قراءة في إشكالية العلاقة.. المسرح/ الجمهور

-عباس الحايك لأن الجمهور عنصر أساس في العملية المسرحية، ومعيار للحركة المسرحية في أي مجتمع، إذ لا مسرح دون جمهور يتلقاه ويستوعبه، لذا كانت علاقة ذلك الجمهور بالمسرح مثاراً للجدل والبحث لما أفرزته من مثبطات في وجه محاولات ترسيخ و تجذر المسرح في الوعي والوجدان العربي، فالتجارب المسرحية التي امتدت لما يقرب من المائة والخمسين عاماً، تتداعى أمام الهوة التي تزداد اتساعاً بين المسرح والجمهور. وما في هذه العلاقة من التباس ناشئ عن عدد من المسببات، منها حداثة التجربة المسرحية وبالتالي حداثة تجربة التلقي، فالمسرح لم ولن يكون ضرورة اجتماعية كما هو الحال في أوربا أو روسيا، فلا يخلو أسبوع من عرضين أو أكثر، فالمسرح العربي لم يكن وليد حاجة تربوية، أو دينية، أو حتى جمالية. ومن هذه المثبطات ما يمكن أن نصطلح عليه بـ ( التكوين المعرفي ) للفرد العربي. فالتكوين المعرفي أبداً لم يتقاطع ويتآلف مع الفن بعمومه، وخاصة الفنون المستوردة من مجتمعات أخرى، يمكن أن يفسر متعاطوه على أنهم دعاة للتغريب، فالفن التشكيلي، الموسيقى ( ليست الطريبة )، الأوبرا وحتى السينما، والمسرح على وجه الخصوص ليسوا ضمن معطيات ذلك النوع من التكوين المعرفي عند العرب، بالإضافة إلى كونها تجاوزات للأعراف والتقاليد وربما للدين. فالمسرح وهو مجال بحثنا أسس كفعلٍ طقوسي ، احتاجه اليوناني للتنفيس ، والتقرب إلى الآلهة ، أو التطهر من الشوائب البشرية ، وعليه تحول المسرح إلى حاجة اجتماعية ودينية ، ولأن المسرح الأوروبي هو امتداد للمسرح اليوناني ، فقد ساهم البعد الديني الكنسي في ترسيخه كطقس ، ومن ثم كحاجة جمالية فيما بعد ، بعد أن تطور على يد مسرحيين وبشكل مؤسسي ، إذ نظّروا له وتنوعت مذاهبه ومناهجه كنتيجة لاشتغالهم عليه، حتى وصلنا نحن العرب نسخة مستهلكة لما وصل إليه من مستوى ، دون أن تكون لنا يدٌ في تطويره والاشتغال النظري عليه ، فالمسرح العربي ولأكثر من قرن ما هو انعكاس محدب أو مقعر للمسرح في الغرب .
المجتمع العربي كثيراً ما كان يميل في الماضي إلى التركيز على التقاليد المجتمعية، والدينية، والتقاليد القبلية، وهذا ما أسهم في تراجع حركة التغيير المعرفي والثقافي، مضافاً إلى ما عانى منه العرب ومنذ القديم من حملات استعمارية وتنكيل شغل العربي عن التفكير بأشكال فرجوية يمكن أن تكون تنفيساً لما يعانيه ، وإن نشأت أشكال فرجوية تسلوية كخيال الظل ، الحكواتي ، والأراجوز ، إلا أنها لم تنضج كشكل مسرحي يمكن التعويل عليه ، أما في الماضي القريب والحاضر فإن المجتمع العربي يعاني من قمع فكري ، وتكميم أفواه ، وغياب الديمقراطية وحرية الرأي ، وهذه الحالة تنسحب بالطبع على المسرح الذي سيعاني بالتالي من فقدان أو ضيق مساحة الحرية التي يمكن من خلالها أن يتحرك ، فهو بالطبيعة مرآة للمجتمع !! فأزمة المجتمع العربي تتلازم مع أزمة الجمهور المسرحي، وبالتالي مع أزمة المسرح. ولأن المسرح إذا ما مورس وفق وظيفته الحقيقية بحرية سيكون أداة للتغيير، فالمسرح هو من يشكل الجمهور وذائقته، ومستوى فكره. لذا عانى المسرح من التغييب القسري من قبل الحكومات العربية، أو التقييد ومحاولة دمجه ضمن المؤسسة الرسمية ليعبر عن حالها لا حال الجمهور. ويتمثل هذا التغييب في إقصائه عن برامج وزارات التربية والتعليم المنهجية واللامنهجية في معظم الدول العربية، والتي يمكن أن تكون كفيلة بخلق ذائقة واعية عند الجمهور، إضافة إلى الوقوف في وجه الجهود الفردية التي كانت ولازالت تسعى إلى تأسيس حركة مسرحية، مما أسهم في فسح المجال لظهور النوع التسلوي والتهريجي من المسرح الذي استطاع أن يستقطب الجمهور وبشكل كبير، وكوّن معرفة وذائقة مسرحية مشوهة منطلقة من مفهوم مسرح الضحك للضحك، وتقلصت بالتالي مساحة المسرح الواعي أمام المسرح التسطيحي في تناوله لقضايا الإنسان والمجتمع العربي .
وكثير من المجتمعات العربية لم تتعرف على المسرح من خلال الخشبة، بل تلقته من خلال التلفزيون الذي اختزل المسرح في شاشة لا تتعدى البوصات، مما حجم كثيراً المتعة الجمالية في التلقي المباشر. ولأن التلفزيونات العربية خاضعة لقوانين المؤسسة الرسمية، فقد ساهمت في ترسيخ المسرح التجاري التهريجي القائم على منطق المنفعة المادية متجاوزة المسرح بأبعاده التوعوية و التثقيفية والجمالية. ويمكن أن تدل شهرة ممثلي مسرح الضحك للضحك إذا ما قورنت بشهرة ممثلي المسرح الملتزم المغمورين، على ذات المعنى. وعن توجه إنسان الوقت الحاضر، يبدو أنه يميل إلى القيم الاستهلاكية، خاصة الإنسان العربي الذي خضع لها، عطفاً على كونه لم يشكل جزءً هاماً في حركة الإنتاج العالمي، على المستوى الاقتصادي، والتكنولوجي، والثقافي، فقد شكل الانشداد إلى تعددية وسائل الإعلام والترفيه كالتلفزيون والانترنت عبءً على الحركة المسرحية التي لم تتواكب مع مقتضيات الحاضر. فالفرد الذي لم يترسخ في وجدانه المسرح، لن يتجشم عناء البقاء لما يزيد عن الساعة بعيداً عن بيته لمشاهد مسرحية والعالم يأتيه في ساعته ولحظته بضغطة زر على لوحة مفاتيح الحاسب الآلي.
وبهذا يتبين أن التكوين المعرفي هو الذي عمق الهوة بين المسرح والجمهور، ومن واجب المسرحي أن يعي تماماً أس المشكلة، وأن يحاول ردم هذه الهوة لتعديل مسار الذائقة العامة والإسهام بفاعلية في حركة التغيير وأن لا يستسلم للإقصاء والتغييب وأن لا يسلم مفاتيح التحكم في قيم العمل المسرحي للجمهور، وأن لا يخضعه لخبرته – الجمهور – الخارجة عن حدود الخطاب المسرحي، بل هو من يشكل هذه الخبرة ويعيد تقويمها. كما أن استغلال أشكال التسلية والترفيه المختلفة وتوجيهها لقيم المسرح الواعي، سيعطيه شرعيته في الرسوخ في وجدان الجمهور العربي، والبقاء فعلاً نابضاً.

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me