مشاهد من الجنون الأخير
والجنون المستشري ..
الشخصيات:
أطلس: أحد العمالقة الذين حاربوا الآلهة. حكم عليه زفس بأن يحمل قبة الكون على كتفه.
إيكاروس: الذي صنع جناحين ليطير بهما إلى الشمس، فطار عالياً حتى ذاب شمعهما فهوى في البحر.
المشهد الأول:
بقعتا ضوء كبيرتان، الأولى على أطلس وهو يحمل الأرض على كتفه، يقعد على دكة صخرية. والأخرى على إيكاروس العربي يصلح ما عطب من جناحيه العظيمين، ويرتق أثلام جسده بعد سقوطه الأخير.. هدوء يعم المكان، بعد لحظات، يُسمع صوت صافرات إنذار تدوي في أنحاء الصالة، وتبدأ أصوات قصف عشوائية تملأ المكان، وأصوات طائرات حربية، وأصوات استغاثات بشرية، وبعد برهة تقطع الأصوات ضحكة شيطانية مدوية، يفيق أطلس مفزوعاً، يمسك الأرض بين يديه، تعاود الأصوات، القصف، الطائرات، الرصاص، والاستغاثات.
أطلس : ( يحتضن الأرض بين يديه .. ويشدها إلى صدره مفزوعاً ) جنون !! .. جنون !
يجول في محيط بقعة الضوء فزعاً، يرخي رأسه على إيقاع الأصوات، كمن يتقي القصف.
أطلس: ( يصرخ ) جنون ! .. جنون !!
يتوقف.. لا تتوقف الأصوات، يرمق كرة الأرض بعينين فزعتين، تسقط على خشبة المسرح، تتدحرج، يبتعد عنها قليلاً.
أطلس: ( يصرخ ) جنون.. جنون !
يركل كرة الأرض ، ثم يركض خلفها ، يركلها وهو يجوب الصالة ، يخترق جمهور النظارة ، راكلاً الأرض
أطلس: جنون ! .. عاد الجنون .. جنون !
يتلاشى صوته تدريجياً مبتعداً خارج الصالة، يهرب إلى الشارع المقابل للمسرح، ثم يختفي، فتتلاشى أصوات الانفجارات معه..
تعلو وجه إيكاروس العربي ابتسامة عريضة – كان مشغولاً بالإصلاح والرتق -، يضع الجناحين العظيمين على ظهره، يراقب جسده، ينظر إلى البعيد، ينتصف في واجهة المسرح، بقعة ضوء رمادية تتركز عليه، يفتح جناحيه حدهما.
إيكاروس : ( على وجهه ابتسامة الرضا ) السماء محتجبة خلف سحب الدخان الأسود ،( يضحك بسخرية ) لحرائق النفط نفعها .. ( يرف بجناحيه ) إنها فرصة للتحليق !! .
إظلام
المشهد الثاني:
بقعة ضوء كبيرة، تبدو وسطها نخلة مثمرة، ذات جذع عتيق، أطلس يربط جسده في الجذع بكوفية عربية. ويبدو في البعيد، إيكاروس العربي يحلق في السماء. أطلس يحتضن النخلة كعشيقة. بعد لحظات صمت لا يشوشها سوى تنهدات عاشق، تعود أصوات القصف والطائرات الحربية، قذائف، رصاص، استغاثات، وضحكات شيطانية كثيرة. دخان يتصاعد في الخلف، يترك أطلس جذع النخلة مفزوعاً
أطلس: جنون ! .. جنون !!
يطوف حول النخلة ملوحاً بالكوفية وهو يصرخ بفزع.
أطلس: جنون !! .. جنون !
ترى في البعيد قذيفة تصيب إيكاروس، فيهوي. على صوت ارتطامه بالأرض يتوقف أطلس عن الطواف.. يقترب من النخلة بحذر ، يهز جذعها النخلة فزعاً، فيساقط عليه جمر و نار.
إظلام
المشهد الثالث:
بقعتا ضوء كبيرتان، الأولى على أطلس مصلوبٌ على خشب الصلب، معصوب العينين بكوفية عربية، جسده ملئ بالدمامل التي تنضح قيحاً. تبدو كرة الأرض في أمان وسكون أسفل قدميه العاريتين. صمت، البقعة الأخرى مركزة على إيكاروس ملثماً، وهو يصلح عطب جناحيه المحترقين، ويضمد قروحه وحروق جسده. صمت ، بعد لحظات ، تعاود أصوات القصف والرصاص والطائرات المختلطة بالاستغاثات ، وصدى صوت أطلس يصرخ .
صدى صوت أطلس: جنون !! .. جنون !
أطلس لا يتحرك على خشب الصلب، يتصاعد الدخان من كرة الأرض، وإيكاروس منشغلٌ في الإصلاح والتضميد. تتحول كرة الأرض إلى جمرة، تشتعل، تحترق، يرتفع اللهب، يطال قدمي أطلس، يشتعل، يحترق، على أصوات المعارك والقصف والجنون، وصدى صوته
صدى صوت أطلس: جنون !! .. جنون !
إيكاروس يبقى منشغلاً.. وأطلس يتحول إلى رماد بعد حريق، فتذروه ريحٌ خفيفة من زفرات النظارة السأمين.
إظلام
عباس أحمد الحايك
22-مارس 2003م
( في اليوم الثالث من العدوان المجنون )


