منطق الجنس الدرامى
عندما يبدأون الحديث عن الجنس الدرامى ، فهم دائما لا يخوضون بعيدا فى حل رموز ما يمكن فهمه كـ ” جنس ” مقابل ما هو ” خارج الجنس ” . وعلى سبيل المثال ، يدخل يبيخودوف ومعه باقة من الورود حتى إنها تسقط منه عندما يرى فى العتمة الصباحية دونياشا مع لوباخين وحدهما فى الغرفة وهى فى شبه حالة إغماء ـ لا توجد هنا أية رائحة للجنس الدرامى ، وكل ما فى الأمر أنهما فى وضع غير طبيعى قليلا . أو يظهر فوينيتسكى مرة أخرى بباقة من الورود عندما تكون يلينا أندرييفنا بين أحضان أستروف ـ ومع ذلك فالأمر سيَّان ، لا توجد أية جنسية درامية : لا مشهد فاضح ، ولا كشف ، ولا تراجيديا ، ولا فارس ، ولا فودفيل . ببساطة ، توجد غصة وارتباك . كل العلاقات الشكلية للجنسية الدرامية يمكن أن تظهر على الوجه . ولكن إذا كانت هذه العلاقات فى ذاتها تبرز القليل ، أى لا تملك قيمة ذاتية ، فلن نلاحظها أبدا على الفور ، حيث الجنسية الدرامية الحقيقية تظهر عندما تكتسب الملامح الخارجية المميزة للجنس الدرامى خطورة المضمون الكامنة ، وعندما يولد معها فى الوقت نفسه الإدراك الخاص .
قبل كل شئ يذكرون التركيز المتزايد للشرطية ـ الاصطلاح ـ فى أية منظومة جنسية درامية ، ولا أحد يسعى إلى إسدال النقاب على هذه الشرطية أو الاصطلاح ، وتزيينها كواقعية مباشرة . إذن لأى سبب نشغل أنفسنا بذلك ؟ فى الواقع هنا توجد عملية فرض أساسى ـ إرادة المؤلف التى تنمذج الموقف ونوعية الشخصيات بشكل سلطوى ولا تحاول إعادة إنتاج وإدراك فوضى وتنوع الأشكال الحياتية . المؤلف يعرض الحياة ـ الوجود ـ على النحو الذى يجب أن يعرضوها هم أيضا عليه : من أجل كشف جوهرها . وقد نشأت ، تكونت ، التصورات حول ما يجب واكتسبت استمرارية ما ، وتنتمى إلى زمن تام . ولا يهم ، ظهرت منذ دقيقة واحدة مضت أم تمتد فى أعماق القرون . الشئ الرئيسى أنه يتم الوصول بمساعدتها إلى تخيُّل الحدث كحقيقة قد اكتملت ، وليس تلك المَشَاهد المتناوبة التى تتوالى كما لو كانت متزامنة مع إدراكك البصرى ، وفى الوقت ذاته مع معايشتك وانفعالك بهذه المَشَاهد . الجنس الدرامى ـ رزين أو قلق ، حزين أو مرح ، عاطفى أو تهكمى ـ هو تقرير عما حدث . ليس عبثا أن المؤلفات ذات الجنس الدرامى تفضل المقدمات ( الاستهلال ) والنهايات ( الخاتمات ) . فهل يمكن للمقدمات والنهايات الكلاسيكية أن تنتمى إلى الواقعية اليومية بشكل حر ، والتى لم تكتمل بعد وكأنها من دون بدايــة أو نهاية ؟ ـ فقط من أجل كشف هذه ” الواقعية ” بوضوح تام يجب الإحساس بتصنعها الخاص وبوهميتها المتفردة .
إن تأثير التقرير عما حدث لا يعنى إطلاقا أن القارئ ـ المتفرج المتلقى له علاقة بالأحداث التى رحلت فى نهر النسيان مع ذلك الماضى الذى لم يعد له وجود . فلقد تمت الاستعانة بالجنس الدرامى من أجل ترسيخ الذى مضى إلى الأبد ونقله إلى الوضع الجديد الآنى للشكل الجمالى ـ الإستيطيقى الثابت الذى يوجد فى الزمن الخاص الحاضر . هذا الزمن يختلف عن زمننا العادى . ففى الحاضر يجرى زمن الجنس الدرامى دائما كما لو أنه ينحدر بسرعة على طريق نعرفه ـ وإضافة إلى ذلك فالمشاركون فيما يجرى لا يلاحظون ذلك الطريق المستمر . الشخصيات تعمل بدقة كما لو بالنوتة ، ولكن بعدم التكلف وبالشكل الطبيعى الذى يتميز به المكتشفون الأوائل ، وليس بقلق الذين يعرفون المستقبل ، وكل ذلك من طبيعة المشاركين فى الطقس التقليدى .
إدراك الجنس الدرامى شبيه بالتوقع القلق لشئ قد حدث مرارا ، وسوف يحدث الآن ، ولكنه من جراء ذلك لا يفقد تأثير المفاجأة وعدم التوقع والتفرد الخارق للعادة . فها هو روميو ، بالمصادفة ، يتعرف على جولييت فى صالة الرقص ، وبالذات مع جولييت التى تنتمى إلى عائلة الأعداء . وبشكل ما يجب عليهما أن يفرضا حبهما ويتحدا معا ـ فهل سيكون ذلك اختطافا ، هروبا ، تَنَكُّر فى ثياب أخرى ومحاولة تقديم أنفسهما كأشخاص آخرين ، كعريس محايد ، أو عروس محايدة ، من خارج عائلتى مونتيكو وكابوليتو . وعلى نحو ما ستنشأ مواقف صعبة ومشددة ـ إما أن يصبح الزواج السرى معروفا للوالدين ، أو يحتدم من جديد خلاف العائلتين الذى أخذ يستكن فى هدوء ، أو يظهر مطالبون آخرون بيد البطلة ، أو يبدأ زواج آخر فى تهديد البطل ، أو يحدث فراق إجبارى … إلخ … وهلم جرا . إن ترسانة الأساليب متنوعة ومختلفة على الرغم من أنها لا نهائية . المهم كيف يتم تجميع تلك الأساليب ، وأى احتمالات وأشكال للاختيار ، وفى أى مقام ستقدم . أين تنضغط وتتقلص كميتها ـ عددها ـ وأين تتولد نتائجها ؟
الموت الوهمى يستخدم فى ” روميو وجولييت ” وفى ” ضجة فارغة ” وفى ” حكاية شتوية ” . ولكنه يقرأ فى جميع الأماكن بشكل مختلف . البطلة فى التراجيديا تسلم نفسها ، بالمعنى الحرفى ، إلى موت ممسرَح ـ تظاهرى ـ عندما تبقى معه على حدة ، وفى وجود الأخ لورانسو فقط . هذا هو سرهما ، وارتجالهما اليائس . ولكن القدر يمكنه أيضا أن يرتجل على طريقته . والموت لا يحب أن يستخدمونه عبثا ببساطة من أجل متطلبات العالم الحى . فى ” ضجة فارغة ” يشارك بعض الأشخاص فى الموت التظاهرى ، ومن ضمنهم الرجل المرح بندكت . لقد أصبحت مغامرة ، لعبة جوقة كاملة من أجل الدفاع عن شـرف هيرا ، مع الوعى بأنه فى أية حال من الأحوال لن يكون الوضع أسوأ من ذلك . وفى ” حكاية شتوية ” يجب أن تعتبر البطلة ميتة لعدة سنوات من أجل أن تعود إلى الوجود العلنى ، تقريبا كما لو أنه لم يكن قد حدث لها أى شئ ، لتواصل الخط الذى انقطع لحياتها السعيدة . إن المقام العام والإدراك الكلى للعالم ومزاج الكاتب ، كل ذلك فى مجموعه يملى إما معالجة أخرى للأسلوب ، وإما تطويره بشكل آخر . والنموذج الأولى للموقف ـ تطوره ـ النتائج ، تلك حلقات ثلاث سوف تكون مرتبطة مع بعضها البعض على النحو الذى يتطلبه المنطق العام للتراجيديا أو الكوميديا أو دراما الباروك . هذه الحلقات الثلاث ، فى نطاق كاف ، مستقلة عن بعضها البعض . بين الأولى والثانية ، وبين الثانية والثالثة يوجد منطق صارم ، والمنطق الوحيد الممكن للتحولات غير موجود . ومن حيث المبدأ ، كان من الممكن تماما لهيرا أن تموت موتا حقيقيا ـ وذلك حتى فى لحظة اكتشاف براءتها الكاملة ، وهذا يعنى رد اعتبار لا مفر منه . ولكن لمـاذا حقا ، لا تنتهى حياتها من فرط السعادة ؟ إذ أن جولستير فى ” الملك لير ” عندما يعرف القصة الجريئة الكاملة لما فعله إدجار ـ على الرغم من أنه مر باللحظات المظلمة نفسها فى الحياة وبالقسوة اللاإنسانية نفسها ، ينهى فى إصرار حياته بنفسه . أما جولييت فقد كانت تستطيع أن تفلت بإرادة أية مصادفة ـ على سبيل المثال ، كان من الممكن أن يظهر روميو فى الضريح فى وقت متأخر قليلا ، عندما تكون قد بدأت لتوها فى الاستيقاظ . وبالتالى يتم إنقاذ البطلين العاشقين . عندئذ فقط يمكن أن يتضح فجأة أن ” ضجة فارغة ” هى تراجيديا ـ على الرغم من أنه لم يكن هناك أى شئ يدل على ذلك . أما ” روميو وجولييت ” ـ فهى مجرد تراجيديا ما متكلفة ، أو ميلودراما تثير فى جدية شديدة الهول والفزع ، حتى أنها على نحو ما بعد ذلك تخيِّب الأمل فى النهاية السعيدة المعسولة . فاستخدام الأسلوب هنا لا يجب أن يهدم وحدة الجنس الدرامى . وجميع الأساليب هنا على حد سواء .
لو كانت هذه الأساليب تتطور فى عمل من جنس درامى محدد ، فإن تطورها يجب أن يتناسـب معه . بالطبع فى ” هاملت ” توجد مشاهد مضحكة . وفى ” كيف يعجبكم ذلك ” يوجد جاك ـ ميلانهولك الذى يُبَاع كما هو مقدر له ـ إلى ميلانهولك . وفى ” روميو وجولييت ” توجد المرضعة بأشعارها الكوميدية اللاذعة . إلا أن هذه التفاوتات الطفيفة تبقى موجودة فى النصوص المسرحية بشكل واضح ليس على نحو مشابه للخطوط الرئيسية الغالبة على المقام . وهى تبرز القيمة المطلقة للحلقات الجديدة . وتشير إلى أن جميع المتناقضات ما هى إلا جزيئات وتفاصيل للخط الرئيسى ـ هى نقطة فى بحر . ولا تغير أى شئ بشكل أساسى ، ولكنها فقط تحدد ، وتوعد بشئ ما ، وأحيانا تخدع بسهولة ـ وعلى نحو أدق ، تحاول خداع القارئ ـ المتفرج . والشئ الرئيسى أنها تشير إلى حتمية هذا الاحتمال أو ذاك لتطور الأحداث . والجدير بالملاحظة ، أن المقتطفات التى من شأنها أن تبرز ، تظهر عادة فى الجنس الدرامى ليس بشكل تلقائى ـ ذاتى ، أو مفاجئ ، أو مرة واحدة ، وإنما تظهر بشكل دورى طوال الحدث ، أو بالقرب من البداية ـ لكى لا تُنْتِج أوهاما . وكأن هذه المقتطفات قد ولدت أثناء تطور الحدث كنتائج ملموسة له . فى الجزء الأول من ” روميو وجولييت ” يوجد أيضا ميركوتسيو المرح والمرضعة الشجاعة . ولكن بعد ذلك يبعدون واحدا منهما من الحدث بأكثر الطرق تراجيدية ، أما الأخرى فتبتعد إلى الخلفية ـ هناك يصبح من الصعب الوصـول إليها . هاملت أيضا يسخر ويقلد المجنون بخفة ظل حاذقة للغاية ولكن فى البداية فقط ، أما بعد ذلك فهو يتبادل الحديث مع أوزريك فى تهكم ثم يصادف حفارى القبور بعدها . السخرية الهاملتية تسكب المياه على طاحونة التأملات التراجيدية ، وكذلك الأحداث التراجيدية . وهذا ما يحدُ أيضا فى الكوميديا حيث يمكن أن تظهر باستمرار مشاهد محزنة ، بل وحتى التذمرات والتشكيات الدراماتيكية المبالغ فيها جدا للأبطال الذين يقاسون التعاسة ـ مثلما على سبيل المثال فى ” البخيل ” لموليير ، إلا أن هذه النوتات لا يمكنها ، ولا تستلزم أيضا هز التنغيم الكوميدى العام . وفى واقع الأمر ، يمكن تقسيم الأعمال ذات الجنسية الدرامية إلى مجموعتين . الأولى ـ نصوص مسرحية ، حيث توجد اللحظات البارزة ، بل وحتى القوية ، على اعتبار أنها ضرورية من أجل الإحساس بالتناقضات الداخلية ، الديناميكية ، والتنوع فى حدود الجنس الدرامى الواحد . فى تلك النصوص المسرحية تجرى عملية كما لو أنها عملية صراع الجنس الدرامى مع مقتطفات من الأجناس الدرامية الأخرى . والنوع الدرامى كما لو كان يثبت حقه ، أو يدافع عن رأيه بالذات فى نظرته إلى العالم . يدافع عن إمكانية احتوائه على جزئيات من الأجناس الدرامية الأخرى على أساس قوانين الأجزاء ” الأحدث ” الخاضعة والقابلة للتحول ، فى الدرجات والمراحل الفكرية للنص المسرحى . المجموعة الثانية ـ نصوص مسرحية حيث لا توجد المقتطفات البارزة ، مثلما على سبيل المثال فى تراجيديـات راسين . فهى مكتوبة بقصد السعى إلى الوحدة المطلقة ، الكاملة ، المترادفة مع تكرارية الجنس الدرامى ـ ولكنها لم تعد ، مع ذلك التوجس الخفى من ذلك التوحد ، تأتى بنتيجة ، وراحت تعمل بوسائل أقـل راديكالية . الجنس الدرامى هنا يبدو وكأنه محبوس فى غرفة مقفلة ـ ليس هناك أى نموذج لجنس درامى آخر يدق عليه الباب . وهو من ناحيته لا يترك أى أثر أو انفعال . ومن ثم يبدأون فى عملية حماية الحماسة ، وبغيرة شديدة من خفة الظل والعكس . والكلاسيكية توصل فكرة الجنس الدرامى إلى نقطة الذروة ، ولكنها بذلك تجردها فى الوقت نفسه من شذى غموضها ، وتوترات ” التحول ” الدورى للمقام . القارئ والمتفرج ، بالطبع ، ينفعلان عندما يراقبان التطور التراجيدى للأحداث ، وينفعلان عندما يشعران باستمالة أى ” تبدلات ” فى الأجناس الدرامية الأخرى مع الاتجاه الآخر الذى يجرى . ولكن من ناحيـة أخرى ، فهذا الإحساس بانعدام الأمل يسير متأبطا ذراع الإحساس بالراحة والتراخى . هنا لا داعى للحذر ، هنا لا يترصدون لأية أحداث هزلية ، هنا لا يثيرون أية أوهام لـ ” تقلبات المصير ” . فى التراجيديا الكلاسيكية المنطقية تقوم قوانين الجنس الدرامى بدور القدر اللحوح المتسلط الذى يُخضِع كل شئ ، والذى لا يمكن لأحد أن يفعل شيئا ضده حتى ولو بطعنة ضعيفة .
كوميديا موليير الراقية ـ ” الموحش ” ، ” دون جوان ” ، ” طرطوف ” ـ تناضل ضد هذه الحالة ساعية بشكل أو بآخر إلى تحرير الجنس الدرامى . وكوميديات موليير تستوعب فى داخلها ، وتوطن على طريقتها فى نبرة تراجيدية ـ بشكل جزئى مثلما تتضمن تراجيديات شكسبير فى داخلها ببساطة على العنصر الكوميدى . هذه النصوص المسرحية تدلل على أن التراجيدى والهزلى لا ينفيان بعضهما البعض . وهما يوجدان فى علاقة دياليكتيكية معقدة . ومن الممكن الاعتراف بأن التراجيديا توجد ـ هناك حيث كل شئ فى عمومه وكليته حزينا وكئيبا على الرغم من إمكانية وجود الهزلى بصورة ” موضعيـة ” . التراجيديا ـ هناك حيث توجد حماسة اكتشاف النطاق الحقيقى للتنافر والصدام والتناقض . ولكـن الكوميديا ـ ليس من الضرورى إطلاقا أن توجد هناك جيث المرح والتسلية والضحك . فى الكوميديا ، من الممكن تماما أن توجد العديد من ” الأماكن ” المنطوية على هزل شديد للغاية ، ولكنها فى عمومها وكليتها تكون على أية حال لوحة كئيبة للغاية . يبدو الأمر وكأنك تضحك أكبر فترة من الوقت ، لكن لو تتأمل ـ من المدهش على سبيل المثال أنه فى التراجيديا يوجد كشف تدريجى لجميع أعماق التعاسة والخلاف ـ توجد كوميديا ، بالطبع ، حيث التسلية والمرح . ولكن فى الكوميديات السوداء التى يوجد بها هزل ، نجد أن تلك النصوص المسرحية ترتبط ببعضها البعض بمبدأ التناقض . مسل وهزلى ـ شبه تناقض تقريبا .
ولذا فـ ” الموحش ” لموليير تقف أبعد بكثير من ” مدرسة الوشايات ” لشريدان ، وأقرب إلـــى ” هاملت ” . ولذا أيضا فبين ” زواج فيجارو ” و” أخطاء ليلة واحدة ” لجولد سميث ـ مسافة محسوسة للغاية . كما أن جميع الكوميديات الروسية العظيمة للقرن التاسع عشر تختلف عن سابقاتها فى القرن الثامن عشر ككوميديات سوداء ـ بأن الأولى مرحة . والتعريف الشهير لجوجول ـ ” الضحك من خلال البكاء ـ ليس دقيقا تماما . الأصح أن تقول ” الدموع من خلال الضحك ” . إذ أن ” صاحب العقل يشقــى و” العرس ” تولد ضحك الناس الذين اكتشفوا لأنفسهم فى جوهر الضحك والهزل يأسا لا يقهر ، وحزنا وقنوطا . عندما نضحك ـ كأننا آنذاك نُقَوِّم فنية التنافر والتعارض بهذا الرد فعل من الضحك ـ نتحرك صوب النهاية فى غاية الأهمية والخطورة . فهى لا يمكن أن تكون ” مفتوحة ” . ويجب أن تفصح بمنطق جيد وتُجْمِل وتعمم فهم وإدراك المؤلف للوجود ـ الحياة ـ ، وتصبح آخر كلمة حول طبيعة نوعية الصراع الذى لا يقهر أو التجانس والوفاق .
مقام النهاية ـ صوت المؤلف
عندما يكون الجنس الدرامى فى عنفوان قوته وسعيه إلى ذروة التحقق ، يتطابق موضوع ومقام النهاية كليا ، كقاعدة ، مع الخط الرئيسى للحدث . ففى التراجيديات تحدث كارثة تراجيدية ، ويتنامى الإحساس بأقسى مشاعر عدم كمال العالم والإنسان إلى ذروته . على سبيل المثال كما عند سوفوكليس وأسخيلوس . وفى وقت متأخر ، عندما يحاول الجنس الدرامى فى الوقت نفسه أن يحافظ على وحدته ، ولا يدفع بها إلى الألحان الأخيرة المفجعة ، يظهر ” المطلق ” المزعوم من ” الماكينة ” . والبعض يعتبر إبداعات يوربيدس فى هذا المجال إحدى أشكال التعطش إلى الحل الوسط الذى يقدم نهاية شيخوخة الجنس الدرامى ، وانحطاطه . ومع هذا ففى ذلك حكمة خاصة ـ فهم النسبية ، ولو حتى النسبية القليلة لأية نتيجـة للموضوع . وإذا كان الموضوع مصطنع إلى درجة ملموسة ، فهذا أمر بديهى . وهو لا يلغى كل تلك اللوحة الخاصة بتنافر وتناقض الوجود ، التى كانت قد رسمت فى النص المسرحى ، ولكنه يعبر فقط عن حلم المؤلف فى كيفية تصحيح وتعديل تلك اللوحة .
النهاية ـ الخاتمة الجبارة للأحداث ، حيث الحضور الناضج ، بشكل أو بآخر ، لإرادة المؤلف أقوى بكثير من التطور المتواصل للحدث . النهاية ، بالطبع ، تتمم مصائر الأبطال ، تقدم حل الأحداث وختامها ـ تسرد ما انتهت إليه القصة كلها . ولكن بدرجة أقل تعتبر النهاية ـ هى حكم المؤلف على العالم الذى يمكن أن يكون إما قد لُعِنَ ونُدِبَ عليه ، وإما قد تم التغنى والتغزل به ، أو العفو عنه والغفران له . تقويم المؤلف هذا للإمكانيات المحتملة للعالم يكون أفضل أو أسوأ مما تم افتراضه منذ البداية . وهذا اختيار لشكل النتيجة أو الإجمالى المطلوب .
” السيد ” لبيير كورنى ـ تراجيديا بنهاية موفقة . هنا تُقَدَّم للعالم ملاينة واضحة . ولكنها ليست شديدة إلى تلك الدرجة التى يمكنها أن تخلص من الإحساس بالتوتر التراجيدى . معنى ذلك أن ظاهـــرة ” القوة الثالثة ” للسلطة المطلقة المثقفة ، على أية حال ، لا تُفْهَم كعامل مُنَسِّق ـ مُهَرْمِن ـ عام على الإطلاق . الأبطال أنفسهم ، فى عالمهم الخاص ، غير قادرين على حل خلافاتهم بإيجاد حلول وسـط مناسبة . إضافة إلى ذلك أيضا إيجاد تبريرات لائقة لهذه الحلول الوسط . وهذا ، وهو الأمر الأهم ، ما يجب أن يمزق ـ يعذب ـ المتلقى . إن أبطال الكوميديا السوداء ” طرطوف ” يظهرون فى مواقف مشابهة . فقد بدا أنهم انتصروا عندما كشفوا فى نهاية الأمر النفاق بصورة واضحة ، واعتقدوا أن الأمر كله يتلخص فى العثور على حقيقة الإنسان وإظهارها ، وفى أن يؤمن المخطئون والغاوون بهذه الحقيقة . فى ذلك الأمر يتم استهلاك جميع القوى . ولكن يتضح أن إدراكهم غير كاف لتغيير أى شئ من عالم مؤتمت . والحقيقة بالنسبة لدائرة الشخصيات ليست بعد هى الحقيقة المطلقة بالنسبة للجميع . ويمكن القول إن الأبطال يخسرون مع طرطوف فى المعركة ، وليسوا هم أنفسهم فى حالة تسمح لهم بتوبيخه . يجب أن يظهر رسول الملك لكى تقال الكلمة الأخيرة ـ الفاصلة ـ فى صالح الأبرياء والمظلومين . ومرة أخرى تفشل المبادرة الخاصة من دون مساعدة النظام الملكى ، من دون القوة الرسمية . الصراع يُحَل ليس من داخل عالم الأبطال ، ولكن من مكان ما من الخارج . ذلك يعنى أن عالم الأبطال غير كاف فى حد ذاته ، ولا يمتلك الطاقة اللازمة لتنسيق وهرمنة ما يحدث .
تلك النهايات ” الموفقة ” تنطوى على أحزان أكبر بكثير من سعادة الحلول الميلودرامية وهنائها . هناك ، كقاعدة ، عالم الأبطال الخاص نفسه ، يبحث فى نفسه عن القوى الإيجابية من أجل حل الموقف . فى نص إدوارد بولفير ـ ليتون ” سيدة من ليون ، أو حب وكبرياء ” ( 1838م ) ، يعود البطل بعد طول غياب ، بالضبط فى تلك اللحظة عندما يحين منع الزواج البغيض الذى يهدد البطلة . وفى نص برنارد شـو ” تلميذ الشيطان ” تصل المساعدة فى الوقت المناسب إلى البطل ، وفقط فى ذلك الوقت عندما يكون قد وقف تحت المشنقة والأنشوطة فى رقبته . تلك الأساليب ـ ليست على الإطلاق مجرد استدرار رخيص للتوتر والقلق . هنا من المهم توضيح أن ” المطالبات ” بالنهاية السعيدة ، وغير السعيدة تتعايش مدافعة فى الوقت نفسه وبشكل متزامن عن حقها فى التجسيد . عندئذ يتضح أن الاحتمال غير السعيد كما لو أنه يستفز ويدفع على تنشيط الاحتمال السعيد . وبمجرد أن تصبح الكارثة تقريبا حتمية ولا مفر منها ، تقوم القوى الخيِّرة بضربتها . إلى ذلك الحين تبدو تلك القوى نائمة أو مخدَّرَة ـ هى لا تستيقظ من دون حدث مضاد ملائم وجدير . مثل تلك الحلول لا تظهر ضعف الشر بذلك القدر الذى تحدد به ” سيكولوجيا ” وإيقاع ظهـور الخير . فكم من الصعب عليه أن يكون هكذا وظيفيا !
من عملية التزامن ينشأ مدخل إلى التتابع ـ إلى الحل ، وفى تقدم ما وازدياد سوف تعمل مصادر الجيد والسئ على إظهار إمكانياتها . فالمساعدة القريبة والحماسة يمكن ـ وأسفاه ـ أن تصل فى وقتها ، ولكن بعد الإعدام الذى يكون قد تم تنفيذه . ومن الممكن أن يعود الحبيب بعد انتهاء عقد قران خطيبته على آخر . ففى نص بيرس بيش شيللى ” تشانتسى ” تعزم الفتاة الشابة الفاضلة ، التعيسة ، بياتريتشا على قتل أبيها الشرير الفظيع ، المستبد . وبعد دقيقة من تنفيذ عملية القتل هذه يظهر حماة القانون الذين قرروا فى نهاية الأمر القبض على المجرم . ( فى الميلودراما نبهوا إلى مبادرة البطلة وإن كان لنصف دقيقة ) وبدلا من تشانتسى يلقون القبض على بياتريتشا التى يقومون بإعدامها بعد ذلك متهمين إياها بقتل الأب . فى هذا التقاطع من الاحتمالات المتوقعة والتى تحققت بالفعل ـ السخرية القاسية للمؤلف ، وأكمل وأتم عملية تجريد للكون كله من الاحترام والمجد . ولكن بموت بياتريتشا البشع ، وبشكل متناقض ظاهريا يبدو كما لو أن شيللى ينتقم من العالم متهما الدولة والحظ بالجور وسفك الدماء إلى حد التطرف . وهناك الجملة الشائعة جدا : ” المؤلف قتل بطله / بطلته ” ولكن من المهم جدا أيضا بأيدى من فعل ذلك ـ بأيدى مجرم متمرس فى الإجرام ، صديق ، حبيب / حبيبة ، الدولة ، مصادفة مهلكة … وهكذا . ذلك يتوقف على مدى يأس المؤلف من الواقع ـ ودرجة مشاطرته ليس فقط للمقتول ، ولكن لمن يَقْتُل أيضا ( أو أن غياب أية مشاطرة هو ما يبسط على الفور مجمل التركيبة الفنية ) . فإذا كان ياجو هو الذى قتل ديدمونة ، لِمَا كان هناك تراجيديا ، ولظهر ما يسمى بـ ” الدراما الدموية ” .
درجة المشاطرة يمكن أن تكون معلنة فى النهاية ولا تأتى على مستوى الحدث ، وإنما منطوقة على مستوى الملاحظات والردود . وهذه الملاحظات والردود قادرة على التأثير الشديد من أجل التحكم فى الإدراك ، وكأنها مجبرة مهما كان الأمر على التحديد ـ مع مَنْ يجب على المتلقى أن يتحد ذهنيا ، وكيف تتم معالجة الماضى ، وإلى أى جنس درامى تنتسب . بعد مشهد انشقاق الأرض وابتلاعها لدون جوان ، نرى سجاناريل وقد أخذ يقرأ فى أثره شعرا غيبيا : ” آه ، مرتبى ، مرتبى ! ” هذه النهاية الفريدة من نوعها والتى ترغمنا بقوة مضاعفة على مشاطرة دون جوان ، هى بالنسبة للبطل كئيبة على وجه الخصوص ، وكوميدية أيضا . الفاجر قد عوقب ـ ولكن الذين بقوا أحياء يشعرون بالخزى والعار ، ولكن بدلا من سجاناريل ببرجماتيته الشحيحة كان من الممكن أن يدخل أحد ما آخر كممثل لذلك العالم الذى مازالت الأرض تحمله … على سبيل المثال ، السيدة ألفيرا ، والأفضل أخوها الذى أنقذه دون جوان منذ قليل . أو ربما كان دخول التماثيل من شأنه أن ينهى الأمر . ولكن لا يوجد ذلك العطف تجاه دون جوان والذى يمكنه إرغام موليير على إخراج غيظه فى الأحياء لكى يكللهم بالخزى والعار فى رشاقة وكياسة ، وفى لمح البصر .
وفى كوميديا أخرى سوداء ” صاحب العقل يشقى ” تبدو أيضا صيحة فاموسوف ” آه ، ماذا يمكن أن نقول للأميرة ماريا ألكسندروفنا ! ” كما لو كانت تبرز عدم التناسق التراجيدى فى روح كل من تشاتسكى وصوفيا . إلا أن خط فاموسوف كله هنا ملئ بالحوادث بدرجة ما ، وقائم بذاته مما يجعل كل ما يحدث ليس مجرد عملية ” هبوط ” ، وإنما عملية انتقال إلى مقام آخر . فى المقدمة يخرج ، مرة أخرى ، الناس الذين يعرفون كيف يعيشون ، ومن ثم تنتهى آلام وعذابات تشاتسكى . تشغلهم مشاكل أكثر تفاهة ـ تشغلهم بشكل وبائى معد للغاية . إن جريبويدوف ، عن طريق ردود وملاحظات فاموسوف ، كما لو كان يعرقل الإحساس بالتنافر الكامل ، وإدراك أن كل الفظاعة ـ فى قوة الدفع الذاتى للحياة المتواصلة ، وفى عاداتها التى لا يمكن لأى شئ أن يبطلها ويلغيها ، وفى أن هذه الحياة تمتلك حق الوجود بغض النظر عن أن تشاتسكى ليس له مكان فيها . وإدراك كل ذلك ـ وفهم أنه بدلا من البغض والكراهية فإن عالم فاموسوف يحصل منا على الرفق والتسامح . لأنه من الممكن جدا أن يكون جديرا تماما بالرفق والتسامح .
إن عدم إمكانية تمركز الحزن والضحك كليا فى خندق ممثل ما واحد تنهى وتتوج نص مسرحية جريبويدوف ، لأن خلف كل واحد منهما ـ الحزن والضحك ـ يقف عالم بأكمله . والإحساس بالحزن المتفجر بصورة لا داعى لها ينهى ” العاصفة ” لشكسبير عندما يتركز فى أشعار النهاية من دون شك ، فكل شئ قد تم بشكل جيد ، أقيم العدل والأبطال ينطلقون لاستقبال الحياة السعيدة . ومع ذلك فكل جوهر دراما الباروك يكمن فى أن الجنس الدرامى كما لو أنه يشعر بنقيصته الذاتية . وهى تتلخص فى العجز ، بشكل عضوى كبير ، فى الابتكار الحر وتطوير الخط مع حل موفق للصراع . وفى دراما الباروك ، وعلى العكس من كوميديا عصر النهضة المبكر ، يظهر إحساس بأنه كلما كان السعى إلى حل موفق أقوى ، قل اليقين فى وجوده بالعالم الواقعى . إن الجنس الدرامى ، وكأنه ، يرى بنفسه أنه عندما يصمم نمـوذج للعالم ، فهذا النموذج يختلف كثيرا عن الأصل . الفنتازيا هنا منطقية ومطلوبة ـ إذا كانت الحياة لا تستطيع ذلك ( ونحن نعرف أنها لا تستطيع ) ، فعلى الأقل نصنع نحن تلك المواقف ونقوم بحلها . هكذا ” يقول ” الجنس الدرامى لنفسه . والنبرة السوداوية للنهاية تظهر لأنه تأتى لحظة الافتراق مع النموذج الفنى المصطنع ومع جلسة الهارمونيا والتجانس ، والتى من الواضح أنها لا تمتلك استمرارية فى فضاء الحياة العادى .
دراما الباروك الشكسبيرية تحصل ، من ناحية ، على مشاعر مريحة نفسيا . لأن جميع التقلبات التى ليس لها مثيل فى الحياة العادية مع النهايات السعيدة مقنعة جدا ومغرية . وهى ترتكز على التعطش والحاجة لكى تُشْحَن بالذات فى ذلك الواقع . ومن ناحية أخرى ، من الصعب ألا نبدأ الشك فى هشاشة وضعف اللوحة المُتَخَيَّلة . من الصعب ألا نرى كيف يحافظ المؤلف بعناية على كمالها الجمالى ـ الإستيطيقى ـ والأسلوبى ، وعلى انعزالها وانطوائها على نفسها .
عموما ، فأى جنس درامى يحصل على مشاعر الراحة ـ وبالذات الراحة ، وليس الاسترخاء والنوم . الراحة تتلخص فى أنه من أجل تفسير العالم لا يجب إفزاع المتلقى من هذا التفسير ، لكى يكون المتلقى قادرا على تقبل أكثر اكتشافات الجنس الدرامى من حيث الرعب والسعادة ـ بإلهام ومـن دون خوف ، ومن أجل أن يظهر ، إذا كان ذلك ضروريا الإحساس باليقين فى عدم إمكانية التغلب على الصراعات ـ ولكن إطلاقا ليس إحساس عدم الثقة المرهق الذى يقبض النفس من كل ما هو موجود .
ليس مصادفة أن التراجيديا تفترض وتطرح عملية التطهير . ففى التراجيديا ، البطل ـ ونحن أيضا ـ يجب أن نعيش الإحساس بعدم الهارمونية والتنافر الكلى ، ويجب المرور بذلك الإحساس وليفرغ العالم على خشبة المسرح كل ما هو فظيع ـ ولكن فقط من الأفضل ، من دون بقايا لكى نعرف أن أسوأ شئ لا يتوارى فى مكان ما فى مكمن ، وإنما هنا ، أمامنا ، البطل ” يأخذ على عاتقه ” الضربة التى يجب أن يتلقاها على أية حال أحد ما آخر . والضربة حتمية لا مفر منها ، ولكن فى مقابل ذلك يكون البطل فى عمق مركز الكون . لأن التراجيديا تكشف أن فى مركز الكون ـ دائما الصراعات المفجعة التى تفتت القلب . وأن تكون بطلها ـ تكون رمز الإنسانية ، تكون الأول ، والمتفرد . إن حماسة الانفعال بالأحداث ذات النطاق الضخم ، والنهاية التى تضع نقطة لهذه الانفعالات ، والتى توصلها إلى الدرجة القصوى التى تبدو كاملة ووافية ـ هى أشياء ضرورية للتطهير ، وللتنوير والتخفيف . لا يجب أن يكون هناك أسف أو حزن حقيقيين على الأبطال التراجيديين الشهداء ، حيث أنهم سيكونون موضع العطف والشفقة إذا ما بقـوا أحياء . هل من الممكن طويلا احتمال هذه العذابات والآلام ؟ ألا يستحقون انتهاء الآلام ، والنهاية المطلقة للمعاناة ؟ وهل هم فى حاجة إلى تقدير ما ، أو وسام ما ؟ لا داعى لأى شئ ، فليس هنام ما يعجبهم أو يرضيهم . إنهم يستطيعون بشكل كامل وتام وملائم أن يحققوا أنفسهم فقط فى المواقف التراجيدية ، ولا يوجد لديهم ، ولا يُفْتَرَض أن يوجد طريق آخر .
وعلى العكس ، فكل راحة الميلودراما ليست إطلاقا فى التوجه الأحادى القاطع والنهائى للحدث ، وإنما فى الحلم باصطياد أرنبين فى وقت واحد بنموذجين لجنسين دراميين و ” تقاطعهما ” . فمن ناحية ، يوجد تعطش إلى الارتباط بالكوارث والعذابات ـ ولكن ليس إلى حد المصير الأليم بتضمين كل شئ ( كما فى التراجيديا ) ، وإنما بـ ” الاستثناء ” تاركة لنفسها إمكانية العودة إلى العالم الاعتيادى الساذج . هنا يظهر الشعور المُدَغْدِغ الخاص بعملية الإفلات الموفق من الخطر ، ومقدرة الظهور فجأة من خضم عواصف الحياة . هنا يتملقون الإنسان عندما يهدون إليه دور المنتصر . إن البطل التراجيدى ليس فى حاجة إلى تلك الأدوار ـ يحسدونه على مصائبه مدركين قيمتها العظيمة وعدم إمكانية توافرها لكل واحد ولأى واحد . التراجيديا تسحب وتصادر مفهوم النجاح فى الحياة من قائمة المقاييس التى تنطبق على ما يميز نطاق الهوية الشخصية واستحقاقها . والميلودراما تناضل من أجل عالم خال من السآمة والملل ، وليكن ما يكون من الكوارث والحرمان والآلام . فمهما كان لا يجب أن يعيش الأبطال فى ملل ـ وأن يرتبط المتلقون بذلك الوجود الواضح فحسب .
يبدو أنه من البديهى أن الكوميديا المرحة يجب أن تشحن الجو بالراحة . إلا أن صنع الإحساس بالراحة هنا ليس بالأمر السهل ـ علينا أن نصنع مصدرا إيجابيا مفهوما للجميع ، وأن نحرص على يقينيته وإقناعه ، وطبيعة كماله ، ونهايته . إذ إنه من المفهوم أن التراجيديا يجب أن تنتهى بمقتضى أسباب معينة واضحة . ولكن لماذا بشكل عام يجب إنهاء الموضوع المرح ، إذا كان كل شئ فيه جيد بهذا الشكل ؟ التراجيديا تنتهى نظرا لأن القوى الروحية والبدنية للأبطال ليست أبدية . والكوميديا تنتهى نظرا لأن الهارمونية التى أقاموها تضايق وتجهد بشدة ، طوال الوقت ، الديناميكية اللانهائية ـ يمكن أن تنهار . والرهبة الخفية تفقد الهارمونية عندما تبدأ التمعن فيها وتأملها ، وتضع البناء الشائع شرطا للكوميديا المرحة . وكقاعدة ، فهذا هو الطريق المرح إلى الهارمونية المرحة . وتلك الرغبة لـ ” الاحتفال بالعيد ” هى بداية مرحلة حياتية ما محددة لن تكون أبدا وسيلة للكوميديا . ودع الجميع يفرحون ، يتحامقون ، وفى النهاية سوف يتجمدون فى خضم السعادة التى حصلوا عليها للتو . ويكفى أن الجنس الدرامى ليست لديه إجابة عن ما بعد ذلك . هل سيحافظ الأبطال على السعادة ، أ لن يسأمونها ، أ لن تنهار تحت ضربـات القدر ؟ إذ أن هناك العديد من المخاطر ، مثل الوجود الدائم للموت ، لأنه فى الكوميديا ” فيما بعد ـ هو الصمت ” .
عندما يكتب بومارشيه ” زواج فيجارو ” بعد ” الحذر عديم الجدوى ” ، وبعد ذلك ” الأم المذنبة أو طرطوف الثانى ” يصبح من الواضح فورا مدى الصعوبة التى تقف أمام الأبطال ، وأمام عالم الكوميديـا كله ، فى عدم فقدان حماستهم وتوقدهم وبداياتهم المضيئة وطاقة التمسك بالمواقف الحياتية اليقينية . إن الحفاظ على الهارمونيا وإعادة إنتاجها أمر يصير أكثر ثقلا وكآبة . فالثنائيات المثالية السابقة تكف عن الظهور كما كانت فى حالاتها السابقة ، أو تفقد فعليا بريقها . وعلى خشبة المسرح يجب أن تدخل الثنائيات الجديدة التى تتعهد أن تكون مثالية ، إلا أن إمكانية أخذ نفس جديد تصير أصعب ـ فى النص المسرحى الثالث يتضح أن أمتع وأهم بطل ليس الشخصية ” الإيجابية ” ، وإنما الميجور بيجيارس ، طرطوف الثانى . الكوميديا الأولى ـ كانت لعبة بارعة . والكوميديا الثانية ـ كانت اقتران الاضطراب المحموم لـ ” يوم مجنون ” بالدفاع الحماسى عن الشرف . والكوميديا الثالثة ـ كانت الصراع مع آثام الماضى ، والصراع من أجل ” البقاء الأخلاقى ” و ” الصداقة ضد ” المحتال .
الكوميديا السوداء لا تعطى المتلقى إمكانية رصد وتأمل جبل الجثث فى النهاية ، وتترك الأبطال يواصلون الحياة ، ولكن بالذات من أجل الإحساس بأن وجودهم لن يدخل إلى مجراه الطبيعى . سوف يظلون أحياء من أجل أن يشعروا ـ أنهم لا يستطيعون الفعل والتأثير . مايزال هناك وقت بعد، ولكن ” النابض ” الروحى الداخلى قد كف عن العمل . وهكذا يظهر المشهد الأخرس الشهير لـ “المفتش العام”. من الممكن أن يكون المأزق الحياتى مسليا على طريقته . كما أن عملية “الإدراك” المؤلمة من الممكن أن تكون هزلية للغاية . وهذا ليس من الضرورى أن يكون بأسلوب “التناقض”، ولكن أن تكون اللعبة فى انسجـام وتناغم. وكان من الممكن ألا يكون كل ذلك هزليا ومضحكا لو لم يكن محزنا وكئيبا إلى هذا الحد.
ولعل الكوميديا السوداء بالذات تتلاصق تماما مع الحد الذى يكف بعده الجنس الدرامى أن يصبح جنسا دراميا . وليس مصادفة أن تشيخوف كان يحب تسمية نصوصه المسرحية كوميديات على وجه التحديد ، على الرغم أنه مع مثل تلك النجاحات يمكن أن نطلق عليها أيضا تراجيديات . ولكن فى الكوميديا الدرامية السوداء فى الوقت الحاضر لم يُفْقَد بعد تطابق كل نبرة مع نفسها . الهزلى فيها ـ هزليـا ، الكئيب ـ كئيبا ، المرح ـ مرحا ، اليأس ـ يأسا وليس أى شئ آخر ، والنوتات المنخفضة والحماس يتواجدان معا ويمتلكان الحق فى ألا ينسكبان فى آن واحد ، وألا يحاولا نفى بعضهما البعض . نعم ، من الجائز تماما أن الاستنتاج الوارد فى نفس تلك الكلمات والمواقف والأفعال يمكن الإحساس به على الفور وفى الوقت نفسه ، إلا أنه يوجد صفاء ، وفصل لكل لون على حدة . وهناك يقين بأنه يوجد لكل تلك الألوان مسميات معروفة محددة . ففى نهاية ” لكل حكيم هفوة ” لأستروفسكى ، يكون الإيقاع والحالة النفسية فى غاية التعقيد ، ولا يمكن تحديدهما . فى الماضى كان جلوموف يمرر يمرر مغامراته عابثا ومداعبا من خلال نجاحه وتوفيقه ، من خلال تفوقه ، ومن خلال ازدواجيته ونفاقه . الآن همد عن كل ذلك ، وفى الوقت نفسه اشتعل بأحاسيس جديدة حادة ـ يعبث من خلال الفشل والإحباط ، ومن غياب الإحساس بالانسحـاق الموجود . أما الآخرون فيتلقفون فكرة جلوموف عن نفسه بحيرة وذهول ، وأيضا بتبصر ، وغضب ، وبقسوة مستهترة وقحة . يحدث إخراج عملى ـ متيبس من حيث الإيقاع ، غاية فى التقشف والزهد للبطل من دائرة معارفه والمحيطين به ـ قبل ذلك جرت عملية إدخال هوجاء ، مليئة بشعور النشاط والخفة ، فيها حماية ساذجة للبطل فى وظيفة ” الشخص التابع له ” . وفى النهاية ، يظهر أفق محتمل لعودة البطل ، وتكرار إدخاله فى دائرته . وشجار عليه القوم لا يتناقض مع الإيقاع القريب من حديث الاختصاصيين ـ البراجماتيين ، الذين لا يريدون السماح بانصراف شريك قوى مهما كان ثرثارا وقحا .
ولكن كيف يسير الأمر بالنسبة للصفات النسبية المعقدة للنهاية ، على سبيل المثال فى ” الشقيقات الثلاث ” ! تشيبوتيكين يخبر أولجا هامسا فى أذنها ، بموت البارون ـ لماذا ، إذا كان الأمر صعبا عليه ، إذا كان متعبا ومحسورا وليست لديه قوة على احتمال ذلك ؟ أم حقا تُبْذَل آخر القوى لكى لا ” تتشتت ” نقطة الذروة الحماسية ؟ وربما تتعلق ملاحظة ” أ ليس سيان ! ” ـ الخاصة بالقتيل ، برد فعل الشقيقات ؟ لمـاذا ” فليبكين قليلا ” ؟ بمعنى أنه يمكن أن يبكين ، ويمكن ألا يبكين ؟ وهذا بالفعل ما يحدث . ماذا تعنى الكلمات الأخيرة ، المونولوج الختامى ، التعطش إلى الحياة ، انبعاث غريزة مواصلة الحياة واستمراريتها ؟ أم أن ذلك هو حقا مجرد محاولات لإقناع النفس . فالشقيقات فى واقع الأمر كن يشعرن بما حدث للبارون الأمر الذى جعلهن يمتن أيضا بدرجة ما . وأن موت توزينباخ ـ أحد رموز انعدام حياتهن . فلماذا نسمع فى الكلمات-التفاؤل، الثبات، الإملاء المسبق للكلمات التى يجب أن تنقش على أضرحتهن ؟ هل تقنع كل واحدة منهن الأخرى … إما الحياة ، أو عدم الخوف من الموت ؟-لا أستطيع الإجابة إلا بآخر ملاحظة “لو أننا ندرى، لو أننا ندرى”، وذلك نظرا لأنه من الصعب الانفصال عن الإحساس بأن جميع الاحتمالات والتفسيرات غير مجدية أو دقيقة. ومهما قلنا أو فكرنا، فالأمر سيان: لن نصل إلى جوهر الموضوع. من الممكن التفسير والتأويل طويلا، ولكن على أية حال لن نصل لا من قريب أو بعيد إلى المعنى الموجود.
وبشكل عام ، فمن مع من يتحدث ؟ ومن يقول كل ذلك لمن ؟ ومن أجل أى شئ يقوله ؟ لماذا لا يعمل أى أحد أى شئ ؟ لماذا لا يناقشون الموت نفسه بدلا من الدخول سريعا إلى مناقشات عامة ؟ حقا ! فقد وجدوا الزمان والمكان المناسبين للفلسفة ! ولكن حسنا ، لنفترض جدلا أن نص ” الشقيقات الثلاث ” قد سُمِّى دراما . ولكن ” النورس ” ـ كوميديا ، فيها تثبيت وتقرير للموت ، للانتحار الذى اندس فى الأحاديث عن هذا وذاك ، وعند هذا الحد يتم كل شئ وينتهى . مثل تلك النهايات خارج الكتابة المسرحية ذات الجنس الدرامى تكون إحساسا بالانعدام العام والملئ بالراحة . وتبقى جميع المشاعر غير معبر عنها حتى النهاية ، وغير واضحة أو مفسرة ، ومحبوسة ومحاصرة فى الداخل بشكل أقوى حتى مما كانت عليه فى البداية . فلا أحد يبدى أفكارا حول أى شئ بشكل مباشر وصريح . والعملية الدرامية لا يمكنها بأى حال من الأحوال أن تنسكب من تلقاء نفسها ، و ” تنفجر ” بإيقاع جبار . ويبقى انطباع عدم إمكانية تحقيق الصراعات فى الأحداث وفى ردود أفعال الشخصيات . حتى يبدو وكأن الحدث التراجيدى الخارق للعادة غير مرئى أو مُلاَحَظ ، ولم ” يتمكن ” منه الأبطال ، بل وفقدوه على المستوى الروحى . عندئذ يجب على المتفرج أن يقوم باسترداد كل ما فُقِدَ ويمرره من خلال نفسه . وانتظار العون من الشخصيات أمر غير ذى جدوى ـ سوف يكون رد فعلهم ” ليس منهم ، ولا من عالمهم ” . وذلك مثلما لو أن عطيلا عندما خنق ديدمونة ، كان بإمكانه أن يقول : ” آه ، من المحتمل أنه فى هذه الـ … أفريقيا الآن حرارة شديدة ـ شئ فظيع ! ” .
العلاقات المُتَباَدَلَة فى الفراغ والزمن
الجنس الدرامى يضع لوحة لذلك العالم الذى مازال يوجد فيه بعد الحد الأدنى من العلاقات الطبيعية المتبادلة . ومن البديهى أن الشخصيات يمكنها أن تتخاصم وتتشاجر ، وتستخف ببعضها البعض ، وتهين ، وتصب اللعنات ، ولكنها ، كقاعدة ، تستمع ، بل تصغى إلى بعضها البعض ـ وإن كانت لا تسمع دائما بشكل صحيح لكى لا تفهم أو تفسر . ومع ذلك يوجد إرشاد أولى بأنه من الضرورى أن تسمع المتحدث ، وأنه من الضرورى أن تتحدث متوجها إلى أحد ما ـ إلى الشخصية الأخرى ، إلى المتفرج ، إلى النفس ذاتها . وليس مصادفة أن النص ذا الجنس الدرامى التقليدى يسجل بشكل خاص الملاحظات فى جانب ـ وهذا استثناء من القاعدة . حيث إن ذلك الجزء من النص قد تم وضعه عمدا ليس من أجل شخصية بعينها ، وإنما إما للمتفرج بشكل واضح وصريح ، وإما من أجل التسجيل الذى لابد منه فى الواقع الموضوعى بهدف التصوير فى الفراغ الخارجى .
فى الجنس الدرامى ، من المهم للإنسان ما يقوله بالذات ـ مهم على الدوام . ومهم أيضا حماس التظاهر الذاتى الفردى ـ حماس الخروج إلى خارج الأفكار الداخلية ، والمُعَايَشَة . فى الحقيقة يبدو العالم الداخلى عموما كما لو أنه قد كف لفترة زمنية ما عن الوجود النشط فى مواجهة العالم الخارجى . هذا التقسيم لم يعد صعبا أو ذا أهمية خاصة . المسرح ليس فى حاجة إليه . أهم شئ على الإطلاق أنه من الضرورى أن يتم التعبير والإفصاح عن كل شئ ـ حتى وإن كان بصورة مدوية ، حتى لو ” تُرِك فى حفظ ” الفراغ المحيط وساكنيه . لأن هذا الفراغ وسكانه ـ هو الحقيقة الموضوعية الوحيدة للعالم المسرحى .
عند صياغة جماليات ” التيارات الغائصة ” ، أى ما بين السطور ، يكف الفن الدرامى المسرحى عن الاعتراف بأن العالم المسرحى البديهى ـ الواقعى ـ المُعْطَى لنا من خلال أحاسيس مباشرة ـ هو منظومة واحدة عامة وشاملة ، مفتوحة من أجل الإدراك المباشر . الجنس الدرامى يسعى لفتح ثغرة ، والدخول إلى جوهر الكون ، وعرض نموذج لهذا الجوهر . أما ما هو خارج الجنس الدرامى فيعطى مفهوما بأن الموضوع الرئيسى للدراما ـ هو إخفاء الجوهر ، العجز الحتمى للواقعية عن تقديم هذا الجوهر بصورة مباشرة فى شكل جاهز محسوب ، وخال من المصادفة . ولكن ماذا ترون بخصوص التصرف مع ملاحظـة ” وفى باريس طرتُ فى منطاد ” ؟ ماذا تخص ؟ كيف وأين يمكن التأثير والتطوير فى الأحداث فيما بعد ؟ لا كيف ، ولا أين .
إن علاقة الشخصيات فى الجنس الدرامى ، كقاعدة ، أكثر إمدادا بالمعلومات مما فى النصوص التى خارج الجنس الدرامى . فهذه الشخصيات لديها هدف تعبر عنه بشكل واضح و” قوة مُوَجِّهة ” للردود والملاحظات ـ المشاركة فى الانفعالات والأخبار والمفاتحات ، والمعرفة والتوصل إلى شئ ما ، والاستمالة والتحريض ضد شئ ما ، الاستفزاز ، توضيح شئ ما ، الاتفاق على نحو ما . تلك الردود والملاحظات تعنى فعالية الدوافع ونشاطها ، شحذ الإرادة ، الاهتداء إلى المُرْسَل إليه . وإذا كان هناك ما يمكن قوله ، فمن الضرورى التحدث ـ لأنه إذا كان المضمون غير موجود فى العالم الخارجى ، فهو ليس موجودا فى أى مكان آخر . يبدو وكأنه غير موجود ، ولكنه يولد عندما يُصَاغ أو يُشَكَّل فى ديالوج أو مونولوج واقعى . ولا يمكنه أن يوجد بشكل آخر .
من الواضح أنه فى الجنس الدرامى لا يوجد أيضا موضوع العزلة بشكل حقيقى . من الممكن دائما التحدث مع أحد ما هناك ـ حتى ولو كان من المستحيل التوصل إلى اتفاق أو التفاهم فيما بينهما ، حتى وإن كانت العلاقة مليئة بالصراعات الحادة ، وتدل على عدم فهم البطل للشخصيات الأخرى . ومع ذلك فالعلاقة المُتَبَادَلَة تكون أكثر قوة مما فى الأعمال الخارجة عن الجنس الدرامى . إن ” ألتسيس ” يجد من يتبادل معه الملاحظات اللاذعة ، ويرد عليه بسخرية ، ويوبخه ، ومع من يتقاتل . تناقضات مواقف الحياة المختلفة تُشَكِّل مشادات صدامية ، وارتباطات ، وخصومات ” مدججة بالسلاح ” . العلاقات المُتَبَادَلَة موجودة فى حالة تشبع ـ بكثرة فى ” الموحش ” .
أما الأعمال الدرامية التشيخوفية فمن طبيعتها الإحساس المضجر بعدم إمكانية إجراء ديالوج مباشر وصريح ، وكأن الشخصيات من دون أى داع ، وبلا ثقة فى إيجاد سبب ، ترسل الملاحظات والردود فى الفراغ . ليس من أجل الإبلاغ بشئ ما ، ولكن على نحو ما ، من أجل إيجاد رد ما قريب ، أو شريك فى الديالوج . فكم هى فى حاجة ملحة وضرورية إلى علاقة وطيدة ـ وكم تلك العلاقة غير موجودة . من الضرورى التنويه عن طريق وسيط بحالتهم الداخلية التى لا تُوَفَّق إطلاقا فى الظهور إلى الخارج ، وكأنهم يعانون من عدم امتلاكهم لعالمهم الداخلى ـ لا يمكنهم امتلاكه والتصرف فيه ، ومن ثم ” منحه ” لأى أحد آخر . إنهم ، بالحرف الواحد ، معزولون ووحيدون ـ لأنه فى أغلب الأحيان لا تصل ردود وملاحظات الواحد منهم إلى الآخرين ، تتعلق فى الخواء ، تضل وتتوه فى قلق دون أن تجد لنفسها مكانا بين الردود والملاحظات ” الضالة ” أيضا . وتلك الردود والملاحظات ما هى إلا مجرد أشياء غامضة ، غير مفكوكة الرموز ، وجزئيات من السرية والخفاء . الروح مثل البيانو المحبوس فى مكان ، والمفاتيح قد ضاعت ـ وهذه ليست مقارنة مغالية فى التزويق . إنها الصيغة التى تحدد بالضبط خصوصية بناء النمـاذج الشخصية . فتدمير منظومة الاتصال يقود إلى أن سبب ” فجوة ” الإفصاح الذاتى فى الجماعة المتلاحمة ـ الكثيرة بالضبط مثل سبب الإنصات ، يختفيان عمليا . وهما غير ضروريين حيث انعزال الشخصيات بعضها عن البعض الآخر ، وحيث يهيمن انعدام سببية الإفصاح مع غياب جدوى الحبكة .
على العكس من ذلك ، فالجنس الدرامى شغوف جدا بمثل هذه الأساليب ـ الأسباب . فقوة العلاقة المتبادلة المباشرة للذى يجرى فى العالم الخارجى شديدة للغاية ، الأمر الذى يتطلب بشكل دائم تكييف الزمن الواقعى والفراغ للمتطلبات المسرحية . الزمن والفراغ يلتصقان ، يصبحان مثل أدوات التمثيل المسرحى . يظهر فيهما شئ ما ، أكثر من كونه ماديا محددا ، مطاطا ـ حيث إن المسرح يوجه الزمن والفراغ كشكل ديناميكى مرن . ويتحقق الانتصار على عدم قابلية التجزئة للمجال الجوى الذى يكون فيه مدى سماع الصوت ـ شيئا ما غير مُوَجَّه . انتصار على اللامحدودية وعدم إمكانية الرؤية ، أو الانعزال وضيـق الفراغ . وسوف يكون كل شئ بالضبط كما تتطلبه الدراما . وسوف تختفى الصفات الواقعية للوسط الخارجى . ويظهر إحساس ما بالقوة الإبداعية ، الذى سيملى على الفراغ خصوصيته . ولو كان المؤلف فى حاجة إلى مونولوج مطول يقال فى حضور أشخاص غرباء ، فلن يسمع أحد . وعندما يكون من الضرورى همس ماكر ، فلن يتنصت أحد إطلاقا ، ولن يرى الشخص الثالث الموجود هنا بالفعـل . أو العكس ، تجرى عملية تنصت . وعندما يكون ذلك فى صالح المؤلف الدرامى ، تظل الشخصيات لفترة طويلة لا تلاحظ بعضها البعض على الرغم من أنها موجودة فى فراغ واحد . والعكس ، ترى بعضها البعض إذا كان ذلك ضروريا لتطور الحدث . وهذا نفسه ما يتعلق عموما بفهم الجنس الدرامى الخاص بأى إمكانيات عضوية ـ نفسية للإنسان . إذا كان من الضرورى ، فالشخص سيقدم نفسه فى صورة أى إنسان آخر مهما كانت صفاته المرئية بعيدة عن الأصل المعلن عنه . ولو كان ضروريا ـ فهم يعرفون البطل ويستدلون عليه بوضوح تام . أو لا يعرفونه . أو ـ يعرفونه ولا يظهرون معرفتهم ، ولن يبوحوا بأى شئ عن اكتشافهم . إن إشكاليات ردود الأفعال النفسية المباشرة ، وعدم إمكانية التحكم فى القدرات الخارجية الأولية ، ومحدودية الإمكانيات العضوية ـ كل ذلك فى حد ذاته لا يثير اهتمام الجنس الدرامى . وكل الاحتمالات والأشكال الأخرى ممكنة . الجنس الدرامى لا يتأثر بالتقدير الحتمى المسبق لصفات الإنسان الفيزيولوجية والنفسية . فليس هناك من حكم عليهم أن يكونوا هم أنفسهم فقط ، أو أن يعيشوا بإحساس أنهم لم يكونوا ، ولن يكونوا أنفسهم دون أن يدركوا من هم . الفقراء يلعبون أدوار الأغنياء ، المسنون يلعبون أدوار الشباب ، المشوهون ـ وسيمون ، الأشرار ـ خيِّرون الجهلة ـ علماء ، والعكس . نجاح مثل هذا المشروع يتوقف على إرادة الفنان ، حيث أن التخصيبات النفسية تصبح مجرد وظيفة للجنس الدرامى عندما تفقد قيمتها وقوتها . إن الكائن البشرى يمتلك تلك الحرية غير المتوقعة التى من الواضح أنها منزوعة منه فى الحياة العادية .
إن الفرد ذا النشاط المتزايد بشكل عام فى الجنس الدرامى لا يتأثر فقط بالجوانب الإيجابية والسلبية للحياة ، وإنما أيضا بالعلاقات العاصفة المؤثرة ، المتبادلة ـ مع الزمن والفراغ ونسيج الحياة . الجنس الدرامى يقدم للبطل المواقف المختلفة عن مثيلاتها فى الحياة . وهى تستحوذ على المتفرج ـ القارئ وتجتذبه تركيبتها الشجاعة وخطرها . دون جوان يتحدث بشكل متواز مع اثنين من الفلاحين . وهذان ، يرى كل منهما الآخر ، وهما فى الوقت نفسه يقفان بالقرب تماما منه ـ لكن التيار الزمكانى يبدو كأنه ينفصل طبقة طبقة . يبدو وكأن الأبطال إما يوجدون فى فترات زمنية مختلفة ، وإما فى فراغ متهشم إلى أجزاء صغيرة ، ومستغلق على العيون والأسماع الغريبة . الفتيات ” منومات مغناطيسيا ” ، عمياوات ، صماوات تحت تأثير دون جوان . وفى ” زواج فيجارو ” يختبئ عدة أشخاص ، فى وقت واحد ، فى فراغ المقدمة الصغير الضيق فى حين يوفقون فى تبادل ” مخابئهم ـ واحد فقط يترك الأريكة ويذهب إلى هناك ليُغَطِّس واحدا آخر فى ذلك ” المكمن ” . وفى ” مدرسة الوشايات ” ، فى حدود غرفة واحدة ، يمكن لبعض الوقت إخفاء الناس الذين لا يجب أن يتقاطعوا مع بعضهم البعض . وتلك الشخصيات المخبَّأة تطل بالتناوب من مخابئها . ولكن ماذا لو طلوا جميعا فى وقت واحد ؟ فى نهاية ” زواج فيجارو ” تحدث بلبلة طويلة مع تبادل للأحاديث ـ الأبطال يتسللون إلى هناك ، ثم يطلعون إلى الخارج صوب الدهشة العامة وكأنهم يشاركون فى خدعة الصناديق ” السحرية ” بالسيرك .
من الممكن ألا نلتقى مع من اختفى خلف إحدى الأرائك . وليس من الجائز أن نمر بأحد أثناء تجوالنا فى عاصفة بالبرية . الملك لير ، البهلول ، إدجار ، كينج ، جلوستير ، كما لو أنهم استعدوا لحفل استقبالهم التراجيدى . ولكن كان بإمكانهم أن يظهروا كلا على انفراد فى لحظة ذروة المأساة . هاملت فى بداية تبادل الحديث بالذات مع هيرترودا يقوم بقتل بولونيا ، بعد ذلك يُجْرِى أيضا ديالوجا طويلا مع الملكة . كل ذلك فى وجود الجثة التى ، على ما يبدو ، قد صارت منسية ، وكأن هاملت لا يرى بولونيا القتيل . هو يرى شبحا ، يتحدث معه ، وكأنه حى . وبعد ذلك يجر الجثة على نحو وكأنه لا يرتعد خوفا أمام منظر الموت . يبدو وكأن البطل يعيش فى عدة حالات نفسية فى وقت واحد . كل لحظة ، وكل حدث بالنسبة له ـ منفصلة عن بعضها البعض . ولكن مع ذلك فالمشهد كله يتطور فى فراغ ضيق ، فى مقطع زمنى قصير جار ومستمر .
الجنس الدرامى يشكل لدى المتلقى انطباعا مزدوجا حول حرية الإنسان واستقلاليته . الإحساس بالحرية متوتر فى أمور عديدة . القارئ ـ المتفرج يتابع باستمرار كيف أن العديد من الأفعال وردود الأفعال مشروطة ، لا تشبه ما فى الحياة ، وكيف أن البطل لديه القدرة على تحمل الكثير ، وكيف أنه قادر على تحقيق الكثير . الأبطال يستطيعون مناقشة عدم جدوى الكون ، ولكن فى حدود الموضوع تتجلى على الدوام إمكانية توجه ديناميكية لكل ما يحدث . إن التجريدات العالية ، كقاعدة ، ترتكز بصورة ثابتة على الواقعة البسيطة المحددة للموضوع المفهوم للتفكير العادى . ولو كان الهدف الوحيد المناط بهاملت إعادة بناء ” الاتصال المقطوع للزمن ” لِمَا صار النص المسرحى شهيرا ومعروفا بوجه عام . من الضرورى أيضا فى النص أن يسعوا إلى عقاب الشرير ـ المغتصب للسلطة . ربما لا تخلو النصوص المسرحية ذات الجنس الدرامى من التعقيدات والمصاعب ـ ولكنها تصنع وهم إمكانية وضوحها وفهمها . سهولة الإدراك تقوم بشكل لا إرادى بعملية هرمنة انفعال المتلقى حتى ولو كان الحديث يدور حول تراجيدية فظيعة .
من ناحية أخرى ، فإمكانية تصميم الجنس الدرامى للفعل ، و ” تماسك ” الحدث للصراعات الضرورية ، واللقاءات والاستعدادات ” المفاجئة ” ، النجاح والفشل ، وخلافه ـ تولد نموذج البطل ـ الدمية الخارقة التى يوجهها المؤلف كما يشاء . البطل يستوطن ، أو يعيش بصورة عضوية أية حالة معطاة . الإنسان ـ كوحدة جمالية ـ يوجد فى الجنس الدرامى تحت المراقبة العلنية والصارمة للمبدع . والأخير يسهر من أجل ألا تكون حياة البطل خاوية أو فقيرة بالأحداث . أما الدراما التى خارج الجنس الدرامى فتحاول القيام بصنع وهم الشخصيات الحرة ، وكأن المؤلف قد نسيها . لا تعتمد على أى شئ آخر سوى على بعضها البعض وعلى العالم القاسى . الجنس الدرامى كما لو أنه على استعداد بصورة واعية للاشتراك مع الواقع فى تحمل المسؤولية كاملة عن منح الأبطال حمل التبعية الثقيل ، ومحدودية الإمكانيات . والاعتماد على قوة خارجية ما غير موجودة للبطل وللمتلقى إن دل على شئ فإنما يدل على القيود المفروضة على الشخص الفاعل ـ وكذلك على عدم وجود حدود لتفكير ـ أفكار ـ المؤلف . التبعية فى هذه الحالة ـ هى أيضا الإحساس بأنك مثبَّت فى منظومة ما ، فى شئ ما كلى .
الجنس الدرامى يتعامل مع القارئ ـ المتفرج إلى حد ما كطفل . ويهتم بأن يستوعب المتلقى بسهولة النموذج الفنى المطروح للعالم دون أن يتمكن من الخوف من تناقضاته ، ودون أن يلاحظ خلفيته الفلسفية الكئيبة ، حتى وإن ترسبت جميع تفاصيل المضمون التى ” لا تنضب ” بأى شكل على المستوى الوراثى . أما الدراما التى خارج الجنس الدرامى ـ فهى فقط للكبار البالغين الذين لا نخشى أن نصيبهم بشئ . حيث يجب عليهم بوعى تام وليس بشكل عابر ـ بصورة مستقلة ومن دون تلقينات ومواعظ المؤلف ـ أن يدركوا مدى صعوبة وتعقيد العالم الإنسانى إلى درجة لا يمكن تفسيرها أو التعبير عنها .


