بانوراما عن الحب
إنه الحب، رسالة حبيسة قمقم تتقاذفه أمواجُ حياة. فنكون دائماً فيه أو بقربه، بجانبه أو خلفه، محاطين به أو محيطاً بنا، لتبقى الحقيقة أنه المركز ونحن السابحون حوله؛ أهلٌ له ومن بقية أهلهِ، نسيماً يهوي بنا إليه فنكون فيه ويسمّونا عندها:
(أهل الهوى)، عرض مسرحي كُتب عنوانه طيلة ساعة ونصف تقريباً مناراً في عمق الخشبة ليكون مشروعاً يخرّج طلبة السنة الرابعة قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية وضرورة فنية تشي بالمكان الذي هو نادي ليلي يحمل نفس الاسم
وزمان يصلح للذاكرة هو ليلة رأس السنة، والحكايات عن الحب بأشكاله وأنواعه، فاكهة طازجة دائماً تصلح لكل زمانٍ ومكان.
لكن كيف عُرضت فاكهتنا؟
هل كان الحب مسرحاً نضراً؟
لا يحيطُ بها قلمٌ
نص دلع الرحبي أراد تلخيص الجميع، لغة سردية لا تَملّ البوح ولا تيئس من رسم الحكاية على شكل دوائر يجب أن تُغلق، لتعود من نفس المكان مكررة نفسها (رغم اختلاف الشكل الدائري أحياناً) من ثم تتشابك هذه الأشكال فتُخلق أمامك حكاية هي كل الحكايات التي عايشناها أو نعايشها أو سنعايشها والسبب ببساطة، أننا بشرٌ (كلنا مغرمٌ يهذي بصاحبه ….. إلخ).
بالتالي ما أسهل أن تلامس مسرحية “أهل الهوى” الجميع أرادوا أم رفضوا، وهذا ما فعلته. لكن، وسنأتي على عرض نماذج الحب كاملة من خلال الحديث عن الخريجين الجدد، نسي النص حباً كثيراً مع أنه حاول الإحاطة بالكل، نسي رغم كل الأبيات المحشورة لتُغرقَنا حباً، تلفت الروح وحب الطفولة وربما تناسى حباً لا يقال ولم يقال.
نص عَرضَ بأدبٍ شديد نماذج مُغرقة في الحياتية نراها جميعاً، نحكيها، نتداولها، نعيدها ونبكيها ثم نذهب إلى المسرح لنراها مروية لغة حوارٍ تُخبرنا عن الحب بطريقة: (أيها السادة جاءنا البيان التالي…..).
لم يكن النص استثنائياً لكن العرض قارب ذلك، مؤكداً فكرة راودتني دائماً، أن اختراع الكلمة عظيم أحاط بكل شيء وترجمه خطوطاً، لكنه عجز عن اختزال مشاعر الحب بأكثر من حرفين ولذلك وجدت الدراما.
الطلاب، شخصيات لنماذج
قدم الطلاب، الممثلون عرضاً جميلاً عن الحب فكانت جهودهم ظاهرة وإن تفاوتت وكان حضورهم يروي التالي:
(أيهم الأغا، فريد وكامل نجمة، سعيد) هاربان من عُمرٍ مضى في زواجٍ انتهت مدة صلاحيته وتجددت لديهما رغبة الالتصاق تجديداً بأي أنثى، لكن الوقت لا يتسع إلا لفشلٍ جديد وعودة للمنزل والزوجة. ممثلان جيدان قدما نفس شخصية عرض الفصل الأول مع اختلافٍ بسيط فكانا نموذجاً (لحب الكبار عندما يعودوا مراهقين).
(جمال شقير، رائد) قدم مشروع كوميديان خاص جدا،ً من خلال علاقة عابرة مع فرنسية رسمت له حلماً بالسفر وجاء العرض ليدمّر حلمه أمامنا بعد سنين بقي فيها
يأمل الخلاص من واقعه، في (حبٍ محسوب جيداً وبالمسطرة).
(رأفت الزاقوت، غسان) ممثل يصعب ضبط إيقاعه السريع ورغبته بتوظيف كل ميليمتر من جسده ليقول شيئاً في شخصية الدونجوان العابث، المدّعي الذي سيقع في شر أعماله بشكلٍ طبيعي!؟ وهذا ما حدث طبعاً عندما استفاق من حبه الوهمي على صفعة وضياع كل المحبوبات في (حُب ال 90% من شباب الجيل الصاعد).
(عبد الرحمن قويدر، القوّاد) صاحب الشخصية الأكثر خصوبة لكن الأقل حظاً في بذل الجهد، لأنه لو فعل لكان الأميز وهو الذي قّدم من اسم شخصيته، قواداً يخدم الجميع ببيع الهوى المعلّب والسعي الدائم لتعليب كل الإناث في حُب (ليس حباً بل صناعة مثل كل صناعات الكونسروا العاهرة، الممتدة على مساحة الأرض).
(علاء قاسم، سامر) يذكّرنا بممثل آخر أكبر منه وأكثر شهرة، لكن علاء يتفوق عليه بأن له عيناً أنظف وأصدق، قدم بموهبة حباً حقيقياً في اتجاه محبوبة تسكن ظل صديقتها، فكان ناجحاً بشخصيته بالتهرب من الأولى وإعلان حبه للثانية ضمن حب يشبه تقريباً (أفكّر باللي ناسيني…) بالتالي يحمل هذا الحب ضمن مقولته (مجد معوّض، عُلا) عاشقة سامر التي حفظت لأجله الأشعار و (وائل معوض، أمجد) عاشق عُلا التي لا تأبه به وبأشعاره ، (مريم عطا لله، سلاف) الظل الضعيف لصديقة تحب من يحبها هي، في شبكة علاقات تشبه كثيراً المسلسلات التلفزيونية ذات الأجزاء في حلقة بعنوان: (بعمري ما عجبت البنت اللي بتعجبني، وميته فيني بنت ما بطيقها).
(الوليد عبود، ناصر) محب حقيقي وراقص أكثر من رائع في أدائه لرقصة تعود لعام 1952 قدمها (جين كلين) في فيلم (غناء تحت المطر) في مشهد من أجمل مشاهد السينما العالمية ولا سعادة أجمل من رؤيته مسرحاً، لكنه أسقط هذه الروعة بالقاضية عندما بدا غير مهتم بأدائه الصوتي والإحساس بالكلمة، وكان نموذجاً عن حبٍ خجول، صادق عبرنا جميعاً يوماً، فإما فزنا به ولم نرحل أو بقينا متخبطين حتى اليوم نبحث عن حبٍ يشبهه على الأقل و (لا تعليق…….).
(لما حكيم، دانية) عاشقة من الطراز الذي نتمنى دائماً أن يعشقنا، فيها كل البراءة لكن رغم ذلك، ادّعت حب صديق لتصل لصديقه؟؟؟ وشاركت (ناصر) الرقص وأدت دورها بإتقان مع أنها لم تزل في سنتها الثانية، شاركت ففضحت الكثير من المقاييس وقدمت (حباً من زمنٍ ذهَبَ في إحدى علب الكونسروا المذكورة سابقاً). بخلاف نظيرتها (نضلي الرواس، شيرين) من السنة الثانية ذاتها.
(محمد زرزور، فراس) مدهش في تقمص إدعاء نموذج واسع من المحبين.
فراس، يحضر إلى المكان الذي يكره ويشتم البنت التي يرغب بها ويسخّف كل ما ومن حوله، إنه صاحب (الحب المثقّف، ويجلس حاليا في مقهى الروضة كل خميس).
ونأتي لبيت القصيد (مازن منى،عصام وإيمان عودة، نجوى) وقد ظهرا وكأن العرض صُنع خصيصاً ليقولا، فجاءت حكايتهما مسبوكة جيداً وحملا بأداء متميز هموم زوجين أصبح الحب بينهما دواماً من الثامنة حتى الثامنة، كبر الرجل وأحب في حق يمنحه لنفسه وكبرت الزوجة وشعرت بالبرود فيها وتجاهها، وهكذا بقي الإثنين خارج قرار الدخول إلى نادي أهل الهوى في قصة لحب (لا يمكن أن نفهمه، لكنه موجود وحقيقي).
بقي من الممثلين موهبتان خنقهما حجم الدور (أميرة حديفي، هيام) الهائمة في حبيب لا يأتي أبداً وهي لا تخلف الميعاد تحضر مرتّلة بحبها، محبوسة، منسيّة تحت ضوء الشارع أمام كهف أهل الهوى، لا نستطيع أن نلمحها جيداً حتى تغيب وتعود لتُحبَس في بقعة ضوء الطريق، جميلة كان يمكن أن تفعل المزيد.
وكذلك (خالد القيش، منصور) العامل البسيط، المراقب لكل شيء والذي يبدو أن لا مكان له، لكن اجتهاده أوجد له عمل هو رفع صناديق المشروب، ممثل يبدو أنه تعب كثيراً ليحضر بلازمة توجِد له مكاناً وجملة تُخرجه من حدود الهامشية في المساحة التي ضاقت حتى عن وسامته.
كل هذه الشخصيات بكل مبررات وجودها وسلبياتها واختلافنا أو اتفاقنا معها، صَنَعتْ عالم العرض اللطيف والممتع شكلاً، والمحتاج لأكثر من إعادة صياغة مضموناً، هذا إن تناسينا مفهوم الزمن في العرض أو علاقة الأشخاص ببعضهم أو الكلام الكثير عن أحاسيس تختزلها نظرة.
حاتم علي
لا يمكن تعريفه مخرجاً فذاً أو مبدعاً، هو أكثر من موهبة وربّان يعرف كيف يمسك خيوطه ببراعة، يأخذنا معجبين من عملٍ لآخر بشكل غريب ونتعب من تأمّل صعود خطه البياني فنرتاح متأملين ما وصل إليه.
– هل يمكن المقارنة والموضوع متشابه جداً بين مسرحيتك (البارحة، اليوم وغداً) عرض تخرّج 1998 ومسرحية(أهل الهوى)، هناك كان الوقت أطول وعدد الممثلين أقل والحكاية حكاية واحدة، وربما كنت أقل انشغالاً وأكثر تفرغاً لاستنفار طاقة ممثليك ليعطوك وإيانا الأفضل ؟
– في عروضك دائماً لديك أكثر من نهاية ودائماً النهايات الخُلّبية أكثر قوة وتشهد ببراعتك في الوصول للذرى ويبقى السقوط من الذروة الأخيرة أقل إيلاماً لأنها أقل ارتفاعاً، (هل تقصد؟).
– لم يفلت من يدك ممثلاً فيكون في غير مكانه ولم يكن مكانٌ أضيق من عرض يجب أن يحوي 17 ممثلاً منهم 15 يجب أن يتخرّجوا في مسرحية تُظهر طاقاتهم وتختزل جهد السنين الأربعة كاملة، فكان أن خَنق المكان الكثيرين ممن استحقوا فضاءً أرحب ولتستحق معهم زمناً أكثر نقاءً واتساع.
أمجد طعمة
البطاقة العرض الفنية
“أهل الهوى”
تأليف: دلع الرحبي
إخراج: حاتم علي
مخرج مساعد: جلال شموط
الموسيقى: طاهر ماملي
ديكور: أسامة دويعر
أزياء: رجاء مخلوف
مكياج: ستيلا خليل
أفيش وفوتوغراف: عماد جلول


