كل الحكايات تشبه العراق

لا يمكن الحديث عن المسرح العراقي والفصل، بين أرض تعشق وتتعايش مع الألم، تاريخاً، شعباً وروحاً
ومبدعين خرجوا من مخاض الهم نحو فضاء الخارج الحر ولو في خيالهم.
توزعوا في بقاع الأرض يرون حكاية السواد الحزين وقصص الدماء تسيل من جباه المنتحبين حزناً على قتيلٍ منذ ألف وأربعمائة سنة.
هذه تفاصيل لا يمكن الحديث عن تجربة في المسرح العراقي بدونها، ولن ينجح في الإخبار عنها إلا من عرفها قريباً وخبرها في ذات العراق.
لذلك ما سأكتبه مستمد من تجربة مع المخرج العراقي باسم قهار في مسرحية (كهرب) والتي كتب نصها بنفسه وقُدّمت على مسارح دمشق (القباني)، بيروت (المدينة)، عمان (مهرجان فوانيس) وجميعها عام 2002
وكنت معه مخرجاً مساعداً، ثم سيكمّل الكلام ذكريات زيارات العام الماضي في عراقٍ أصبح اليوم عروقاً تنزف.

في البداية
صناعة البروفة عند القهّار شبيهة بمحاولة خلق أجواء متشنجة من خلال حدث مفترض أو شيء ما يقود الممثل لدخول أجواء حادة هي بالنهاية أجواء للعرض المسرحي الذي سيرى النور، ولا أدري إن كان هذا ينطبق على مجمل أجواء بروفات المخرجين الآخرين أو باقي العروض.
ويأتي العرض بشخوصه الأنثوية ليحكي قصة بحث عراقي، عن بوحٍ يغلفه كبتٌ محبوس في الزوايا الضيقة.
ولتطرح المسرحية (كهرب) تساؤلاتها:
ما شكل حبٍ يمكن أن ينشأ بين حبيبين حبيسين؟
ما لون وردة يقدمها عاشق لحبيبته في الظلام؟
كيف يمكنني أن أقول أحبك وأنا مدرك أن ليلاً لن ينتهي يحيط بحلمي ويسلبني رائحة الهواء النقي؟
هكذا يطرح القهار في (كهرب) شرط الحب عموماً وكيف يراه من خلال سجن جمع طباخة مشوشة الذهن ، تنسى فتملح الطعام مرتين أو لا تفعل وفي الحالتين تخرّب الطبخة، وسجين ينظر من نافذته إلى أنثى تحضّر له طعام الحياة موتاً.
الوسيط في نقل المشاعر أوراق لا تقرأها الحبيبة الأمية ويحملها لقيط أخرس.
أجواء سوداء داخل أرض وحياة أكثر سواداً وملامح الألوان الداكنة تسيطر، حتى على لون الأحاسيس الحمراء الحية النابضة.
أخذت المسرحية ثقل جديد من الحديد الذي صنع الديكور على شكل أنابيب ذكريه في مظهرها، تتمدد داخل حياة وروح الطباخات الثلاثة، بكل ما في الحديد من جفاف وقسوة ولحن حاد يسحق أحاسيس إنسان لا يعرف من النور إلا الاسم وباقي شعاع يتسرب من نافذة، فيكتب كلمات لا يمكن قراءتها.

المسرحية في أسماء

كهرب اسم الفتاة التي لمس الحب قلبها فنشر رائحة الحياة في أجواء ألا حياة، ليشبه تسمية الحجر الكريم (كهرب) الذي إن فُرك أصدر رائحة ساحرة.
وداخل تركيبة غريبة من المشاعر المحرمة تلتقط الفتاة الرسالة لتستمتع روحها بما تحمله من كلمات قبل أن تقرأها لها أختها الأكبر وتقول لها كلمة السر العجيبة: (إنها رسالة تشبه رسالة حب).
كهرب، الشخصية، المسرحية، الحجر الكريم. ابتسمت للنوافذ صارخة (وينك) رفضت أن تتنازل عن حلم لامس روحها، فجعلها تحبل بالوهم، وتصبح لبؤة حبلى تبتسم بوحشية لحبيب افترس مخاوفها ومكّنها من الوقوف في وجه السلطة (الأم) وتقول لا، محطمة تمثال يشبه كل التماثيل الحاكمة.
لكن في النهاية كهرب هي من تغادر نحو مجهول احتل المكان لأن الحبيب المخلّص مجرم قتل زوجته ومحكوم بالسجن المؤبد!؟؟
كم تشبه كهرب أمهاتنا اللواتي أنجبننا دون حب، فصرنا نشبه العراق، لأن عراق اليوم يشبه كهرب الأمس والفرق أن العراق هو الحقيقة، هو الوجع الحقيقي.

شذر أنثى حَكم عليها القدر أن تُخلق عرجاء، حلم طفولتها بحبيب سُرق، لأنها رفضت قبلة وجبنت عن قول لا في وجه كلمة لقنتها لها الأم هي كلمة: (حرام..)
الوحيدة التي تعرف القراءة لا تعرف قول لا ولا تجرؤ إلا على توزيع حلمها والهرب في النهاية من القبو نحو الشمس.
هل كان ذلك نبوءة بهربٍ قديم لمثقف اعرج، أجبن من أن يقول لا؟

حُسن الصغيرة والركن الثالث من أقانيم الأنثى المحرّمة والمحرومة ولأنها الأكثر خضرة بإيقاع حياتها الصاخب تدفع الجميع للتحرك وتحرّك المياه الراكدة مطلقة مع مؤذن المسجد القريب النداء بأن (الله أكبر)، لكن مع فارق بسيط أن المؤذّن كان ينادي (حُسن أكبر)، وتبقى حُسن وحيدة مع أمها حبلى هي الأخرى بوهمها.
هل ما تبقّى من، في العراق يحبلون بوهم؟

عطا، لقيط أخرس هو منفذ الرجولة الوحيد في بيت الأنوثة، وكما كل الرجال في السجون وإن كانت بحجم وطن عطا مخصي ومخصص للمهام الثقال.

فتحية، أماه هي الكلمة التي بقيت البنات ترددها تهتف بها كل العمر وكان من الواجب القول: (لا فتحية)
تأخير كلف الجميع الحياة.
فتحية، الأم التابو الذي لا يمكن اختراقه إلا بتراكم يفجر انحباس الماء، بعد أن نادت (لا تتركوني وحدي) تذوي تموت مع صوت المؤذن ينادي حسن ويردد الله أكبر.
لكن هل كان السقوط في الحياة يشبه سقوط التابو فتحية؟
لم أزل مؤمناً أن الحياة أقسى بتفاصيلها وخداعها من كل مسرحيات الدنيا.

بخصوص المسرحية
وإن لم يقصد العرض ما يمكن أن نقرأه فيه الآن، لكنّه يذكرنا بأنفسنا وما نعانيه صامتين، بالتالي لأننا ضد القمع وداخله، تشكلت لغة بوحنا من صورة لا تقوى على الصراخ صراحةً، وتعمل بتكثيف ثقيل على تلخيص (لا).
يستحيل أن ترفض وتصرخ، وحلقك يملؤه الكافور، لذلك سيبقى العراقي يكرر أحبك على شكل صورة فوتوغرافية تشبه وتلخّص حزن العراق.
هذا ما فعلته المسرحية وما نفعله بأنفسنا وما جناه علينا أحد.

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
مهرجانات ومؤتمرات
  • أكثر من 30 عرضا في الدورة الخامسة للمهرجان القومي للمسرح المصري

    القاهرة (رويترز) – يشارك 34 عرضا في (المهرجان القومي للمسرح المصري) الذي تقام دورته الخامسة الاسبوع القادم على نحو 15 مسرحا وقاعة عرض في القاهرة. وقال رئيس المهرجان أشرف زكي يوم الاربعاء في مؤتمر صحفي ان المهرجان سيبدأ السبت القادم دون حفل افتتاح حيث تعرض في أولى لياليه ست مسرحيات منها (عرق البلح) لعبير منصور [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • ندوة دولية عن المسرح الذي لا نعرفه

    التبادل المعرفي المسرحي  وتحديات المشهد العولمي المسرح دوت كوم – ‏08‏/02‏/2010- سعياً من  أكاديمية الفنون الى مواكبة  الاهتمام العالمي المتزايد بالمسرح العربي وبقضاياه وإشكالياته، نظراً لما لهذا المسرح بالضرورة من دور هام في الاشتباك مع الواقعين العربي والعالمي بكل تعقيداتهما الراهنة في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: الثقافية والإيديولوجية والسياسية والاقتصادية ، وتأكيداً [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • دعوة إلى جميع المسرحيين في العالم من مهرجان بغداد الدولي للمسرح

     تنوي دائرة السينما والمسرح / وزارة الثقافة العراقية إقامة  مهرجان بغداد الدولي للمسرح في بغداد والذي ستنطلق فعالياته في يوم 17 / 9 / 2010وبهذه المناسبة يسعدنا إبلاغكم  برغبة  اللجنة العليا  المنظمة للمهرجان  باستضافة  العروض  المسرحية العربية  والأجنبية  للمشاركة  في هذا  المهرجان. علما  بأن إدارة المهرجان سوف  تتحمل كامل  تكاليف  الإقامة  والإعاشة والتنقل  داخل  العاصمة  [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • مؤتمر بالقاهرة عن المسرح المستقل في مصر

    القاهرة (رويترز) – يشارك مسرحيون مصريون وأجانب الاسبوع القادم في مؤتمر بالقاهرة لتقييم وتوثيق المسرح المستقل في مصر منذ عام 1990 الذي شهد انطلاق كثير من الفرق المسرحية المستقلة. وقال عماد أبو غازي الامين العام للمجلس الاعلى للثقافة منظم المؤتمر يوم الاربعاء في بيان ان المؤتمر الذي يفتتح الاحد القادم سيحمل عنوان (عشرون عاما من [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • متابعات من مهرجان دمشق المسرحي

    رفيق علي أحمد: سيبقى المسرح حصرماً في عيون الفنون الأخرى الفنان اللبناني – رفيق علي أحمد – حوار : احمد الخليل سيبقى المسرح حصرماً في عيون الفنون الأخرى يحل الفنان رفيق علي أحمد ضيفاً على مهرجان دمشق للفنون المسرحية، والفنان أحمد من المسرحيين المهمين عربياً، عرفه جمهورنا السوري من خلال عدة عروض مسرحية(قطع وصل-حكم الرعيان..) [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me