المسرح و الحرب .. و الحرية
المسرح لا يزدهر إلا في فضاء الحرية.. فهل في وطننا حرية؟!!
على فوزي
فنان مسرحي عراقي
الآن و قد خفتت أصوات الطلقات .. و هدأت الطائرات في حظائرها.. و انتهت الحرب في العراق..و انهار نظام صدام حسين.. يحتفل العراقيون بحريتهم و بالخلاص من نظام ديكتاتوري رهيب.. يطرح المستقبل كثير من التساؤلات .. و يجتمع المسرحيون العراقيون في مسرحهم القومي تحت شعار “من اجل مسرح عراقي حر” ، و في إطار المؤتمر التأسيسي لاتحاد المسرحيين العراقيين ، يناقشون قضاياهم الآنية و المستقبلية .. يخبرنا تاريخ المسرح عن تلك العلاقة الوطيدة ما بين المسرح و الحرب على مر العصور .. فالمسرح منذ بداياته الأولى ارتبط بحرب طروادة التي سجلتها إلياذة هوميروس .. و ربما كانت ثلاثية أورست التي كتبها إسخيلوس هي أول مسرحية تسجل و تناقش الحرب وأهوالها.. و الأمثلة كثيرة في تاريخ المسرح. الحرب .. المسرح : الصلة غريبة و التلازم ما بين الكلمتين لافت للنظر ؛ فأحد معاني الكلمة الإنجليزية theatre : مسرح العمليات العسكرية .. ربما لأن المسرح و الحرب – وإن اختلفت الغاية و النتائج – يعتمدان الصراع و الجدل ما بين القوى. المسرح أيضا يزدهر أينما وجدت التعددية و حرية الفكر و التعبير.
و المسرح العراقي الآن – كما العراق نفسه – يعيش لحظة تاريخية ، ما بين الحرب و الحرية .. ما بين استيعاب أهوال الحرب و ويلاتها و ما بين الحرية الجديدة التي نالها بعد سقوط النظام القديم.
و هذا الملف الذي نخصصه للمسرح العراقي في العدد الثالث من مجلتنا (المسرح دوت كوم) ، يتضمن عددا من المقالات و النصوص المسرحية التي تتحدث عن الهم المسرحي العراقي..
في تحليله للمستقبل يبدي الناقد عواد علي في مقالته (المسرح العراقي في العهد الجديد) تخوفه من الهجوم الشرس المتمثل في ظاهرة العروض الاستهلاكية الهابطة و التي بدأت بالفعل ازدهارها في ظل النظام المخلوع قائلا : إن تاريخ الرقابة على الإبداع المسرحي في العراق خلال العقود الثلاثة والنصف الماضية لم يسجل أي واقعة جرى فيها إيقاف عرض مسرحي مبتذل يسيء إلى الفن المسرحي والذائقة الجمالية.
و يشير الشاعر العراقي عبد الخالق كيطان في مقالته المعنونة (عصر الحرية في المسرح العراقي) الى أحادية الصوت في المسرح العراقي و تعسف السلطة مع مسرحيي العراق حيث سيطرت تماما فرقة الدولة الرسمية:
.. لقد غاب تماماً أي دور بارز للفرق الأهلية المسرحية التي كانت هي التي تشكل المسرح في العراق أيام سنوات تأسيسه ، وغياب هذه الفرق سمح بالتأكيد لسيادة صوت واحد في المسرح هو صوت الدولة ممثلاً بالفرقة القومية للتمثيل ، وهذه الأخيرة كانت تشتغل مثلما تشتغل أي مؤسسة إعلامية من مؤسسات النظام ، فتطيح بهذا الممثل لأنه لم يكن بعثياً مثلاً مثلما تنتج ما يلائم التوجهات الرسمية للإعلام العراقي … ولقد فرضت المعادلة الجديدة هذه منطقها الخاص أيضاً ، ذلك المنطق الذي يجبر فناناً بحجم الأستاذ سامي عبد الحميد على إخراج مسرحية رديئة للغاية عن رواية لصدام حسين يحشد لها كل الإمكانيات المتاحة من ممثلين وتقنيين وما إلى ذلك ، والأمر لا ينطوي على أي مفارقة طالما حوصر رجل المسرح في مهنته التي لا يعرف سواها.
و يشير كيطان في مقالته الثانية التي ننشرها في هذا العدد الى ثلاثة ملامح من المسرح العراقي المعاصر يحددها في المونودراما و البانتومايم و أخيرا تيمة الإنتظار مرجعا السبب في شيوع تلك التيمة الى :
أن الفكرة ذاتها تتمركز تمركزاً شديد الحساسية في وعي ولا وعي المسرحي العراقي ، وكذلك الثقافة العراقية ، ولهذا التمركز أسبابه الواضحة للعيان والمتعلقة بالواقع السياسي للبلد حصرا وما يحمله أفق الانتظار بالنسبة لعموم الشعب الذي عاش عقوداً من القهر والاستلاب والتهميش والقمع والجوع.
و في مقال من العهد القديم يكتب الفنان علي فوزي عن (المعقول و اللا معقول في المسرح العراقي) حيث يسجل أحلام فناني العراق بمجتمع حر : ومع هذا.. فنحن نعاند وبإصرار الأمل القادم، نصابر ونصبر، نكابر بعزة وكرامة وكبرياء من أجل مسرح إبداعي عراقي أصيل، لن ولن يتحقق مادامت سلطة العقارب والثعابين السامة تنفث فحيحها المقيت والحاقد والقاتل لكل ما هو جميل وأصيل في وادي الرافدين. نعم نحن نعاند الزمن الصعب نحو زمن أجمل وأروع لوطننا ولشعبنا الطيب، مع تحياتنا لكل الرواد المسرحيين والشباب ذوي الإبداعات المتواصلة من جيل إلى جيل.
أخيرا يكتب لنا أمجد طعمة عن تجربة مع المخرج العراقي باسم قهار في مسرحية (كهرب) والتي كتب نصها بنفسه وقُدّمت على مسارح دمشق و بيروت و عمان في العام الماضي.
و في قسم النصوص نقدم للكاتب المسرحي العراقي قاسم مطرود نصين مسرحيين هما : (رثاء الفجر) تقديم يوسف العاني و (الجرافات لا تعرف الحزن) و للفنان المسرحي الأردني غنام غنام ننشر نص (السياب يعيش مرتين) . كذلك ننشر نص عبث لصلاح حسن و مشاهد من الجنون الأخير لعباس الحايك . و أخيرا ننشر لأكسم محمد نص قرابين للنظام الجديد تقديم د.ماري الياس .
كما ننشر في هذا العدد مقالات لأكرم اليوسف و أشرف الصباغ و أثير السادة و لطيف كاسيدي
نشكر كل من ساهموا معنا في إعداد هذا الملف ونشكر الفنان قاسم مطرود و موقع مسرحيون و أثير السادة لمساهمتهم في هذا الملف.


