب المغرب.

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me