د. حسن عطية يكتب من الدوحة عن :القرن الأسود .. خلل الأنظمة الديكتاتورية
د. حسن عطية
يعد أحد أبرز شخصيات الإبداع المسرحى فى قطر ، ورائد من رواد الاتجاه التجريبى فى منطقة الخليج ، وأحد أهم من جمعوا بين الكتابة الدرامية والإخراج المسرحى فى نطاقه الجغرافى ، وأحد أضلع المسرح القطرى الثلاث وفرقه المجمعة من خمس عشرة سنة ، حيث يكمل “غانم السليطى” و”عبد الرحمن المناعى” الضلعين الاخرين بتوجهاتهما المختلفة عنه ، والمتفقة معه فى ذات الوقت بسيرهم جميعا فى تيار المسرح الذى يبرز كتابه من وسط الاحتكاك المباشر بالحياة المسرحية العملية، مما يدفعهم لخوض تجربة الكتابة النصية من منظور العرض المسرحى ذاته ، ومن ثم لا يهتمون كثيرا بفكرة بناء النص وثباته أمام قارئه فى كتاب مطبوع ، بل يصبح النص الدرامى مجرد أداة قابلة للتغيير والتبديل وفقا لأحتياجات العرض المسرحى ذاته .
أنه الكاتب والمخرج “حمد الرميحى” ، صاحب العديد من الأعمال المسرحية المثيرة للجدل ، مثل (مظلوم ظلم مظلوم) و(المحارة مملكة الأزمنة القديمة) و(قصة حب طبل وطارة) و(أبو حيان التوحيدى) و(القرن الأسود) ، وهذه الأخيرة أتيح لنا مشاهدتها بمسرح (قطر الوطنى) بالدوحة الأسبوع الماضى ، وقد أختارتها اللجنة العليا للإعداد والتحضير لاحتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية هذا العام ، لتقدم إلى جانب عرضى (المتراشقون) لغانم السليطى و(هالشكل بالزعفران) لعبد الرحمن المناعى ، تأكيدا على ريادة هؤلاء الفرسان الثلاثة للمسرح القطرى ، واحتفالا بأبرز ما أنتجوه خلال السنوات الأخيرة .
ولأن قدر المثقف عامة ، وفى وطننا العربى خاصة ، استقرار ما يقرأه ويشاهده من أعمال مسرحية فى لاوعيه ، وذوبان أفكارها فى بوتقة أفكاره ، من السهل أن تعثر على بصمات لعالم ألف ليلة وليلة فيما يتعلق بالحكاية الإطار الخاصة بالملك “شهريار” الذى يغيب عن مملكته فى الصيد فيعود ليجد زوجته فى أحضان عبد من عبيده فيصاب بلوثة ، هذا بصورة عامة ، وكذلك مسرحية “توفيق الحكيم” (شهرزاد) المتأرجحة بطلته بين العقل المتمثل فى الملك والقلب المتجسد فى الوزير والجسد الماثل فى العبد الأسود ، واضحة على البناء العام لمسرحية “الرميحى” (القرن الأسود) ، كما يمكن أن تلمس ملامح لمسرح الصورة الذى اشتهر العراقى “صلاح القصب” به ، ولسمات مسرح التعبير الحركى الذى يسود عروض المسرح العربى منذ عقدين من الزمان ، وتهتم به المهرجانات المسرحية التى مالت مؤخرا لعروض المسرح الراقص ، كل هذا ، وهو أمر طبيعى ، داخل بنية عرضية تجمع بين مفردات المسرح التقليدية وفنون الميديا الحديثة .
بنية اسطورية
فى البدء ينسدل على مقدمة المسرح ، فيما بين فتحة البروسينوم ، ستار شفاف تسقط عليه صور لكائنات شيطانية ، سرعان ما يبدأ العرض عقب رفع هذه الستار الأمامى ، بهذه الكائنات تمرح فى فضاء المسرح ، تجسدها فرقة (إيمار) السورية للرقص المسرحى التعبيرى ، بينما تسقط الإضاءة الموحية ولقطات الفيديو وصور الكومبيوتر الملونة على قطعة ديكورية ترتفع فى خلفية المسرح أشبه بالهرم الممتد لعنان السماء ، تاركة مساحة المسرح الكبرى للكائنات الشيطانية ، التى يؤسس بها العرض عالمه داخل بنية أسطورية ، رغم العلامات الواقعية التى تبرز بين الحين والآخر فى ثنايا العرض .
وسط هذا العالم الأسطورى يبرز ملك بلا اسم ، يغلق ابواب قصره عليه وخلانه وتابعيه ، ويمارس هوايته فى إخصاء العبيد للعمل بقصره رعبا من فحولتهم ، ويداهم الأعداء مدن مملكته الحدودية فيأمر قائد جيشه بالرد عليهم وإبادتهم ، معلنا “من ليس فى صفنا ، فهو عدو لنا” ، ومؤكدا على ضرورة “إنتصار قيمنا ومبادئنا” ، محيلا المتلقى لشخصية واقعية بدولة قطبية استخدمت هذه الكلمات فى الزمن القريب ، غير أن ملكينا المفترض سرعان ما ينشغل طوال الوقت بمحظيته “نور الصبح” التى وقع فى هواها ، وأهمل زوجته الملكة من أجل عيونها ، وغرق فى جسدها البض ، وقرر أن يلبى لها كل أحلامها النزقة ، فتطلب منه أن يأتى لها بالوعل ذى القرن الأسود ، فيخرج فى ركبه الكبير لصيد هذا الوعل المرغوب ، غير أنه يترك محظيته لتقع فى هوى سائس خيوله ؛ العبد الأسود الملقب بالغائب ، وأن ظل حاضرا بفراش الملك ، مستمتعا بجسد المحظية ، التى عشقته ومنحته قولا قلبها وروحها ، بعد أن أكدت له أنها لم تمنح مليكها غير جسدها فقط .
لوحات مشهدية
يعيش السائس الأسود فى حضن المحظية لشهرين كاملين ، هاجرا فيهما حبيبته السوداء مثله الوصيفة “مزيونة” ، التى عشقت فيه الرجل كاملا ، ناسيا أنه ألقى بأحشائها بذرته ، حتى يعود الملك ذات صباح بالقرن الأسود ، بعد أن قتل صاحبه الوعل ، متصورا أنه عاد لمحظيته بقربان القرب ومفاتيح جنة زواجه بها ، فأفيكتشف أن وعلا بشريا قد أغتصب فراشه ، وأستولى على معشوقته ، فيصاب بلوثة تطيح بكال شىء ، فى الوقت الذى تعانى فيه حبيبة الوعل البشرى الوصيفة آلأم المخاض ، مكتشفة هى الأخرى أن حبيب قلبها وقرين روحها ، قد سقط فى فخ المحظية الجسدى ، ومعه سقط الجميع فى مذبحة جنونية يقتل فيها الملك العبد ، فتقتل المحظية نفسها ، ليتبعها الملك بقتل نفسه ، وتقتل الوصيفة نفسها وجنينها معها . لقد فقد الكل عقله وراح ينتقم من الخيانة التى أودت بالقصر المخلخل إلى نهايته ، حتى مع إعلان انتصار الجند على أعداء الوطن .
عالم من الصور تتوالى أمامنا فى فضاء فانتازى ، مشكلة لوحات مشهدية تتقاطع أحيانا وتتداخل أحيانا أخرى لترسم ببراعة عالما يبدو عبثيا فى صورته الظاهرة ، بينما يشى جوهره بحقيقة هذا العالم المختل البناء ، المرشح منذ البدء للسقوط ، نظرا لغياب العقل داخله ، وفهمه الخاطئ للحب ومقدار قيمته المادية فى الحياة ، وخضوعه لمنطق الأحاسيس الجنسية المتدنية ، ونسيانه أن ما يمور به الكون خارجه بحاجة ماسة للإنتباه والسعى للتغيير .
وقد نجح “حمد الرميحى” فى بناء عرض مسرحى مثير ، ملأ به ثغرات فى النص الدرامى ، وحقق عبره تمازجا مبهرا بين الثقافتين الخليجية والشامية ، وذلك عر قيادته لفريق عمله المتميز من مصمم السينوجرافيا السورى “وسام صبح” ، الذى نجح فى بناء خلفيته الديكورية المتميزة ، تاركا المساحة الأكبر لفريق الرقص التعبيرى ، وكذا فى تصميم ملابس الشخصيات البشرية والكائنات الشيطانية بمهارة ، وأن منح الوصيفة فراشا متحركا أعلى من المحظية ، ومعه حقق السورى أيضا “نصر سفر” تمازجا بارعا بتصميمه للإضاءة ، والإيطالى “باولو جوالدى” صائغ المؤثرات البصرية ، والتى قاد المصرى “يوسف الحسينى” حركتها مع لقطات السينما والفيديو والكومبيوتر ليخلق هذه الصور المثيرة للعين بشكل مذهل ، وذلك داخل بناء موسيقى صاغه المؤلف الموسيقى السورى “معن خليفة” جعل العرض كسيمفونية واحدة ، تسبح فيها الشخصيات ، التى جسدها كل من : “على سيف” (الملك) ، واللبنانية “لارا حتى” (المحظية) ، والسورية “نوار يوسف” (مزيونة) ، و”راشد سعد” (العبد الأسود) ، مع “حسن عاطف” و”محمود زين العابدين” ، صانعين جميعا عرضا عربيا متكاملا ، بعبر عن طموج تجريبى من حيث الصياغة ، ورعب قكرى من خلل الأنظمة الديكتاورية الساقطة فى هوة الماديات.



