الشمعة الخامسة لمهرجان فاس للمسرح الجامعي
على نغمات أغنية:”الحلوة”
رهانات تحققت وأخرى في الانتظار
بشرى عمور
طيلة أربع أيام عاش فضاء مركب الحرية عرسا مسرحيا دوليا بمناسبة الدورة الخامسة لمهرجان فاس الدولي الجامعي، بتيمته المتميزة:” مهرجان القراءة المسرحية”، الذي نظمته جامعة سيدي محمد بن عبد الله من يوم الأربعاء 08 أبريل 2010 إلى غاية 11 منه.
تميزت هذه النسخة بنضوج حضوري وفني ومشاركة متنوعة وبتوسيع جغرافي ملموس وبتنظيم مدروس. حيث استطاع تحقيق بعض رهاناته التي تمثلت، ولأول مرة، في حضور جميع الفرق المشاركة، هذا الحضور ساعد اللجنة المنظمة على التحكم المنضبط لسير فعاليات المهرجان وفق برنامجها المخطط. إلى جانب تحقيق مشاركة وازنة من خلال المشاركة الأولى لبعض الدول بمهرجانات مسرحية سواء بالمغرب عامة أو بفاس خاصة، فلقد شارك في هذا العرس المسرحي كل من المغرب (فاس، الدار البيضاء ومراكش)، الجزائر، تونس، مصر، سوريا، لبنان، العراق، سلطنة عمان، السعودية، بلجيكا، هولندا و كندا.
كما حرص المهرجان كعادته على استقطاب حضور مخضرم يلم ما بين الصنعة الفرجوية الركحية والدراسة المسرحية
النظرية و الأكاديمية. لكنه فقد بعض عادته سواء التي كانت تحتضنها مقهى لا كوميدي والمتمثلة في توقيع الإصدارات المسرحية، وهنا يفرض السؤال نفسه: هل هذا من باب التغيير أم من عدم تواجد الجديد؟. أم تلك التي كانت تعرف بالتجارب الاحترافية كفرصة للتعريف على المسرح المغربي الاحترافي. لكن هذا لم يعكس سلبيا على المهرجان الذي يحرص دائما على التجديد و التنويع لتحقيق أهدافه وتفعيل رهاناته وفق معايير تمنحه سيمة التوهج. رغم بعض الأخطاء التنظيمية والهفوات وإلغاء بعض الفقرات أو تغيير توقيت بعض العروض، وهي أخطاء هينة بالنظر لما تحقق والذي نعرض له فيما يلي :
* حفـل الافتتاح:
شهد حفل الافتتاح كعادته سمرا غنيا، بعد استهلاله بكلمة رئيس المهرجان د. السرغيني فارسي، رئيس جامعة
سيدي محمد بن عبد الله، والذي رحب فيها بالحضور معربا عن سعادته بكون جامعتهم استطاعت أن تواكب التحولات التي يعرفها التعليم العالي الجامعي كورش مفتوح بانخراطها و اهتمامها بالأنشطة العلمية والثقافية والفنية التي جعلتها محطة أساسية للفنون المسرحية بفاس ، الشيء الذي سيساعدها على منحها بعدا متوسطيا من خلال خلق شراكة متميزة تكون بمثابة فرصة لتبادل الخبرات والتجارب، وباستقبالها للقطب الجامعي الأورومتوسطي في جنوب المتوسط. فلتحقيق هذا الهدف ارتأت اللجنة المنظمة أثناء هذه الدورة أن تنوع محتوياتها من خلال تنظيمها لمحترفات تكوينة أو بعقدها لندوة حول المسرح الجامعي العربي، إلى جانب تأسيس شبكة للمسرح الجامعي التي ستتخذ الجامعة المنظمة مقرا دائما لها. وفي الأخير ختم المدير كلمته بالإعلان عن انطلاقة الترتيبات والدراسات الخاصة ببناء مسرح جامعي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله الذي يعتبر كأول تجربة خاصة سواء في تاريخ الجامعة المغربية أو في تاريخ المسرح المغربي.
* كوكتيل مسرحي منح منافسة عالية وفرجة غنيـة:
تميزت الدورة الحالية بمشاركة مغربية ضئيلة تمثلت في ثلاثة عروض جامعية، كرهان آخر تسعى من خلاله اللجنة المنظمة لمنح فرصة للمشاركة الدولية حتى توسع رقعة المهرجان الجغرافية، بهدف خلق فرص للإطلاع على تجارب الآخر والانفتاح على ثقافته وميولاته والانفتاح عليه والتعريف بالتجربة المغربية وإتاحت الفرصة لمقاربتها ومقارنتها بغيرها من التجارب. في هذا السياق قدم المغرب المسرحيات التالية :
ـ “إلكترا” لمحترف المسرح الجامعي-جامعة سيدي محمد بن عبد الله/فاس (نص:محمد الكغاط ،إخراج: د. إدريس الذهبي)
ـ “لغريب والنسا” مختبر أمل كلية الحقوق/ مراكش ( إعداد: حسن صقلي، إخراج: مبارك الفقير)
ـ”دعوة رسمية” لمحترف كلية طب الأسنان/ الدار البيضاء ـ إعداد وإخراج: أنوار حساني.
أما المشاركة العربية والأجنبية، فقد تمثلت من خلال سبعة عروض عربية (إفريقيا وأسيويا) وثلاثة عروض من أوروبا وشمال أمريكا):
ـ “الحُلْوَةُ ” لمسرح الأملين، المركز الثقافي الجامعي بالمنستير/تونس ـ إخراج: خالد شنان.
ـ ” مرتجلة جدة” لجمعية الثقافة والفنون جدة/ السعودية ـ إخراج: أحمد الصمان.
ـ”ارتحال في زمن الصمت” لكلية الفنون الجميلة بالبصرة/ العراق ـ إعداد وإخراج:د.حازم عبد المجيد.
ـ “حفرة” جامعة تشرين، اللاذقية / سوريا ـ إخراج: هاشم غزال.
ـ”سبعة أطفال يهود، مسرحية من أجل غزة” للجامعة اللبنانية الأمريكية/ لبنان ـ إخراج: فؤاد حلواني.
ـ”هل قتلت أحدا” لكلية العلوم التطبيقية وزارة التعليم العالي/ سلطنة عمان ـ إخراج: بدر بن ناصر الجابري.
ـ”طقوس” للمعهد العالي للفنون المسرحية، أكاديمة الفنون/ مصر ـ إخراج: محمد علام.
ـ”لو كنت تحبينني؟ “لمحترف مسرح رويال لييج/ بلجيكا ـ إخراج: روبير جيرمي.
ـ” بير كينت” مدرسة روتردام للمسرح/ هولندا ـ إخراج: هنريك ابسن.
ـ”361 درجة، الدائرة الناقصة” لفرقة كراند إكار، كوليج جيرالد كودان/ كندا ـ
من أبرز سمات العروض المسرحية التي قدمت اختراقها للجاهز المسري وتقاليده الكلاسيكية، فاكثر العروض التي قدمت بدت متأثرة ببرنادلو (المسرح داخل المسرح) ، لتختلف مستوياتها بين جيد ولابأس به وهزيل، لكن ما استحسنه الجمهور أكثر هو العمل التونسي” الحُلْوَةُ ” حيث اشتغل على تيمات هامة بشكل يسمح بقراءات متعددة دون المس بالطابوهات، من خلال قوة التشخيص والأداء وكذا ارتكانه على فضاء مفتوح لتخليص العرض من قوقعة المكان والزمان االثابث، دون نسيان التوظيف المحكم لمقطع أغنية “الحُلْوَةُ” بإيقاع يتلاءم والفكرة المطروحة المراد تبليغها. التجربة العراقية”ارتجال في زمن الصمت” هي بدورها أحرزت على متابعة جيدة بفضل تخلصها من عباءة الروتين والاجترار لتفاجئ الجمهور بأطروحتها المتحررة، حيث أسقطت لغة الكلام لكي تنوب عنها لغة الجسد، عمل ينتمي للمسرح الكوريغرافي، ينحو حول عملية هدم وإعادة بناء مشاهد جديدة للحياة بمجمل مظاهرها الحالية المستندة على العنف والحرب والتهميش و الإغتصاب و الإختطاف وسلب الإرادة البشرية والرفض المعبر عنه بمشهد الإنفجار (الذي يعد أحس المشاهد تعبيرا وصنعة فنية). كل هذه الوقائع اعتمد في صوغها على لغة وتحكم في مواقع الممثلين في الفضاء المسرحي بتعامل احترافي سواء على مستوى السينوغرافيا أو الموسيقى والمؤثرات البصرية والإضائية.” بير كينت” العرض الهولاندي هو الآخر يدخل في نفس التصنيف، حيث قدم رؤيته بجرأة موضوعية استطاعت أن تستدرج متابعة المتلقي ببراعة تجسيدها وتلقائية أدائها وخضرمة ممثليها، فغياب اللغة لم يكن عائقا في تبليغ خطابها، فبساطة الديكور واستغلال فضاء مفتوح منحها صبغة الفرجة المفتوحة والمتحررة.
للإشارة فلقد تم إلغاء العرض البلجيكي نظرا لتعرض إحدى بطلاته “دومينيك دونيا” لحادثة أثناء التداريب.
* الأنشطـة الموازيـة منحت صبغة جماليـة وإشعاع إعلامي للمهرجان:
وعلى هامش المهرجان، احتضن مقهى مسرح لا كوميدي محترفا للتكوين المسرحي أداره كل من “بارت كين” و”بيتر اوسكام” / هولندا. بينما تم الغاء المقهى الأدبي. كما شهد المهرجان ندوة “حول المسرح الجامعي العربي” بمشاركة رؤساء الفرق في مقر رئاسة الجامعة، بحضور مدير الجامعة أداراها د. سعيد الناجي تمحورت حول المسرح العربي، وكيفية دعمه مستقبلا ليواصل مسيرته نحو العالمية. ليستقر الحضور على تأسيس شبكة المهرجانات المسرحية الجامعية العربية التنسيق بين المسرحيين الجامعيين على الصعيد الوطن العربي وتبادل الرأي والخبرات.
من أقوى لحظات هذه الأنشطة هي لحظة التكريم التي خصصت هذه السنة إلى كل من الفنان الكوميدي المغربي “محمد الجم” (أثناء حفل الافتتاح) والممثلة المبدعة “أمينة رشيد” (إبان سهرة الاختتام)، كتقدير لمجهودهما واحتفالا بمسارهما اللامع.
* النتائج والجوائز:
كعادته يحرص المهرجان دائما على اختيار فعاليات احترافية وأكاديمية تنشط في الحقل العلمي والنقدي والإعلامي لتشكيل لجنة تحكيم تقوم بتقييم مدروس للأعمال المتنافسة، وهذه الدورة استطاعت أن تمنحها طابعا عربيا بحيث تكونت من الفعاليات الآتية: ذ.عبد الله شقرون ( رئيسا)، بشرى إجورك، ياسين أحجام، الطاهر الكور (المغرب) د.حسن حسين الجابري (قطر)، أمين ميسوم (الجزائر) و أسامة حلس (السعودية).
أما النتائج فقد كانت كالتالي:
* تنويه خاص لمسرحية:”دعوة رسمية” لمحترف كلية طب الأسنان/ الدار البيضاء.
* تنويه خاص لمسرحية”هل قتلت أحدا” لكلية العلوم التطبيقية وزارة التعليم العالي/ سلطنة عمان.
* جائزة أحسن تشخيص ذكور: مناصفة بين “يعقوب يوسف الغامدي” لجمعية الثقافة والفنون جدة/ السعودية
و “حسين نخال” للجامعة اللبنانية الأمريكية/ لبنان.
*جائزة أحسن تشخيص إناث: مجموعة إناث مسرحية:”لغريب والنسا” مختبر أمل كلية الحقوق/ مراكش.
*جائزة إعداد النص المسرحي: “د.إدريس الذهبي” محترف المسرح ـ لجامعة سيدي محمد بن عبد الله /فاس.
*جائزة السينوغرافيا: “هاشم غزال” جامعة تشرين ـ اللاذقية /سوريا.
*جائزة الإخراج المسرحي: “هنريك ابسن” فرقة مسرح روتردام / هولندا.
*جائزة الكوريغرافيا المسرحية: كلية الفنون الجميلة البصرة/ العراق.
*جائزة البحث والتجريب: المعهد العالي للفنون المسرحية التابع لأكاديمية الفنون / مصر.
*جائزة لجنة التحكيم الخاصة: فرقة كراند اكار التابعة لكوليج جيرالد كودان /كندا.
* الجائزة الكبرى للمهرجان من نصيب : مسرح الأملين، المركز الثقافي الجامعي بالمنستير/تونس.
* الخاتمـة:
استطاعت الدورة الخامسة لمهرجان فاس للمسرح الجامعي أن تحقق بعض الأهداف التي راهن عليها في دوراته السابقة، بفضل إرادة وديناميكية منظميه واكتسابهم لمفاتيح التخطيط الجيد والتفعيل المضبوط وكذا بطموح مسترسل بتحويل هذه التظاهرة إلى مدرسة يتعلم فيها الطلبة فنون المسرح والأداء ويتمرنون على التنظيم والتدبير.



دائماً بشرى تتحفنا بماهو جديد وتجعلنا نتواصل مع مهرجانات المغرب الجميلة ..شكرا لك ولموقع مسرح دوت كوم