أسدلوا الستار .. ناقد في المسرح!
علم مدير المسرح بأن الناقد اشترى تذكرة لدخول العرض المسرحي, فقام بإلغاء العرض. وعلى الرغم من التكلفة الباهظة التي كان عليه أن يتحملها, قام برد التذاكر إلى الجمهور، قائلاً للصحفيين أنه لم يكن لديه خيار آخر! "عندما بدا لي إلى أن العملية الفنية والثقة ما بين الصحافة والمسرح سوف تنتهك, كان علىَ أن أقف لذلك بالمرصاد".(!) لم تحدث هذه الواقعة في مسرحنا العربي، بل وقعت في أحد المسارح الأمريكية، حيث هناك اتفاق ضمني بين معظم المسارح ووسائل الإعلام على عدم حضور النقاد للبروفات النهائية للعرض قبل افتتاحه وتوجيه الدعوة للنقاد في ليلة الافتتاح الرسمي. بالطبع يعطينا هذا فكرة عن سطوة النقد والنقاد في المسرح الأمريكي، لدرجة أن المقالات النقدية يمكن أن ترفع مسرحية ما إلى عنان السماء أو تهبط بها إلى الحضيض. وهذه مسألة خطيرة بالنسبة للمسرح التجاري. وبعيداً عن المسرح الأمريكي فإن العلاقة ما بين المبدع والناقد علاقة يشوبها الكثير من التوجس والحذر.. فالمخرج كان حريصاً على ألا يرى الناقد العرض المسرحي قبل اكتماله، مع أنه سمح للجمهور بذلك.. وعلى الرغم من أن الناقد قال فيما بعد أنه كان يسجل تطور العرض المسرحي من ليلة إلى أخرى.
وفي تاريخ المسرح العديد من الأمثلة التي تدلنا على مدى الخلاف والتوتر ما بين المبدع والناقد, فقد هاجم أرستوفانيس نقاده في مسرحية الضفادع كما فعل موليير ويونسكو وغيرهم. وفي مسرحنا العربي كتب المسرحي المصري أمين صدقي عام 1919 يقول تحت عنوان أين النقاد الفنيون "مرحى بكل ناقد شريف، وذلك حتى يتجنبه المؤلف ويعترف بما يراه من الحسنات, أو فليقم بتشجيعه على المضي في سبيله والإكثار من رواياته, ولكن أين نجد مثل هذا الناقد العادل؟" وقال الروائي سومرست موم: أن الناس يطلبون النقد لكنهم لا يريدون سوى الثناء! يقول ألبرت هوبارت (1856- 1919) لكي تتجنب النقد, عليك ألا تقول شيئاً أو تفعل شيئاً.. عليك ألا تكن شيئاً. فعلاً الإبداع العظيم يفرز نقداً عظيماً. فلولا شكسبير ما كان صموئيل جونسون ولولا إزرا باوند ما كان إليوت.. والأمثلة كثيرة. هناك أعمال فنية تستفز الناقد فتدفعه إلى الإبداع.. فدراسة مسرحية لشكسبير مثلاً تقتضي من الناقد أن يدرس الحياة في عصر اليزابيث والتاريخ والجغرافيا والمعتقدات والحياة السياسية في تلك الفترة وذلك المكان. ومن ناحية أخرى, هناك أعمال تدفع الناقد إلى التوقف عن الكتابة! النقد المسرحي من أصعب أنواع النقد، لأن الناقد المسرحي كما هو الحال بالنسبة إلى المسرح نفسه يتعامل مع فنون وعلوم متعددة ومركبة. فالناقد المسرحي لا يتعامل مع النص المكتوب مثل الناقد الأدبي ولا مع اللوحة مثل الناقد التشكيلي وإنما مع مجموعة من الفنون والعلوم التي تتكون منها المسرح ويتعامل معها. أيضاً تتباين مستويات النقد المسرحي ما بين نقد أكاديمي يهتم بالتنظير, ومراجعات صحفية سريعة تعتمد على الانطباعات العابرة والأكليشيهات الجاهزة. القدر القليل من النقد ينجح في تحقيق المعادلة الصعبة بين المعرفة الأكاديمية واللغة السلسة, ناهيك عن الثقافة المسرحية الشاملة ووجهة النظر في الفن والثقافة. هناك من المبدعين من يتعامل مع النقد بجدية، وهناك من يتجاهل ذلك النقد مقابل النجاح الجماهيري.. يقول أحد مخرجي السينما: لا يهمني ستة أو سبعة أشخاص مقابل عشرات الآلاف مما شاهدوا فيلمي. النقد المسرحي موضوع ضخم ذو أبعاد متعددة تعدد فنون المسرح, لكنه في النهاية يقوم بدور هام في ضبط العملية الفنية, وربما الارتقاء بها حقاً أن الناس يطلبون النقد لكنهم لا يريدون إلا الثناء
.. ولم لا؟ إن كان هذا هو الدافع الأساسي للإبداع. النقد في نظري يجب أن يكون قاسياً بلطف ومتجرداً بكثير من التعاطف.. فإن لم تكن هناك ضرورة لتمجيد محدودي القيمة والحجم، فإنه لا مبرر لذبح المواهب وتدمير الإبداعات بدعوى الموضوعية والحيدة التي نشك أنه يمكن تحقيقها في النقد أو في أية فعالية إنسانية أخرى.


