لا شباب.. لا شغف.. ولا مسرح

سباعي السيد

ماحدث في الأيام الماضية لم يكن بالأمر الهين، بل انه مؤشر خطير على حال المسرح العربي، يستحق أن نتوقف عنده طويلاً لتأمله وتحليله ومحاولة فهمه. فقد أعلنت الهيئة العربية للمسرح عن الغاء الدورة الثانية لمهرجان المسرح العربي “السنوي” الذي كان من المزمع اقامته في شهر يناير بالعاصمة التونسية تحت عنوان” شباب.. شغف.. مسرح” ، وذلك بسبب ما أسمته “ضعف الانتاج المسرحي العربي بصفة عامة مما لا يرقى الى مستوى المهرجان.” وقررت الهيئة عوضاً عن ذلك الاكتفاء بإقامة احتفالية اليوم العربي للمسرح في موعدها بالعاصمة التونسية. وجاء تدني مستوى عروض فرق الهواة التى رأته لجنة الفرز مسبباً لاتخاذ قرارها بإلغاء المهرجان، وتوجيه ما كان سيتم انفاقه على المهرجان لدعم الفرق العربية لاقامة ورش تدريب وصقل وتوجيه لتنهض بنفسها وتطور من امكاناتها للمشاركة فى المهرجان القادم.

هذا الضعف أو تدني المستوى لم يكن ملازماً لهذه الدورة وحدها كما كشف السيد اسماعيل عبد الله الامين العام للهيئة في الاحتفالية، فقد أشار البيان الذي أصدرته الهيئة الى أنه تم رصد هذا الضعف في مستوى العروض المشاركة في دورة القاهرة التي أقيمت في مايو الماضي: “علماً بأن المجلس التنفيذي للهيئة قد سجل في تقييمه للدورة إستياءه لضعف أكثر العروض المسرحية المشاركة وتراجع المستوى العام، آملاً في تدارك الوضع مستقبلاً والحصول على أعمال مسرحية أكثر نضجاً فنياً وفكرياً.”

من جهة ثانية ألقى الفنان أحمد الجسمي عضو المجلس التنفيذي للهيئة باللائمة على وزارات الثقافة العربية باعتبارها الجهة المسؤولة عن هذا القرار الذي شكل صدمة للوسط الثقافي عموماً وليس المسرحي خصوصاً. وذكر الجسمي أنه قبل الوصول إلى قرار تعليق العروض كان هناك اقتراح مقدم من «الهيئة» بأن ترشح وزارات الثقافة العربية كل على حدة ثلاثة أعمال مسرحية، بحيث يتم اختيار عمل من بينها من قبل لجنة اختيار تشكلها الأمانة العامة للمسرح، لكن معظم الوزارات العربية رفضت ذلك واعتبرته تدخلاً في شؤونها معللة بتخوفها من إشراك عمل ضعيف فنياً لا يرقى إلى مستوى التمثيل العربي، حسب التبريرات التي وصلتنا.”

هذا الخطاب يثير تساؤلات حول آلية المهرجان واختيار العروض المشاركة، فمن الواضح أن الهيئة العربية للمسرح “مستاءة” ان صح التعبير-  من  المعايير التي تستخدمها وزارات الثقافة العربية في ترشيح عروض بلادها، وفي الوقت نفسه تمتلك الهيئة مراكز قطرية في سائر الأقطار العربية، مما يطرح سؤالاً عن دور هذه المراكز ولماذا لا يتم تفعيل وتعزيز هذا الدورلخدمة أهداف الهيئة بدلاً على الاعتماد على ترشيحات وزارات الثقافة العربية، لا سيما أن موضوع المهرجان الذي اقترحه الفنان المنصف السويسي هو مسرح الشباب،الذي نفترض أنه  مغاير بطبيعته لكل ما هو رسمي. يأتي ذلك  بينما الهيئة العربية للمسرح ذاتها كيان غير حكومي يستهدف تطوير وترقية المسرح في البلدان العربية.

وتكتمل الصورة القاتمة اذا أمعنا النظر في رسالة اليوم العربي للمسرح التي  ينعي فيها صاحب “ثورة الزنج”  الفنان التونسي عز الدين المدني هذا الزمن الذي تردّى فيه فن المسرح العربي إلى أسفل سافلين، ” فصار مبتذلاً ملطخاً قذراً كمنديل الطبّاخ لأنه في متناول من هب ودب من بني آدم لا من العارفين، وصار محتقراً مبخوساً”.

ونادى المدني في كلمته/ رسالته بضرورة تعزيزالبحث المسرحي واعادة الاعتبار لأهل المسرح العربي، والاهتمام بتشييد البنايات والتكوين والتأسيس للتقليد المسرحي لدى الجمهور ودعم الإنتاج المسرحي لا بالأموال فقط بل أيضاً بالتشجيع الذي لا يكلّ ولا يملّ، بتوفير جميع الإمكانات للعروض وللمواسم بتنظيمها داخل أقطار العالم العربي وخارجه أي في أوروبا وأمريكا وأسيا حتى يبلغ صوت العرب الفني والفكري إلى سائر أنحاء العالم، كذلك بالتضامن الضروري مع أهل المسرح لا لشيء إلا لأنّ فن المسرح ضرورة لازمة للثقافة العربية الحيّة وللحضارة العربية القادمة.

إننا نلمس في “اليوم العربي للمسرح لعام 2010″  مؤشراً خطيراً على أفول شمس المسرح وتراجعه في عالمنا العربي بصفة عامة.وفي الوقت نفسه  نحترم ونقدر قرارالهيئة بالغاء المهرجان، والمبررات والأسباب المعلنة  التي ساقها القائمون عليه،  وقد تكون هذه الوقفة ضرورية وصحية لتأمل المشهد بكافة تفاصيله وأبعاده.

لقد أعربت الهيئة عن أملها في أن تتوصل مستقبلاً إلى” استخدام فواعل جديدة في عملها وإسهامها الإصلاحي للكينونة المسرحية العربية ”  وينظر المسرحيون الى الهيئة باعتبارها بارقة أمل ودفعة قوية لفن المسرح العربي، لكن على المسرحيين – في المقابل- أن يقوموا بدورهم  الايجابي في ايجاد هذه الفواعل، وطرح المبادرات الكفيلة بالخروج بهذا الفن العريق من ذلك النفق المعتم الذي يمر به.

والحوار مفتوح..

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

تعليق واحد لـ to “لا شباب.. لا شغف.. ولا مسرح”

  • مسرحيون شباب محترفون أم هواة؟
    بقلم: راضي شحادة-فلسطين
    لم يكن مفاجئا قرار الهيئة العربية للمسرح بالغاء مهرجان الدورة الثانية للمسرح العربي السنوي، بل المفاجيء بالنسبة لي هو القرار في اقامة مهرجان الشباب للهواة.
    كأحد اعضاء الهيئة العربية للمسرح في فرع فلسطين ارتأيت ان اوضّح بعض النقاط التي اتوخّى منها المساهمة في النقاش الدائر حول هذا الموضوع، وبخاصة انّ الهيئة العربية للمسرح لا تزال تتلمّس طريقها نحو الانطلاق:
    لقد ارتبكنا كثيرا عندما بحثنا عن فرقة من الشباب الهواة كي تشارك في هذا المهرجان، فمقياس اختيار فرقة بهذه المواصفات ليس بالأمر السهل، لأننا نبحث عن فرقة ذات مستوى مشرّف كي تشارك في المهرجان، وبصعوبة بالغة استطعنا ان ننتدب واحدة.
    السبب بسيط، ففرق الهواة اما انها تعمل بشكل حماسي هاو مزاجي مؤقت وغير محترف، واما انها مجموعة من الشباب الهواة المشاركون في ورشة مسرح مع مخرج محترف او يدرسون في معهد لتعليم المسرح.
    انا لست ملما بوضع مسرح الشباب الهواة في العالم العربي، ولكنني لا اظنّ انهم يشذّون عن هذه القاعدة.
    واما عندنا في فلسطين، فلدينا الكثير من الشباب والمخرجين والدارسين لفن المسرح ومنهم من هو منتمٍ لفرق مسرحية او يعمل مع مسارح مؤسسة او مطلوبون للعمل حسب العرض والطلب. لذلك فمن السهل ان ننتقي عملا مسرحيا محترفا او عدة اعمال لها بصمتها ومستواها، لا بل يمككنا انتقاء عدّة اعمال يشارك فيها مثل هؤلاء الشباب المحترفين الذين خاضوا التجربة وصقلوا موهبتهم وحرفيتهم بحيث اذا ما جمع بعضهم عمل مسرحي ما، نستطيع ان ننتقيه بثقة كي يشارك في المهرجان.
    مما تقدّم اقترح ان يكون المهرجان لمسرحيات محترفين، وستكون التجربة اكثر نجاعة اذا ما جمعت الشباب الجدد في الاحتراف مع قدامى الممثلين، ففي النهاية فالشباب الهواة الذين يريدون الاحتراف او يدرسون المسرح وفي طريقهم الى التخرج يمكنهم مشاهدة اعمال المهرجان والتعلم منها ومن ثم يعودون الى معاهدهم وورشاتهم للاستمرار في صقل انفسهم الى ان يصلوا الى درجة التلاقح الصحي بين الهواية والاحتراف.
    ضمن هذا المفهوم يمكننا في الهيئة العامة للمسرح ان نختار افضل العروض مع افضل المحترفين، وعلى هامش المهرجان يمكننا ان نختار فرقة او فرقتين من مسرح الورشات والهواة، وليس ان يكون المهرجان كله من الهواة، لأننا في نهاية المطاف لا نريد ان نلتزم بتشجيع فريق لا يزال في مرحلة المزاجية والتخبط والآنية واللااستقرار. واذا ما اخذنا بمقولة اننا نريد ان نشجع الهواة كي ينتقلوا الى مرحلة الاحتراف، فيمكننا اجراء بعض التسهيلات للشباب الذين يسيرون في طريقهم الى التخرّج والامتهان بأن نسهّل عليهم عملية المشاهدة لهذا المهرجان اكان ذلك من خلال الورشات التي يعملون بها في اكاديمياتهم او مع مخرجيهم المحترفين.
    واخيرا عندما نقول ان مستوى فرق الهواة التي قدّمت للمشاركة في المهرجان كان مستوى متدنيا، فهذا لا يعني ان مستوى المسرح العربي متدنيا، وارى في ذلك حكما تعميميا وعشوائيا، فهل مقياس المستوى المتدني او الراقي لفرقة هواة منوط بمقارنتهم مع مستوى المسرح المحترف؟ هنا نقع في فخ المعايير الغامضة للحكم على مثل هكذا نوع من العروض.
    عندما تتم العملية العرضية للعرض المسرحي فإنها حتما ستكون محكومة لمقاييس عناصر الفن المسرحي التي تجمع التأليف والاخراج والتمثيل والسينوغرافيا وطريقة دمج سائر الفنون من موسيقى وغناء وموسيقى تصويرية ودمى وأقنعة وديكور وازياء واضاءة وطريقة اشغال الفضاء المسرحي والى آخره من متطلبات العرض المسرحي التي تشكل الجسد الكلي للعرض.
    راضي شحادة- مسرحي اديب وعضو في الهيئة العربية للمسرح- فرع فلسطين

سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
مهرجانات ومؤتمرات
  • باحثون عرب يرصدون تأثيرات بريخت في الإبداع العربي

    ناقشت الندوة الرئيسية للدورة 21 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي اختتمت أخيرا، بالقاهرة، بمشاركة مسرحيين من أوروبا، وإفريقيا، وآسيا، وأميركا، قضية “التجريب في المسرح السياسي”.

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • ندوة دولية عن المسرح الذي لا نعرفه

    التبادل المعرفي المسرحي  وتحديات المشهد العولمي المسرح دوت كوم – ‏08‏/02‏/2010- سعياً من  أكاديمية الفنون الى مواكبة  الاهتمام العالمي المتزايد بالمسرح العربي وبقضاياه وإشكالياته، نظراً لما لهذا المسرح بالضرورة من دور هام في الاشتباك مع الواقعين العربي والعالمي بكل تعقيداتهما الراهنة في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: الثقافية والإيديولوجية والسياسية والاقتصادية ، وتأكيداً [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • تونس تحتضن احتفالات اليوم العربي للمسرح

    انطلقت بالمسرح البلدي بالعاصمة التونسية فعاليات الاحتفال الثالث باليوم العربي للمسرح الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح على غرار الاحتفال باليوم العالمي للمسرح وذلك ضمن أهداف الهيئة التى أطلق مبادرة تأسيسها ويرأسها شرفيا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة . حضر الاحتفال الذي يأتي بالتزامن مع احتفالات تونس بمئوية [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • متابعات من مهرجان دمشق المسرحي

    رفيق علي أحمد: سيبقى المسرح حصرماً في عيون الفنون الأخرى الفنان اللبناني – رفيق علي أحمد – حوار : احمد الخليل سيبقى المسرح حصرماً في عيون الفنون الأخرى يحل الفنان رفيق علي أحمد ضيفاً على مهرجان دمشق للفنون المسرحية، والفنان أحمد من المسرحيين المهمين عربياً، عرفه جمهورنا السوري من خلال عدة عروض مسرحية(قطع وصل-حكم الرعيان..) [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • الشمعة الخامسة لمهرجان فاس للمسرح الجامعي

    على نغمات أغنية:”الحلوة” رهانات تحققت وأخرى في الانتظار بشرى عمور طيلة أربع أيام عاش فضاء مركب الحرية عرسا مسرحيا دوليا بمناسبة الدورة الخامسة لمهرجان فاس الدولي  الجامعي، بتيمته المتميزة:” مهرجان القراءة المسرحية”، الذي نظمته جامعة سيدي محمد بن عبد الله من يوم الأربعاء 08 أبريل 2010 إلى غاية 11 منه. تميزت هذه النسخة بنضوج حضوري [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me