اللمبى المصرى واللمبى الروسي
“موتيفات تشيخوفية” بين سينما اللامضمون وسينما الأطر الخادعة
الدكتور أشرف الصباغ
حصل فيلم “موتيفات تشيخوفية” للمخرجة الروسية كيرا موراتوفا على جائزة النقاد فى مهرجان موسكو السينمائى العالمى الرابع والعشرين. وتم استقبال الفيلم بضجة شديدة تميزها ضجة المهرجانات لا أكثر. وحصل فيلم “اللمبى” المصرى للمخرج وائل إحسان على “جائزة الجمهور” نكاية فى النقاد والمثقفين والصحفيين وكل العاملين فى جميع المجالات السينمائية والفنية عموما. وتم أيضا استقبال الفيلم بضجة شديدة يميزها العمى الروحى والنفسى والثقافى. هنا لابد وأن نتذكر كلمات طارق الشناوى فى جريدة “القاهرة” (العدد 122- 13 أغسطس 2002-ص8): “عندما يأكل المواطن المصرى العيش الأسود مخلوطا بالرمال، فلابد أن يولد اللمبى. عندما يصبح الفساد والشرف بينهما اتفاقية من التعايش السلمى..، لابد أن ينمو اللمبى. عندما تتغير قيم المجتمع وتصبح الغلطة هى سيدة الموقف، فإن اللمبى قادم لا محالة..”. مثل هذه الكلمات تكررت فى الأوساط الثقافية والفنية والنقدية الروسية أيضا. وإذا كانت كلمات الشناوى تحمل إدانة واضحة لكل الظروف والمؤسسات والأفراد الذين سمحوا بظهور اللمبى وهو ما تؤكده كلماته فى نهاية المقال المذكور، فإن الكلمات الروسية تتجه نحو إيجاد الفن البديل فى ظل التدنى والانحطاط والشعوذة والشذوذ (ليس فقط الجنسى وهو أخفها وطأة، وإنما أيضا الشذوذ الروحى والنفسى والعقلى). الكلمات الروسية حملت فى طياتها معانى أكثر حدة ووضوحا من قبيل “عندما يجرع المواطن الروسى الفودكا على الأرصفة ومحطات المترو، وعندما يأكل خبزه مخلوطا بالخراء، وعندما تتحالف السلطة مع الفساد ورؤوس الأموال المشبوهة، وعندما تفقد الإحساس بالجمال فتفقد الإحساس بالمهانة والظلم.. عندما يحدث كل ذلك، لا يمكن توجيه الإدانة إلى الجلادين والسفلة والأنذال، وكل من يلعب دور يهوذا يوميا، وإنما يجب البحث عن البديل” . من هنا تحديدا تبدأ رسالة الفنان. ونحن هنا لسنا بصدد مقارنة بين فيلمين، أو مجتمعين، أو فنين، وإنما بصدد إلقاء الضوء على نوع من “سينما اللامضمون” أو “سينما الأطر الخادعة”.
فى فيلم “موتيفات تشيخوفية” قامت المخرجة بتجميع بعض الأحداث والمشاهد والشخصيات من أعمال للكاتب الروسى أنطون تشيخوف. والحدث المركزى، الذى يمثل أحد الخطوط الدرامية الأساسية فى نفس الوقت، هو عقد القران فى إحدى الكنائس القروية من مسرحية من فصل واحد لتشيخوف بعنوان “تاتيانا ريبيا” (هذا النص التشيخوفى غير معروف فى روسيا، بل ولا يذكره إلا عدد قليل جدا من المتخصصين). أما الخط الدرامى الثانى فهو إضافة مجموعة من الشخصيات من قصة “الثقلاء”، ثم يأتى الخط الثالث وهو شخصية الطالب من قصة “الطالب”.
الفيلم ببساطة “هزلى”.. ملئ بالضحك والقهقهة، مثل “اللمبى”.. وبعد أن تخرج تواتيك رغبة ملحة فى أن تضرب نفسك بـ “الحذاء” متسائلا: لماذا دخلت مثل هذا الفيلم؟ ولكن لأن الروس تربوا على القراءة، وقرأوا تشيخوف وغيره، يتريثون قليلا إلى أن تزول حالة الغضب على النفس العابرة، ويبدأون التفكير بشكل آخر. إن أبطال تشيخوف ينطقون الجمل التشيخوفية بحذافيرها، بيد أن المخرجة أضافت عليها بعض الكلمات الزائدة أو فترات الصمت. وبالتالى عندما يزول غضب المشاهد يبدأ التفكير: ماذا قال فلان؟ وهل هذا هو النص الأصلى، أم هناك جملة ما غريبة؟ ولماذا، وما المقصود؟ هنا أيضا تبدأ عملية فنية-ثقافية أخرى تخص المشاهد ووعيه وثقافته. ومن الواضح أنه لا تشيخوف ولا حتى المخرجة يعرفان أين ينتهى الديالوج الكلاسيكى ويبدأ الحوار المعاصر، إذ أن الأحداث جميعا تدور فى الوقت الحاضر، وفى اللحظة الراهنة.. حيث يتزوج أحد الروس الجدد (أو تجار الخردة بالمعنى المصرى) من امرأة غنية.
كيرا موراتوفا ألزمت نفسها-كما قالت فى إحدى المقابلات الصحفية-بالحفاظ على جميع التقاليد الروسية-الدينية أثناء عقد القران. وفى غضون تلك الفترة الزمنية تمكنت من التنويع على جميع العادات والتقاليد الروسية بداية من الطقس الدينى، إلى الهمس والغمز واللمز بين المدعوين، نهاية بالنكات الحمقاء والسخيفة، والسخرية من فستان العروس وتسريحة شعرها، أو الخروج للتدخين بدلا من احترام الطقس الغبى الذى يحدث يوميا سواء العرس أو الطقس الدينى. وبالتالى حصرت أبطالها التشيخوفيين فى “مكعب” من “العبث” و “الصهللة” لا يوجد به أى ثقب للإفلات. وكل منهم مجبر على أن يلعب دوره حتى النهاية.
أثناء عقد القران يظهر شبح امرأة ما، تصدر منه أصوات توجع وأنين. العريس يدرك أنها خطيبته السابقة التى انتحرت، فيقع تحت تأثير تأنيب الضمير لينفصل تماما عن الحدث الذى يجرى رغم أنه عقد قرانه هو وليس أى أحد آخر، بينما تصبح هذه القصة الموضوع الأساسى الذى يناقشه جميع المدعوين. هنا يحدث مزج رائع بين أبطال وشخصيات تشيخوف وبين أفكار جوجول الخطيرة. فالوجوه الغليظة المنتفخة كانت موجودة فى روسيا القيصرية، وهى الآن موجودة فى روسيا الجديدة. تلك الأجساد السمينة المترهلة، هى نفسها التى كانت ومازالت موجودة، سواء فى أعمال تشيخوف أو غيره، أو فى القرن التاسع عشر بين الأثرياء والتجار الروس، أو الآن بين الروس الجدد. هنا تتداخل أفكار جوجول لنكتشف فجأة أن العرس يضم أيضا “خنازير”.. خنازير حقيقية! مثل هذا المشهد تم استهلاكه فى السينما الواقعية فى العالم كله. ولعله يذكرنا بأحد مشاهد صلاح أبو سيف فى فيلم “شباب امرأة” عندما يحدث القطع لتتحول الكاميرا من أقدام كاريوكا إلى أقدام البقرة. هنا أيضا تتحول الكاميرا من الوجوه الحمراء “الملظلظة” والفساتين الأنيقة، والبذخ إلى وجوه الخنازير. مشهد أبو سيف تعرض لانتقادات ممن يطلقون على أنفسهم “أصحاب النقد الانطباعى!”، وتعرض هذا المشهد لنفس السياق الأمى. غير أن بقرة أبو سيف كانت فعلا بقرة “مجتهدة” تدير الطاحونة، وتأكل كما يقولون بعرق جبينها.. بينما بطلة الفيلم سلطت جميع غرائزها نحو الطالب القروى المسكين. أما خنازير موراتوفا فقد ظهرت بمظهر أسمى وأرفع بكثير من أولئك الأبطال بمن فيهم العريس وعروسه والمدعوين.
المعروف أن هذه المخرجة تنحاز دائما إلى أبطالها وبدرجات مختلفة. غير إنها فى هذا الفيلم تحديدا التزمت “الحياد وعدم الانحياز”، قررت ألا تكرههم أو تحبهم. وقررت أيضا ألا تدينهم أو تلومهم أو تعطف عليهم. لقد قررت شيئا واحدا فقط: أن تراهم، وتراهم فقط. وإذا كان ذلك يكفى المخرجة، فماذا عن المشاهد؟! المشاهد يخرج من صالة العرض فى حالة من الإرهاق العضوى والنفسى، بإحساس بعدم الجدوى، والتفاهة، والحماقة، والقرف.. فهنا تختلط رائحة الويسكى بالفودكا، رائحة البارفانات الرخيصة بالأخرى باهظة الثمن، أطنان الكلمات الفارغة بعشرات الأطنان من الانحطاط والآثام والذنوب والسفالات. هنا يدرك المشاهد أنه بنهاية “عقد القران” لن تنتهى “الموتيفات التسيخوفية”، وإنما ستبدأ، أو بشكل أدق ستتواصل بمجرد خروجه من قاعة العرض.
يبدو الفيلم للوهلة الأولى أنه هجوم حاد على “الروس الجدد” وضربة لا ترحم ضد مؤسستهم ودولتهم الجديدة. وضد مؤسسة الأسرة التى لا يوجد بينها وبين مؤسسة الأب التجارية أية خطوط فاصلة. وضد مؤسسة الدين أيضا. ولكن بنهاية الفيلم يعود كل شئ إلى مجراه المعتاد. فالطالب بيوتر شريايف يعود إلى مؤسسة والده بعد تمرده عليه. وبيوتر هذا حضر أيضا عقد القران بالصدفة المحضة عندما ترك المنزل وقرر الذهاب إلى الجامعة سيرا على الأقدام لامتناع الوالد عن منحه النقود. فيلتقطه أحد الروس الجدد ليوصله إلى المحطة، ولكنه يرجوه التوقف قليلا لحضور العرس. غير أن بيوتر ينام أثناء الإجراءات ليواصل حلمه بالمغامرات والأميرات والرومانتيكيات.
أما الخط الآخر الذى تسير عليه موراتوفا فهو خط الدين-الطقسى، لتكشف فى هدوء شديد ومن دون حذلقة عن أن “الإله” لا يلعب الدور الرئيسى فى حياة هؤلاء الناس، وبالذات الناس الذين يدَّعون ذلك ويدعون إليه. وتقول بوضوح أن هذا “الإله” ليس هو القوة الرئيسية فى هذا العالم الغريب الذى يحيط نفسه بالأيقونات (حيث الأيقونات والشموع معلقة فى البيوت والكنائيس ورجال المافيا)، وإنما تلك الأيقونات هى التى تلعب الدور الأساسى والقوة المحركة فى هذا العالم، وهى المؤثر الحقيقى فى علاقات هؤلاء البشر بعضهم البعض، وبأنفسهم أيضا.
المخرجة كيرا موراتوفا فى هذا الفيلم تثبت مقولتها الأخيرة حول “سينما اللامضمون” والتى يمكن أن تحل محل سينما “الأفكار الكبيرة”.-هذا ما تقوله موراتوفا. إذ أن سينما الأفكار الكبيرة تطرح القضايا الكونية والحياة الإنسانية، تضعها فى تراكيب محددة ثم تدفع بها نحو التطور أو التصاعد. وفى النهاية تصل بها وبنا إلى لحظة “التنوير” أو العكس. بالضبط مثلما فى أفلام أنجمار برجمان. غير أن برجمان لم يعد يكفى اليوم لمواجهة كل تلك البربرية المحيطة بنا.
أما فيلم “اللمبى” فقد جاء كدعوة لـ “خلع برقع الحياء”. ويبدو أن الذين هاجموه، أو حاولوا منعه، أدركوا أنه موجه إليهم قبل أى أحد آخر. فهو فى غاية “الوقاحة”، ولكنها “وقاحة” فنية بكل المقاييس. تلك الوقاحة التى تنظر بعينها فى عيون الوقحين والمدعين والأنذال سواء كانوا مثقفين أو “رعية”. وهو دولة “مصغرة”، و”مجتمع” موجود بكل المواصفات التى عرضها الفيلم.
الكثيرون تحدثوا عن أخطاء فى سيناريو أحمد عبدالله، وفى إخراج وائل إحسان. ولكن لماذا لم يتحدثوا عن بناء السيناريو الجديدة، أقصد الجديد فى بناء هذا السيناريو؟ ولماذا لم يتحدثوا عن إيقاع “الهزل” الجديد، أو “المسخرة” الجديدة؟
هناك فرق واحد بين “جمهور اللمبى” و “جمهور موتيفات تشيخوفية”: المشاهد، والمشاهد فقط. فالمشاهد الروسى، بعد رغبته فى ضرب نفسه بالحذاء، يبدأ التفكير جديا بما لديه من رصيد ثقافى، ويشرع فى إيجاد البديل. ولكن المشاهد المصرى لا تواتيه لا الرغبة فى ضرب نفسه بالحذاء، ولا إيجاد البديل، ولا حتى فى التفكير فى أى شئ. ربما لأن المشاهد يُضرَب يوميا بالحذاء؟! أو لأنه لا يملك حذاء؟ أو ربما يتخذ المشاهد هذا الموقف بالذات نكاية فى الأوصياء عليه من المثقفين والنقاد والصحفيين-النقاد؟
الجمهور المصرى خرج من “اللمبى” ليواصل نفس العبث والمسخرة فى علاقته بكل شئ، وبكل من حوله. وعندما سيأتى “اللمبى-2″ ستكون الجرعة أقوى وأشد. وعلى المتضرر أن يحترم “الجمهور”، ويحترم نفسه. فهل أصبح “اللمبى” هدفا للتصويب بدلا من “الهدف الحقيقى”؟ وهل يمكن مقارنة “محمد سعد اللمبى” المسكين بالجنرال-الجنرالات “اللمبى”؟ أم “اللى ما قدرش ع الحمار..”؟
“اللمبى” دش ماء بارد، وصفعة، ووقاحة تنظر فى عيون من هم أوقح منها.. فهل يوقظ ذلك أى شئ فى روح أى أحد؟ إن مضمون الفيلم يكمن فى إطاره العام-الخادع والمخادع، وبالذات فى إطاره وليس فى التفاصيل غير الجديدة بالمرة.. ألسنا نراها يوميا، ونعيشها أيضا!!!
0 72 9 Ashraf Elsabbagh 0 0 arabic 0 0 0 4 1 163 0 المسرح دوت كوم


