شباب يحلم في ميدان عام
مشكلة الكتابة الجماعيةهي تفاوت المستوي بين المشاهد أو اللوحات المطولة أو القصيرة وبين فجاجة وبلاغة التعبير، ذلك بالضبط المأخذ الأساسي علي عرض المخرجة الموهوبة عبير علي التي أدرك اجتهاداتها وطموحها وقدراتها محبو الفن المسرحي من خلال عروض عديدة (أشباح مصرية) و(سلسبيل) و(الشاطر حسن) و(حلم ليلة برد) و(حكاوي النص همه) وغالبا ما يكون الاعتماد علي أفكار رئيسية لنصوص عالمية تعاد صياغتها بما يتلاءم مع واقع الحياة في المجتمع المصري مثلما حدث في عرض (أشباح مصرية) المعتمد علي أشباح هنريك إبسن، وفي عرض (حلم ليلة برد) المأخوذ عن (سبارتاكوس) وذلك أيضا ما تكرر في أحدث عروض المخرجة عبير علي الذي يقدمه حاليا مسرح الشباب علي خشبة مسرح السلام (ميدان سكتش) المرتكز الي نص (الساعة) لبيتر هاندكه الذي ترجمه د.محمد شيحة،
<br> لكن ليس المطلوب وضع كاميرا في أحد أطراف هذا الميدان الذي من المفترض أنه في القاهرة لتسجيل بعض مشاهد ولقطات من الحياة اليومية بل المطلوب الانتقاء الدقيق الذي لم يتحقق في بعض المشاهد أو الاسكتشات القصيرة التي بدت تجسيدا لتصرفات ولعلاقات مكررة ومعروفة، لذلك صار حذفها واجبا حتميا، ولقد قربت النشرات الإذاعية والتعليقات المباشرة علي أحداث فلسطين والعراق، هذا العرض من طبيعة عروض الجريدة الحية حيث يسهل حذف أو إضافة بعض المشاهد والتعليقات يوميا لملاحقة الأحداث المستجدة محليا وعالميا، ولكي تكتسب هذه النوعية من العروض المعتمدة علي الصياغات غير التقليدية قيمة فنية وفكرية أكثر يستحسن الا تقدم الواقع كما هو حتي لا يبقي الواقع الحقيقي أقوي وأبلغ في عمقه وتأثيره من الواقع الذي يعاد تجسيده علي خشبة المسرح، ويتحقق ذلك لو حدث تغريب للواقع ليصير أشد غرابة وإثارة للدهشة.. <br> وعموما فإن أقوي اللوحات هي التي تحررت من الثرثرة الكلامية فوصلت سريعا المعاني التي تعجز الكلمات المنطوقة عن توصيلها، وتداخلت الهموم وتراوحت ما بين الهم الفردي الخاص وما بين الهم العام للوطن العربي الكبير.. وأضف الأغاني الحية غير المسجلة علي العرض حيوية مطلوبة، فرغم انها قديمة أعيد توظيفها لتعطي دلالات مخالفة وجديدة.. ولم تلجأ المخرجة عبير علي للحظات الإظلام محافظة علي الإيقاع المتصاعد دون سأم موحية بأجواء الارتجال مع ان العرض قائم علي نص مكتوب يوحي بأنه مرتجل محتفظة ومؤكدة للطابع التهكمي للعرض التراجيكوميدي الذي يختلط ويمتزج فيه التعبير الكوميدي والتعبير التراجيدي بشكل محسوب، لكن كان بمقدور المخرجة عبير علي تقديم عرض (ميدان اسكتش) لمتفرجين جالسين في أماكنهم المعتادة في قاعة المسرح دون إلزامهم بمشاهدة العرض جلوسا فوق المنصة المسرحية ذاتها.. فهو عرض يحوي عناصر ومقومات العروض الجماهيرية وليس عرضا تجريبيا يتحتم تقديمه لنوعية خاصة من المتفرجين. في هذا العرض توهجت طاقات وقدرات أصحاب الخبرة في الأداء التمثيلي نهاد أبوالعينين ومنحة زيتون وطارق عبدالفتاح ومصطفي الشناوي، وأثارت الإعجاب مواهب واجتهادات هند محمد علي وبيومي فؤاد وحسام الدين مصطفي وأحمد سعد وعبير الطوخي.. بقي سؤال للمخرجة عبير علي التي من الواضح أنها تنوي مواصلة الإخراج المسرحي ولا تفر منه مثل الأخريات.. الي متي ستظلين مرتبطة بالورش المسرحية، ألم يحن الوقت بعد لدخول مرحلة أخري تستحقينها عن جدارة ؟


