المسرح العراقي في العهد الجديد

عواد علي ـــ كندا

اذا افترضنا أن الخطاب المسرحي في العراق، وبخاصة جانب التأليف منه، سيكون، خلال العهد الجديد، متحرراً من قيود الرقابة الحكومية التي كبلته، وعقدت لسانه بأسلاك أيديولوجية غير قابلة للكسر خلال سنوات طويلة، فإن الفضاء الديمقراطي وحرية التعبير اللتين سيتحرك في مناخهما هذا الخطاب، على خلاف الخطابات الإبداعية الأخرى كالخطاب الشعري، و التشكيلي، والسردي لن يكون بمنأى عن الاختراق التجاري، كونه فناً جماهيرياً(بالمعنى التداولي وليس الإبداعي)، من طرف الجماعات " المسرحية" المتطفلة التي غزت المسرح العراقي، كالجراد، في العقد الأخير من حكم النظام المخلوع، بمباركة منه، وتحت ذريعة الوضع النفسي المتأزم الذي كان يعيشه العراقيون بسبب الحصار الاقتصادي، والحرمان من وسائل الترفيه والتثقيف ومصادر المعرفة الحديثة كالستلايت، والإنترنيت، والكتاب، والعوز المادي الذي يعاني منه العاملون في المسرح، بل أرى أن ظاهرة العروض الاستهلاكية الهابطة التي انتعشت في المسرح العراقي في ظل تراكم الاستبداد السياسي، وهيمنة الخطاب التعبوي الفج للنظام المتخلف، ستكشر عن أنيابها بشكل أكثر وقاحة في الأيام القادمة مستغلة أجواء الانفتحاح وحرية التعبير والتعددية التي سيشهدها العراق، وإذا ما اضطرت الدولة الى وضع حد لتمادي تلك العروض في الاسفاف والابتذال وتشويه صورة الفن المسرحي من خلال تشريع قانوني برلماني فإن أصحابها سيحتجون حتماً ويتهمون الدولة بفرض رقابة هي من مخلفات العهد البائد، و بتقييد حرية التعبير، وعنئذ سيكون احتجاجهم كلمة حق يراد بها باطل.
إن تاريخ الرقابة على الإبداع المسرحي في العراق خلال العقود الثلاثة والنصف الماضية لم يسجل أي واقعة جرى فيها إيقاف عرض مسرحي مبتذل يسيئ الى الفن المسرحي والذائقة الجمالية، على الرغم من شيوع مثل هذا النمط من العروض في مسارح العاصمة وعدد من المحافظات، وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة، شيوعا خطيراً، ومراقبة لجان الرقابة في وزارة الثقافة لها بشكل مستمر، وتصدي النقاد لها بسيل لا ينقطع من المقالات النقدية ذات النبرة الهجومية الحادة ، متهمةً إياها بالإسفاف، والإساءة الى تجربة المسرح العراقي، واستغفال الجمهور بإ قحام وسائل فولكلورية لاجتذابهم كالغناء والرقص الغجريين، من دون توظيف درامي، والتنكيت السمج، والإثارة الرخيصة، وغير ذلك. ومطالبة بعض المسرحيين الملتزمين والنزيهين بإيقافها، مثل يوسف العاني و صلاح القصب وعزيز خيون ومحيي الدين زنكنة بإقافها، متأسفين " للمصير المحزن الذي آلت إليه الشوامخ المسرحية التي ضاق صدرها بأعمال مسرحية ترفضها الضائقة السليمة والرفيعة بعد أن كانت جامعة مسائية للشعب، تضاء بأعمال مسرحية عملاقة تقدم التجربة المحلية والإنسانية " على حد تعبير عزيز خيون، في حين منعت هذه الرقابة عشرات النصوص والعروض الجادة والجريئة، المؤلفة منها أو المعدة أو المعرّقة، أو حذفت أجزاء مهمة من مشاهدها وحواراتها، وأذكر منها أربعة نماذج، على سبيل التمثيل لا الحصر:

أولاً: إيقاف عرض مسرحية (دائرة الفحم البغدادية) التي عرّقها الكاتب المسرحي عادل كاظم عن نص بريشت (دائرة الطباشير القوقازية)، وأخرجها للفرقة القومية الراحل إبراهيم جلال في أوائل السبعينات، إذ لم تعرض إلا يوماً واحداً على مسرح الفرقة في كرادة مريم، القريب من المنطقة الرئاسية، حين أوقفها طارق عزيز شخصياً، وليس لجنة الرقابة، على الرغم من أن أحداثها تدور في العهد العثماني، والجهة المنتجة هي فرقة الدولة الرسمية.

ثانياً: أيقاف عرض مسرحية (إنهض أيها القرمطي هذا عصرك) للكاتب طارق عبد الواحد، التي قدمتها كلية الآداب في جامعة بغداد خلال النصف الثاني من السبعينات، ولا يحضرني الآن اسم مخرجها. وقد جاء قرار إيقافها بأمر من خير الله طلفاح، خال صدام حسين، يوم كان محافظاً لبغداد ويدس أنفه في كل صغيرة وكبيرة من قضايا الأدب والفن والتاريخ في العراق. ولم يكتف طلفاح بإيقاف عرض المسرحية، بحجة أنها تمجد فثة ضالة ومارقة ذات نزعة شعوبية في التاريخ الإسلامي تآمرت على الخلافة العباسية، بل أمر باعتقال مؤلفها ومخرجها وطاقمها المسرحي، إضافة الى الناقد المسرحي حسب الله يحيى الذي كتب عنها في مجلة ألف باء، والمحرر الثقافي في المجلة القاص جمعة اللامي. وكان اعتقال هؤلاء المسرحيين والكتاب هو الإنجاز الثاني من نوعه آنذاك لمؤرخ بغداد الرسمي طلفاح (كما سماه سعدي يوسف في إحدى قصائده) بعد اعتقال القاص عبد الستار ناصر عام 1975 لمدة سنة في سجن انفرادي بسسب قصته (سيدنا الخليفة) التي نشرها في مجلة الموقف الأدبي السورية.

ثالثاً: منع عرض مسرحية (الروح الطيبة) التي أعدها وأخرجها عزيز خيون عن نص(الكوميديا الإنسانية) لوليم سارويان، في بداية الثمانينات إبان الحرب العراقية الإيرانية، وقد منع هذه المسرحية لأنها تصور الآثار السلبية للحرب على المجتمع من خلال شخصية صبي يعمل في دائرة البريد، بعد انتهاء دوامه في المدرسة، وهو صبي طيب يتيم لا يجد من يتفهم أحاسيسه وأفكاره سوى أمه التي تتعرف بعمق الى عذابات ابنها بين الحقيقة والوهم، الحب والمال، والحلم والواقع. وكانت المسرحية من إنتاج الفرقة القومية أيضاً.

رابعاً: تدخّل لجنة فحص النصوص في دائرة السينما والمسرح لتغيير نص (بيت الأحزان) للكاتبة والمخرجة عواطف نعيم، المأخوذ عن ( بيت برنارد البا) للوركا، متهمةً إياه بأنه يسيء الى المرأة العراقية! وقد صرح مسؤول اللجنة الممثل صادق على شاهين أن سبب إلزام الكاتبة نعيم بتغيير النص يعود الى طبيعة شخصياته النسائية فـ " هناك أم وبناتها الأربع وخادمتهن. إحدى البنات (مطلقة) والأخرى (مراهقة) والثالثة (مخبولة) والرابعة (ضائعة)، وكلهن يحاولن الارتباط بالرجل الوحيد الذي يعرفنه، ويعشن حالات مختلفة، وعندما أرادت المؤلفة والمخرجة عواطف نعيم أن تشتغل هذه المسرحية عراقياً قامت اللجنة بفحص النص وتقويمه وفقاً لجملة ملاحظات، واستبعدنا كل ما يسيء للمراة العراقية، فمثلاً عندما تريد عائلة ميسورة في العراق اختيار (خادمة) ينبغي أن تكون (عفيفة) لأنها لايمكن أن تكون مربية للأطفال وتعمل على خدمتهم ما لم تكن شريفة لأنها ستكون الأم الثانية لهم، وكذلك المطلقة لايسمح لها العرف الاجتماعي الاختلاط برجل وإقامة علاقة معه لأنها لو افتضح أمرها لأصدر المجتمع بحقها حكم القتل، وكذلك المجنونة والمراهقة من الممكن أن تنجرفا الى طريق الانحراف.." (نقلاً عن علي عبد الأمير، موقع الاتحاد العام للكتاب والصحفيين العراقيين الالكتروني). وقد أضطرت عواطف نعيم الى تغيير النص، فسمح لها بعرضه في الأردن قبل ثلاث سنوات، وإلا فإنه كان سيتعرض الى المنع حفاظاً على شرف المرأة العراقية!! الذي لم ينتهك في أي عهد قدر انتهاك العهد المخلوع له. ومن الجدير بالذكر أن شاهين يصف الرقابة التي كانت تفرضها لجنته على رقاب المسرحيين العراقيين الجادين بأنها ( رقابة تربوية وتقويمية و فنية ) في معرض تعليقه على أحد المشاهدين العراقيين المقيمين في ألمانيا( وقد أسماه بالمشبوه) الذي وصف الرقابة على المسرح العراقي بأنها رقابة صارمة خلال جلسة نقدية عقدت بعد عرض مسرحيتي ( اكتب باسم ربك) و (الجنة تفتح أبوابها متأخرة) لفلاح شاكر ومحسن العلي في أحد المسارح الألمانية شتاء العام الماضي.

وعودةً الى مسألة الاختراق التجاري لفضاء حرية التعبير المسرحي في العهد الجديد، باسم الديمقراطية، أرى أن الحركة المسرحية في العراق ستشهد مشكلةً عويصةً يصعب حلها بوساطة فرض رقابة حكومية صارمة على العروض التي تنتجها الفرق المسرحية الأهلية المعروفة بتوجهها الاستهلاكي الهابط، وهي كثيرة، وأصبح لها رصيد جماهيري مغفل، للأسف، في ظل ظروف شاذة، لأن مثل هذه الرقابة ستتعارض مع البنية الديمقراطية للعهد الجديد، وتعد، كما أسلفت، من مخلفات العهد الاستبدادي السابق. ولذا فإن من أهم السبل لاحتواء مثل هذا الاختراق، أو العروض الهزيلة هي: دعم الدولة، من خلال مؤسسات محددة، للتجارب المسرحية الجادة، والفرق المسرحية العريقة كالفرقة القومية، والمسرح الفني الحديث، وفرقة المسرح الشعبي، وفرقة مسرح اليوم، ومحترف بغداد، وإحياء مهرجان بغداد للمسرح العربي وجعله سنوياً، وتنفيذ مشروع أيام بغداد المسرحية الدولية، وتطوير مهرجاني المسرح التجريبي والعراقي السنويين، وزيادة مشاركات العروض العراقية في المهرجانات المسرحية العربية والدولية، وإقامة مهرجانات مسرحية في أقاليم الشمال والجنوب والفرات الأوسط، ودعم فرق المحافظات على أساس عروضها الجادة، وتأسيس جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية للمبدعين المسرحيين، وتشجيع النقد المسرحي، وتأسيس المجلات والدوريات التي تعنى به وبالظواهر والتقنيات والتجارب المسرحية، وإعداد برامج أسبوعية في القنوات التلفزيونية تعنى بالثقافة المسرحية، وتركز على المسرح الجاد، وتكشف عن مساوئ المسرح الاستهلاكي من خلال التقارير المصورة واستضافة النقاد وأصحاب الخبرة، وبث العروض المسرحية الجادة المسجلة في القنوات التلفزيونية مرة في الأسبوع، أو مرتين في الشهر. ولا أظن أن هذه السبل العملية عصية على التنفيذ في بلد مثل العراق يمتلك أسساً مادية وثقافية وخبرات فنية رصينة تفوق ما تمتلكه أغلب الدول العربية والإقليمية. وهي، فضلاً عن فاعليتها في احتواء الخطاب المسرحي الهابط وإضعافه، ستسهم الى حد كبير في تطوير المسرح العراقي وفتح آفاق جديدة لكل أشكاله التجريبية والكلاسيكية والشعبية.

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

Like
فلنكمل حوارنا على فيس بوك..
سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me