ستربح عندما تكون أنت نفسك
ستربح عندما تكون أنت نفسك، وليس كما يريدك الآخرون
أشرف الصباغ
انشغلت أوروبا والعالم كله فى الأسبوع قبل الأخير من مايو الماضى بحدث فنى تمنحه أوروبا أهمية فى غاية الخطورة، ألا وهو "مهرجان التلفزيون الأوروبى للأغنية الأوروبية الخفيفة". وفيما رأت بعض الإحصائيات أن أكثر من 160 مليون مشاهد ومن على شاشات التلفزيون فى جميع أنحاء العالم وفى نفس الوقت مباشرة تابعوا بشغف شديد من العاصمة الأستونية "ريجا" هذا المهرجان، رأت إحصائيات أخرى أن عدد المتابعين وصل إلى نصف المليار، ومثلهم كانوا على الإنترنت لمتابعة التصويت.
حصلت الأغنية التركية المشاركة على المرتبة الأولى ولأول مرة فى التاريخ، وهو ما وصفه البعض بأن تركيا دخلت إلى أوروبا من أوسع أبوابها قبل أن تنال الموافقة فى مساعيها للانضمام إلى دول الاتحاد الأوروبى. والأغنية التى فازت كانت للمطربة "سرتاب أرنر" بمرافقة أربع فتيات بإيقاع وبأداء رقص عبَّر تعبيرا واقعيا عن التراكمات الحضارية فى تاريخ تركيا. فالملابس والموسيقى الشرقية جاءت على إيقاعات أوروبية سريعة، وفجأة انتقل الإيقاع إلى إيقاع أوروبى خالص، حيث استمتع جمهور العالم بالكلمات التركية فى إطار أوروبى، وتشكيلات فنية رائعة بين الرقص والتعبير والتشكيل.
جاءت تركيا فى المركز الأول، وتلتها بلجيكا فى المركز الثانى، ثم جاءت روسيا فى المركز الثالث بفارق نقطة واحدة عن الثانية. الطريف أن ثنائى "تاتو" هو الذى مثل روسيا فى هذا المهرجان. والأطرف أن المغنى البريطانى "السير بول مكارثى"-العضو الوحيد المتبقى من فرقة "بيتلز" الشهيرة- كان فى نفس الليلة يقيم حفلا فى الميدان الأحمر فى موسكو، حيث الكرملين وضريح لينين. وغنى مكارثى ليلتها 40 أغنية استمع إليها 130 ألف شخص أحاطوا بالميدان الأحمر، وجاءوا من جميع أنحاء جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق.
فى تلك الليلة كانت موسكو-بحق-عاصمة فنية من الطراز الأول. إذ كان من السهل جدا أن ترى جميع وجوه وسحنات سكان جمهوريات الاتحاد السوفيتى فى الميدان الأحمر. وأمام كاميرات التليفزيون عبر المشاهدون عن أحاسيسهم بالمجىء إلى موسكو للاستماع إلى بول مكارثى. فقال رجل من بلاروسيا أن حلمه طوال 40 عاما يتحقق اليوم. وأضاف بأنه استمع إلى فرقة "بيتلز" وهو فى سن العاشرة. ومن يومها يراوغه الحلم بالاستماع ولو إلى أى واحد منهم. وقالت امرأة من أوكرانيا أنها باعت ماعز وخروف وبقرة، وجاءت هى وزوجها لرؤية بول مكارثى والاستماع إليه. إذن فهى أحلام الصبا، والحب، والذكريات، تأتى كلها مختلطة بحنين لموسكو التى كانت فى يوم من الأيام تجمع بين كل هؤلاء. وهاهو السير بول مكارثى يحقق حلم الكثيرين من أبناء الاتحاد السوفيتى السابق.
على الجانب الآخر كانت المنافسة مشتعلة بين أكثر من 30 مغنى من دول أوروبية مختلفة فى ريجا عاصمة أستونيا إحدى دول البلطيق، حيث يشاع أن سكان الدول الثلاث (لاتفيا وليتوانيا وأستونيا) يكرهون الروس، وكانوا يعتبرون أن الاتحاد السوفيتى هو شكل من أشكال الاحتلال لبلادهم. غير أن الواقع أثبت العكس تماما. وأثبت أيضا أن الفن هو أحد أرقى وسائل التعبير ضد التزييف السياسى والإعلامى، والتزوير فى مشاعر الناس من أجل تحقيق رغبات السياسات والشعارات الأصولية سواء المرتبطة بالديمقراطية أو اقتصاد السوق أو العولمة.
بصرف النظر عن أذواق الناس فى تلقيهم للأغانى، وبصرف النظر أيضا عن سلوك وتصرفات المغنى على خشبة المسرح، ومع استبعاد توجيه أى انتقادات للحياة الشخصية للمغنى أو المغنية، وقفت روسيا بكاملها وراء "تاتو" رافعة شعارات وطنية مشابهة لما رفعه الاتحاد السوفيتى من شعارات أثناء الحرب ضد الفاشية. واعتبر غالبية الروس أن "تشجيع" الثنائى الروسى "تاتو" واجب وطنى لا يقل فى أهميته عن دخول الحرب مع أية دولة. وهذا أمر طبيعى فى أية دولة سواء فى كرة القدم، أو فى الرقص، أو فى السينما والمسرح.
وجاء التصويت عن طريق الجسور التلفزيونية وعلى الهواء مباشرة. وكانت المفاجأة التى جعلت الكثيرين يراجعون أنفسهم، ويحاولون الخروج بنتائج مغايرة. والأكثر دهشة هو حالة "النشوة" و"الاستغراب" التى سيطرت على المعلقين الروس أثناء حساب النتائج. لقد منحت دول البلطيق أعلى الدرجات لثنائى "تاتو". وقامت أوكرانيا أيضا بنفس الخطوة، فيما تجاهلت بريطانيا الروس تماما، وقامت فرنسا بمنحهم 4 نقط فقط (أعلى درجة كانت 12 نقطة). أما روسيا وفرنسا فقط أعطتا إسرائيل درجة محترمة، فيما لم يتذكر أحد أن فرقة إسرائيلية كانت فى هذا المهرجان.
المعلقين الروس قالوا: مش ممكن، لاتفيا وإستونيا تمنحان "تاتو" أعلى درجة؟ وبإحباط شديد تحدثوا على حياء أشد عن الدول "السلافية" التى أعطت "تاتو" أقل الدرجات أو تجاهلتهم تماما. كل ذلك يأتى على أرضية إعلامية تزيفية تؤكد يوميا على كراهية شديدة من جانب مواطنى دول البلطيق للروس. وجاء الفن "البسيط" جدا ليقول كلمته المعاكسة وعلى الهواء مباشرة. ومع ذلك يبقى الحمق، وتظل البلاهة مسيطرة على تقديرات البعض على اعتبار إنهم يقاتلون فى ساحة حرب، والأمر لا يمس الفن أو روح الإنسان ومشاعره. فقد رأى الكثيرون الذين اجتمعوا فى أحد البرامج التلفزيونية (فى الساعة الثانية والنصف صباحا) عقب الانتهاء من التصويت أن "تاتو" تعرضت لمؤامرة. ورأى البعض أن الثنائى "لينا" و"يوليا" أكبر من مستوى هذه المسابقة. وتوالت التقديرات المبنية سلفا على "تعالى" مبنى بدوره على حسابات رخيصة. وعلى استحياء شديد، وبتواضع قامت فتاة روسية صغيرة لتقول: "كان من الممكن أن يحتل الثنائى "تاتو" المركز الأول. ولكن للأسف فقد تعرض لضغوط شديدة قبل المهرجان سواء من وسائل الإعلام، أو الممولين، أو المنظمين، أو مديرى الفرقة. لقد حذروهم من مخالفة القواعد واللوائح والقوانين، وحذروهم من العقاب بالطرد أو الاستبعاد، وحذروهم من الحرمان من المشاركة فى المسابقات العالمية الأخرى. وبالتالى جاءت أغنيتهم متواضعة. نعم، كان عرضهم متواضعا. وجاءت عروض الأتراك والبلجيكيين والألمان رائعة". الفتاة الروسية أضافت أيضا: "الثنائى تاتو خُلِق لإثارة المشاكل، وخُلِق لكسر القوانين، وتوسيع الأطر الجامدة، وانتقاد الحرب الأمريكية ضد العراق، وضد بوش وبوتين، ضد العولمة، والتزييف، والتزوير. من الصعب أن نرى عرضا غنائيا لكل من "لينا" و"يوليا" من دون إثارة مشاكل وإشكاليات سواء اجتماعية أو فنية أو حتى أخلاقية. هذه هى فرقة "تاتو". ولكن لأن الثنائى استمع للجميع فى آن واحد، ولأن الخوف والرقيب الداخلى بدءا عملهما فى نفس الفتاتين، فقد ظهرتا بشكل يرثى له: انعدام الثقة، التوتر، الخوف. ولذا جاء العرض على غير المتوقع". وجاءت روسيا فى المرتبة الثالثة، بينما جاءت تركيا فى الأولى.
بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف على الطريق التركى. فقد رأت تركيا أن تعرض نفسها كما هى عليه. أما "تاتو" روسيا، فقد شاءوا له أن لا يكون هو نفسه، فجاء معبرا فى مجمله عن روسيا الآنية بكل ما فيها من تناقضات شكلية، إذ أن التناقضات الجوهرية أسوأ بكثير، ولا يتسع ضمير "تاتو" لتحملها. وبالمناسبة، كانت عيون الفتاتين تدمع بعد كل تصويت من تصويتات دول البلطيق! ناهيك عن "دهشة" المعلقين. تلك اللمحات البسيطة تعبر عن الكثير والكثير الذى يجرى خلف كواليس وسائل الإعلام والسياسة. فبينما كانت موسكو تفتح ذراعيها لكل محبيها وعشاقها، كانت "ريجا" البلطيقية تهمس فى نفس اللحظات تقريبا لموسكو بأنها أيضا تحبها وتعشقها. الناس جاءوا إلى موسكو ليس بالضبط لرؤية السير بول مكارثى-وإن كان ذلك هو العامل الأساسى الظاهرى-، وإنما جاءوا ليحتشدوا فى قلب روسيا، فى الميدان الأحمر، ليتنسموا ربيع موسكو من القلب مباشرة على أنغام مكارثى، وصوته الذى يذكرهم بأحلامهم القديمة، وحبهم، وذكرياتهم سواء عن موسكو أو فرقة "بيتلز".


