السينوجرافيا ومزاحمة الممثل

أراست كوزنيتسوف
ترجمة: د. أشرف الصباغ

أعتقد فى البداية أن الأمر ينطوى على بعض السذاجة أو عدم اللباقة، ولكن لا يمكننى بأى حال من الأحوال سوى الاعتراف بأنه كلما سنحت الفرصة وتعرضتُ لتاريخ فن التكوين التشكيلى لخشبة المسرح الـ “سينوجرافيا ” ( Scenography ) يشملنى بعض الريبة والشك ، بل يمكن التأكيد أيضا أن ذلك الإحساس يساور الآخرين أحيانا . وبصرف النظر عما إذا كان الحديث هنا يخص ماضى هذا الفن، أو ما قبل الماضى، فإننا نجد أن الفن التشكيلى المسرحى يبدو على نحو ما فنا غريبا يستدعى الرفق به والتسامح معه.
الجدير بالملاحظة أن الأسماء التى تعمل فى مجال السينوجرافيا ليس لها أى وقع على الجمهور العادى، وتقتصر معرفتها فقط على المنخصصين. كما أن أعمالهم التى يشاركون بها فى العروض المسرحية تتلاقى وتمتزج بشكل تسيطر عليه النمطية واختلاف المستوى مما يجعلنا نلاقى صعوبة بالغة فى التمييز بينها، بينما لا نحتاج لأن نكون علماء أو جهابذة لكى نميز، من النظرة الأولى، مثلا الأعمال الفنية لـ “بوسين” عن مثيلاتها لـ “فيلاسكيس”، و”فيلاسكيس” عن “روبنز”، و”توريللى” عن أى من أبناء “بيبين” الكثيرين. فالسينوجرافيا ليست أكثر من نتوءات بالمقارنة مع أعمدة فن الرسم والتصوير. فبصراحة… من يكون “روللير” ملك الأفكار المسرحية بين معاصريه من أمثال ” بريولوف” و”فيدوتوف” و”إيفانوف”؟ وكذلك أيضا من جاء بعده مثل “بوتشاروف” و”شيشكوف”… حتــى “جيلتسير” و”فالتسمان”؟ من هم على خارطة الفن بشكل عام وليس فقط فى أوساطهم أو حتى فى أعظم ما قدموه من أعمال؟
لم يستطع الفن التشكيلى المسرحى تقديم أو الإسهام ولو حتى بنصيب ضئيل فى مجمل الدوافع والبواعث الكامنة للثورة الفنية العظيمة التى ساهمت فيها الأشكال الفنية الأخرى مثل الرسم والتصوير والأدب والموسيقى وفن العمارة. ومن هنا ترد على الذهن فكرة تجديفية تتمحور حول أن السينوجرافيا خلال عصور طويلة لم تكن فنا بالمعنى المفهوم بقدر ما كانت حرفة فنية لها خصوصيتها ومواصفاتها مثلها مثل جهود عامل الماكياج، والبوتافور “عامل الإكسسوارات”، وميكانيكى-عامل-المسرح. ولذا فقد كان الجمع بين وظيفتى ميكانيكى المسرح هذا ومصمم المناظر (السينوجرافى) فى وظيفة واحدة شيئا طبيعيا للغاية.
إن اختلاف الحرفة عن الفن يكمن فى: أنه فى الحرفة-وهذا الاختلاف ليس الوحيد، ولكنه مهم جدا-تغلب النمطية وتهيمن فى عمومها على التفرد الشخصى مما يضاعف بشكل خاص من محدودية المجالات والنواحى الحرفية ومن أهدافها ووسائلها ونتائجها ومعاييرها. وبكلمات أخرى، فالحرفة تقوم أساسا ، وتنهض على القواعد والأسس العقلية المنطقية التى تحددها القدرة والمعرفة والخبرة، وليست الموهبة الفردية أو البداية-الانطلاقة-الإبداعية الذاتية. وهذه القواعد والأسس العقلية المنطقية فى حد ذاتها كافية لتبقى الحرفة شيئا بذاته. أما فى الفن، فالذى يشكل المعنى والفائدة وهدف الوجود ويهيمن، هو تلك-البداية أو الانطلاقة الإبداعية الذاتية، التى تجد صورتها الأسمى وشكلها الأمثل فيما يسمى بــ”عالم الفنان التشكيلى”. وبالطبع فهذه مقابلة فظة وغير جدلية لأنه فى نشاط الفن التشكيلى كجنس من أجناس النشاط الإنسانى، لا يمكن إطلاقا فصل الحرفة-الصنعة-عن الفن، حيث يرتبط كل منهما بالآخر بعلاقة تأثيرية جدلية معقدة ومتقلبة فى آن واحد. ويمكن تصور عملية الرسم أو التصوير كارتقاء من الحرفية نحو الفن، مثلها مثل عملية الاستئصال التدريجى لقواعد وقوانين عدم الخصوصية الفردية-الشخصية-من أجل إزاحتها فى اتجاه زيادة وإنماء هذه الخصوصية . وقد بلغت هذه العملية ذروتها فى فن المدرسة الانطباعية “التأثيرية” عندما وصلت عبادة التعبير الفردى عن الذات إلى أقصى مداها. أما ما بعد الانطباعية فقد أبدت خلافا لذلك نزعة للارتداد إلى الوراء ” نحو هيمنة وتحكم القواعد التى وضعها هذا التيار الفنى أو ذاك”، بينما تعزز دور هذه القواعد فى التكعيبية عندما كان حساب وتقويم الفنان “بابلو بيكاسو، جورج براك، خوان جريس، لوبوف بابوفا، ماريا روزانوفا… “على أساس سلوكه الشخصى من حيث الوداعة واللطف والحساسية والتأدب. بعد ذلك فى الـ ” Suprematism ” لم يكن إلا فى استطاعة المتخصص المدقق تمييز “كازمير ماليفيتش” عن تلامذته “أنَّا ليبورسكايا” أو “نيكولاى سويتين”. ثم ازدادت الأمور تعقيدا، ففى مرحلة ما بعد الحداثة غابت لدى الكثيرين، أو ببساطة شُطِبَتْ تماما إشكالية التفرد الشخصى، وكان يكفى أن يتم اختراع أية قاعدة أو قانون مؤقت يمكن العمل على أساسه ولا يهم من سيسير عليه بعد ذلك فى تنفيذ أعماله الإبداعية التالية، هل هو المايسترو نفسه الذى اخترع القانون أم العامل المأجور. وكلما زاد تفنن المايسترو فى مساعيه نحو اختراع أو تكوين شئ ما جديد “ومن دون ذلك ستصبح الأمور معقدة”، كلما أصبحت النتيجة مجردة من الصفات الشخصية، وفى منأى عن هذا المايسترو. وبعبارة أخرى عندما تحرر فنانو ما بعد الحداثة من سطوة القواعد والقوانين السابقة صار كل منهم يؤسس شكله الفنى الخاص به على أساس قوانين وقواعد مؤقتة تنتهى بانتهائهم من عمل محدد لتحل محلها أخرى فى العمل التالى… وهكذا، وفى نفس الوقت كان العديد من الفنانين الآخرين إما يكررونها أو يمزجونها بما يخترعونه، ومن ثم فقد كانت النتائج-الأعمال الفنية-تخرج إلى النور غير منتمية إلى أحد، أى مجردة من التفرد الشخصى وبعيدة عن مؤسسيها.
من ناحية أخرى فقد تسللت دائما الانطلاقة الفردية-الشخصية-بدرجات متفاوتة إلى الحرفة. والحقيقة… أننا نحن المتعبين من حضارة الآلة تستهوينا مبالغات وتصورات الرومانتيكيين حول الموهبة والتفرد الشخصى الذى كان-ولنكن واقعيين-بالنسبة للحرفة دائما وأبدا عنصرا ثانويا، ودليلا على السلبية وعدم الاكتمال أو التحقق. وبالتالى ليس عبثا أن تخلصت الحرفة من التفرد الشخصى فى سبيل زيادة الإنتاج. تلك التفاصيل وإن كانت لا تعوق بسهولتها وبساطتها عملية فهم وإدراك الفرق بين الفنان التشكيلى والحرفى، إلا أنه من الضرورى أخذها بعين الاعتبار، لأنه لو لم نتعامل بشىء من القسوة والتبسيط فى آن واحد فلن نتمكن من فهم القضية على وجهها الصحيح. والصعوبة تكمن هنا فقط فى الإدراك الدقيق لحدود التبسيط ومن ثم عدم تجاوزها.
لقد شكَّل الفرق بين الفنان التشكيلى والحرفى عنصرا حيويا علم الجمال التقليدى، وحدد فى العديد من الأشياء ترتبية “هيراركية” الفنون المختلفة، بداية من الفنون “الرفيعة” التى تتوجه فى الغالب إلى الروح، وحتى الفنون “الهابطة” التى تنمو فى الحياة اليومية الاعتيادية. إن التراتبية أو الهيراركية هذه والتى نعتبرها غاية فى القسوة، لم يخترعها أحد منا، ولم تكن موجهة أو مرتبطة بأحد ما ، فهى ترصد بموضوعية حال الواقع الموجود بما هو عليه من اختلافات وتباينات فى درجات ترتيب الفنون جميعا. فقد كان بإمكان الحرفى أحيانا التطور حتى بلوغ مستوى الفنان التشكيلى، ولكن عليه فقط تغيير مجال نشاطه، ومن هنا أصبح الصائغ “تشيللينى” مثلا “النحات تشيللينى”. ولكن إلى أى حد؟ عموما فإن “تشيللينى” ليس هو أبدا “مايكل أنجلو”، والشاهد على ذلك أيضا “بيرس” الأول و”دافيد” الثانى اللذان وقفا فى فلورنسا يعرضان أعمالهما على مسافة غير بعيدة من بعضهما البعض، بالضبط لتيسير عملية المقارنة بينهما.
إن المسافة أو الفاصل-للأسف-موجود، ومن الممكن طبعا الاعتراض على ذلك بأن هذا الفاصل يتحدد بمستوى الموهبة ، وهذه حقيقة لا جدال فيها، ولكن الحقيقة الأخرى التى لا جدال فيها أيضا أن مجال النشاط نفسه قد انتقى-كقاعدة عامة-لنفسه من يعملون فيه، على أساس الموهبة والطموح بعكس ما كان يحدث فى تلك الأزمنة الماضية حيث كان يتم الانتقاء على أسس أكثر فطرية وطبيعية، مما هى عليه الآن ، بل على العكس الآن حيث يتبين لنا فى محيط الحرفيين فنانون غير متحققين ، مثلما نرى فى محيط التشكيليين كثيرا من الطموحين غير الموهوبين. وعلى سبيل المثال “جونزاجا” الذى كان أستاذا وخبيرا ماهرا، ولكن هذه الأستاذية والخبرة فى مجملها برزت وتألقت على مستوى مقارنته مثلا بالفنانين التشكيليين من أمثال “بروفيكوفسكى” و”ليفيتسكى”، أو بـ “كيبريفسكى”. وليس مصادفة أن يتركز اهتمام الناقد إبرام إيفروس فى دراساته عن جونزاجا حول منمنماته وزخرفاته الديكورية فى الوقت الذى تناول فيه بشكل عرضى أعماله المسرحية التى سيطرت فيها النمطية على التفرد الشخصى. ولا يوجد أى شئ مهين أو مثير للدهشة فى أن الفن التشكيلى المسرحى ظل على مدى قرون طويلة كأى حرفة تشكيلية . فالمسرح ببساطة لم يكن فى حاجة ملحة إلى السينوجرافيا لتكوين خشبة المسرح بقدر حاجته-وقتها-إلى الفن متمثلا فى الرسم من حيث إمكانية توظيفه فى عملية التلوين والتعبير. وقد سار المسرح فى طريقه ببراعة خلال الرسوم التخطيطية للفراغ المسرحى والتى نَوَّعَ الحرفى التشكيلى فى أنماطها وطرازاتها مما كان من شأنه تدريجيا أن يقوى واقعية التعبير ويعززها “وبالتالى استطاعت الوظيفة التعبيرية أن تنحى الوظيفة التزيينية أو الزخرفية”. ولكن الواقعية فى حد ذاتها تعتبر فقط مهمة حرفية من أجل إنجاز حلول فنية لا تحتاج إلى موهبة ضخمة، وليست فى حاجة إلى تفرد شخصى قوى، حيث إن الفنان الواقعى هنا “كأى وطنى ملتزم” لا يعتبر مكسبا للمسرح. ولذا فليس عبثا أن الفنان الواقعى “سيموف” القانع طيلة حياته بخدمة الأشكال التقليدية السائدة، قد عاد إلى المسرح مهزوما بعد فشله أمام حوامل الرسم.
وفى النهاية فقد كان من الممكن الاكتفاء بحدود تلك العلاقة بين السينوجرافيا والحرفة والتصالح مع الأفكار الخاصة باستفادة كل منهما من الآخر. ولكن يبدو أننا لسنا فى حاجة-اليوم-إلى مسألة التصالح أو الاستسلام هذه، لأن جميع هذه الأفكار لا تخص من قريب أو بعيد سينوجرافيا قرننا هذا. خاصة وأنها خلال هذه الفترة سجلت طفرة نوعية هائلة بالمقارنة مع أمثالها من الفنون الأخرى الأقـدم منها. وفى واقع الأمر فإن الفنان التشكيلى المسرحى (السينوجرافى) فى الوقت الحاضر يقدم نفسه ليس فقط القادر على الزخرفة والتعبير، وإنما بوصفه الحامل لذلك العالم الإدراكى الخاص والشخصى الذى يجسده بشكل متوال وبصورة دائمة فى أعماله . فلديه عالم الفنان الخاص به ، حيث الواقع الذى ينعكس عبر تفرده الشخصى، ويتلون بقناعاته، هو واقع له شكله الفنى الدامغ والمقنع الذى يتضمن ذات الفنان . وهو الآن يمتلك حقه فى التعبير الذاتى كأى مبدع آخر، ولكن إلى جانب ذلك الحق ، حصل أيضا وبوضوح على إمكانية التعبير الذاتى تلك التى كانت منتزعة منه حتى وقت قريب، والتى من دونها لا تعتبر أية حقوق مهما كانت ضرورتها أكثر من دعاوى باطلة. وبالتالى فقد أصبحت أعمال الفن السينوجرافى-بأبعد معانى الكلمة-أعمالا فنية حقيقية. وعلى الرغم من كون مضمون العمل الفنى التشكيلى على خشبة المسرح مرتبطا بمضمون العرض المسرحى ومعبرا عنه، إلا أن الجدير بالاعتبار هنا، هو أنه بإمكان أى فنان تشكيلى متخصص، أو أى ناقد فنى تقويمه بشكل منفصل كعمل فنى مستقل بذاته وبعيد عن الإشكاليات المسرحية الخاصة.
لقد كثرت الأحاديث والمقالات حول هذه القضية فى السنوات الأخيرة ، وتكرار ذلك الآن ليس بذات أهمية ، فالمهم هو تبيان إلى أى حد أصبح حِرَفِىُّ الأمس فنانا تشكيليا بكل المعايير خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين . فهل يتجاسر أحد ما الآن على الزعم بأن الفنان التشكيلى ” دافيد بوروفسكى ” ـ وهو ليس الوحيد ـ كفنان تشكيلى قد استطاع أن يقدم لزمنه ويعبر عنه ليس أقل من أى فنان تشكيلى آخر على قدر كبير من الموهبة والإبداع نفسهما ؟ وبالتالى فعلى ضوء تغير جوهر المهنة ـ الحرفة ـ فقط والذى تغيَّر على أساسه وضعها كمهنة ، يمكن تفسير إقبال وتذفق ذلك التيار الخفى لأعظم فنانى القرن العشرين على المسرح ، من أمثال بيكاسو وماتيس وبراك وديرين وكيركو وشاجال وفافورسكى وألتمان وساريان وشيلر وفالك وكونتشالوفسكى … وغيرهم ، والذى لولا ذلك التغير والتطور فى السينوجرافيا فى علاقتها بالفن التشكيلى بصورة عامة لما حدث ذلك الإقبال والتدفق . واليوم ، يمكن القول إنه فى القرن العشرين قد حدثت بالفعل الثورة الثانية فى مهنة مصمم المناظر ( السينوجرافى ) ، والتى خرجت من تحت معطف الثورة الأولى عندما أصبح وقتها الفنان الحرفى مصمم الديكور والملابس للعروض الدينية حرفيا من الطراز الرفيع ” تقريبا فنان تشكيلى ” ومنفذا للرسوم التخطيطية ” الإسكتشات ” للديكور والملابس التى استخدمها كؤدون آخرون من قبل . وقد ارتبطت كل من الثورتين بالتغير الراديكالى لجوهر السينوجرافيا ، أى بالطابع التفسيرى ـ التأويلى ـ الجديد للفراغ المسرحى . فالمسرح الميسترالى ” الدينى ” القائم على أساس الفراغ المسرحى الواقعى ، قد أبدع موديل ” نموذج ” العالم المدرك ” فى المثال ” . ومع التغير ، أى مع المسرح القائم على أساس الفراغ المتخيل ، تم إبداع صورة العالم المرئى . أما بالنسبة لمسرح القرن العشرين فقد كان عليه أن يصعد على حلزون التطور بالعودة ( أى يقف فى نقطة مقابلة على درجة أعلى ) نحو نموذج العالم الانفعالى الذى أبدعه من جديد بمساعدة الفراغ الواقعى .
لقد استجابت السينوجرافيا بصورة دائمة كابنة للفنين “المسرح والرسم”، للمتطلبات الجديدة للمسرح وأيضا للإمكانيات المتطورة لفن الرسم والتى نضجت إلى حد كبير واستوى عودها فى زمننا الحالى، فما كاد المسرح يخلف وراءه ساحات الكنائس لينعزل داخل العلبة المسرحية، حتى قَدَّم إليه فن التصوير منظومة “مُعَدَة خصيصا من أجله”-حتى تلك الفترة الزمنية التى طرحت فيها-على شاكلة اللوحات الكلاسيكية المبنية وفق منظور عصر النهضة والموجهة إلى جمهور معين “افتراضى أو مثالى”، هذا الجمهور فى الواقع يقف حاليا على الطرف النقيض منها أمام متطلبات مسرح القرن العشرين الذى لعب فيه فن الإخراج دورا كبيرا فى إدراك الكلية الفنية للعرض المسرحى القائمة على الأفكار الفردية-الشخصية للمخرج، حيث قدَّمَت السينوجرافيا إمكانيات جديدة تماما هى ما قدمها لها أساسا تطور فن الرسم والتصوير (والحديث هنا يدور حول الانقلاب الذى أحدثه الفنانون التشكيليون الطليعيون فى بداية القرن العشرين).
وفى الحقيقة، فقبل أن يقوم أقطاب الطليعيين بإجراء تجاربهم التدميرية كان فن الرسم قد اكتسب خبرة كبيرة أمكن من خلالها استخلاص مختلف الدروس “جرى ذلك فى العشرينات من القرن العشرين” ومن هنا صار “جوردون كريج” و”أدولف أبيا” من رواد السينوجرافيا الجديدة. وكم سيكون من الممتع والمهم تأمل ذلك الدور التحررى الذى لعبته الهواية غير المبنية على تخصص علمى أكاديمى فى تفتيح عيونهما وتطوير وجهات نظرهما: أولا فى مجال فن الرسم، وثانيا فى مجال المسرح. ولقد استشف هذان الرائدان أن هناك شيئا ما يجب أن يولد، وبسبب هذا الاكتشاف المبكر، والمعرفة السابقة على أوانها كانت معاناتهما، أو بالأحرى عقابهما بعدم إمكانية تحقيق أفكارهما الرائعة حتى النهاية. وبالتالى فلم يحصلا أثناء حياتهما على التقدير والاعتراف الحقيقيين والمناسبين لما قدموه من أفكار عظيمة الآفاق.
إن المسرح كفن له خصوصيته فى وقتنا الحاضر، يتقبل بصعوبة بالغة ما يخص مستقبله، ويسخر عن طيب خاطر من ماضيه القريب، وفى الوقت نفسه ليست لديه القدرة أو الكفاءة على استباق زمنه مثل الأدب أو الرسم. وقد كانت الفكرة الرئيسية التى وحدت كلا من المجددين هى التخلى عن فكرة الفراغ الوهمى التى مازالت سائدة كليا حتى الآن فى المسرح وذلك لصالح الفراغ الواقعى. وعلى ضوء ذلك فقد عثرت تجارب وممارسات العديد من القرون الماضية فجأة على ضالتها المنشودة والتى لا يمكننا أبدا الادعاء بأنها شاذة أو مخالفة للطبيعة. وفى الحقيقة، فقد استغلت اللوحة الفنية فكرة الفراغ المُتَخَيَّل لأن سطحها فى الواقع مستو، بينما لخشبة المسرح فراغ واقعى خاص بها-ذاتى-، والذى يمكن-بل ويجب أن يتم استيعاب جمالياته كما يحدث فى فن العمارة. لأنه إذا تم استغلال الخشبة أو جزء منها، فإن ذلك سيكون فقط على المستوى الوظيفى نظرا لأن الممثل يوجد ويتحرك فى هذا الجزء. إلا أن الخصائص الجمالية والتعبيرية للفراغ الواقعى ظلت من دون فائدة، وبدا كأنه مجرد مادة خاملة تم استخدامها فقط على المستوى الوظيفى. وباءت جميع محاولاتهم بالفشل فى استغلال الفراغ الواقعى جماليا، فجاء فى النهاية مثل اللوحة الفنية المسطحة-المستوية، ولم يكن عبثا أن أُطْلِقَت وقتها على السينوجرافيا تسمية “الرسم الديكورى المسرح”.
من الواضح أنه لم يتغير شئ، ولم يكن أيضا من الممكن ورود هذا التغيير خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة التى أُطْلِقَ عليها “هيمنة الرسم” فى مطلع القرن العشرين عندما اقتحم خشبة المسرح رسامون حقيقيون من أمثال “كوروفين” و”جولوفيف”، وبعدهما “سوديكين” و” سابونوف” بدلا من أشباه الرسامين من أمثال “روللير” أو”لابين” (ولا أهمية هنا للأسماء). إن نتائج هذا الاقتحام تجعلنا نسرع بالقول والتأكيد على أن موسم ” دياجلييف ” المسرحى مدين إلى أبعد الحدود بنجاحه إلى الفنانين التشكيليين قبل أى شئ آخر.
وفى الواقع فالأمور لم تتغير كثيرا، فقد ارتفع فقط المستوى الفنى للرسم، فى حين ظل جوهر طريقة العمل كما كان عليه فى السابق. وبالتحديد فقد ظلت الرسوم التخطيطية-التصميمات الكروكية-على صورتها المثالية، بمعنى أنها ظلت التجسيد الحقيقى والمعبر عن أفكار الفنان التشكيلى على الورق، بينما كانت واقعية التكوين التشكيلى المسرحى نفسها ومحاولة تجسيدها على خشبة المسرح غير كاملة وصعبة التحقيق والتنفيذ حتى ولو حاول الفنان التشكيلى-المصمم-تحقيقها بنفسه، وذلك مثلما كان يفعل “كوروفين”. فهل كان من الممكن أن تصبح السينوجرافيا فنا كاملا لو أن مثلها الأعلى ظل خارج خشبات المسرح التى تعتبر المكان الحقيقى الملائم لتحقيق هذا الفن؟
فى الحقيقة إن مثل هذا الفهم القديم لخشبة المسرح بوصفها لوحة “مسطحة” قد استقر فى عمق تجارب “ميرخولد” الرمزية الذى كرس الكثير من قطع الديكور الرمزية لملء الفراغ المسرحى فى معظم أعماله التجريبية، وهذا ما ينطبق بدرجة ما على ستانسلافسكى وخصوصا فى مسرحيتى “الطائر الأزرق” و”حياة إنسان”. وقد توجه كل منهما ليس إلى الفن التشكيلى التقليدى-الذى ساد فى عصرهما أو الذى سبقه-أى ليس إلى الرسم ذى النزعة الخيالية، وإنما إلى أساليب الرسم الحديثة، وبالتالى فقد خَفَّت حدة التناقض بين الفراغ الوهمى وبين الممثل الواقعى، لكن فقدان الفراغ نفسه وضياعه كانا الثمن الباهظ الذى دفعه المسرح .
وهكذا فإن الانقلاب فى السينوجرافيا بهذا الشكل كان مرتبطا ليس بإقبال الفنانين التشكيليين الكبار، وإنما بتغير التعامل مع الفراغ المسرحى وإمكانية تحويله إلى فراغ فنى سينوجرافى. لأن الفراغ الفنى السينوجرافى لا يعبأ بقدر كبير بما هو موجود عليه من أثاث وديكور ووسائل تعبيرية أخرى خاصة بالتكوين الفنى لخشبة المسرح (على الرغم من أنه لا يرفض هذا الأمر)، بقدر ما تؤثر فيه الملامح والأفكار الذاتية-الشخصية للفنان التشكيلى فى ترتيب وتنظيم ووضع الوسائل التعبيرية والأثاث والديكور باختيار الفنان الذاتى لكل الموضوعات والوسائل التى من شأنها رصد وتعزيز وجهة نظره الفردية-الشخصية من أجل الحصول على كافة ردود الأفعال والانطباعات التى يبتغيها. فقد فشل فن الرسم “الديكور المسرحى سابقا” فى تصوير العالم المرئى لأنه كان مجبرا على الارتضاء بالموضوعات الخاصة بإحباطات وانكسارات العالم، والتى وجدت لنفسها مكانا على خشبة المسرح أو من خلال الفراغ المتخيل. لكن اتضح فيما بعد أن السينوجرافيا الجديدة لديها الكفاءة والقدرة على تقديم (وليس تصوير) وبشكل قاطع كل ما هو موجود فى الواقع، وكل ما هو كاذب ومختلق فى العالم. ولا شك فى أن اكتشافات الطليعيين قد أعطت للسينوجرافيا الجديدة ركيزتها الأصيلة وقاعدتها الحقيقية التى انطلقت منها. والحديث يدور هنا ليس عن تلك الإيمانات الطوباوية الآثمة والمفاجئة فى آن واحد، والتى رسَّخها القادة والنظريون الطليعيون وكررها بعد ذلك بسهولة تامة أنصارهم، ولكن عن الاكتشافات المبدئية الهامة التى تمخضت عنها تجاربهم بشكل موضوعى. وفى كل الأحوال فقد كانت هذه الاكتشافات عبارة عن اكتشافين أساسيين:
الاكتشاف الأول:
خص تعدد نقاط-زوايا النظر إلى العالم. فاللوحة الفنية الكلاسيكية التى سعت لإظهار أو إبراز العالم قريبا بقدر الإمكان من صورته التى تطبع أو تسجل على شبكة العين “وبالتحديد على شبكية عين واحدة” للراصد الواقف فى مكانه قد كفت عن كونها الإمكانية الوحيدة أو على الأقل أفضل وسيلة لنقل الفراغ. وبالتالى مَثُلَ العالم أمامنا كموضوع قائم بذاته، أى كواقع فراغى له حجم مستقل عن رؤيتنا يمكن أن يتم نقله بطرق عديدة مختلفة. وعلى ضوء هذا الاكتشاف استلزم الأمر العدول عن الفراغ المتخيل مع كل ما يترتب على ذلك من آثار وصولا إلى المشروعات الراديكالية ” والتى أثبتت الحياة أنها طوباوية” لتشكيل مبنى المسرح نفسه. وكان من نتائج ذلك أن أصبح كل ما هو موجود، وكل ما يجرى فوق خشبة المسرح يجب أن يظهر بأبعاده الثلاثة ( Axonometric Projection ) “أى ببساطة كما لو كان مرئيا من زاوية” مع فتح المجال لإعمال وتشغيل-تفعيل-زوايا الرؤية الأخرى المتعددة.
الاكتشاف الثانى:
وتلخص فى أن الإضاءة والتقنية والإيقاع والاستواء والحجم والفراغ، أى كل تلك العناصر الخاصة بالشكل، والتى استخدمها فن الرسم من قديم الزمان كعناصر مساعدة فى اتجاهه نحو تصوير العالم بشكل أكثر دقة، قد تم فهمها وإدراكها للمرة الأولى كعناصر أساسية ومستقلة بذاتها على نحو معروف. ومن هنا على وجه الخصوص كانت الخطوة الأولى لفهم وإدراك العمل الفنى كظاهرة كلية تشكل العناصر السابقة فى مجملها أساس بنائه-بنيته التحتية-والتى تؤثر فينا حتى قبل أن نتمكن من الإمعان فى العمل الفنى. حيث إن هذه العناصر تمتلك إمكانياتها الذاتية للتأثير الفنى ومنها يمكن تكوين البنيات الفاعلة-المؤثرة فى الإدراك، وغير المنسوجة من أجل أن تعكس صورة العالم، وإنما من أجل تفسيره وتأويله بشكل نشط، أو تكوين البنيات المجردة بشكل عام.
وفى النهاية فالمخرج الذى ظل طويلا يبحث عن وسائل لتحقيق أفكاره قد وجد فى الفنان التشكيلى نصيرا قويا منحه تلك الوسائل، وأهمها جميعا استيعاب وبناء-إبداع-الفراغ المسرحى. وعليه فقد اتحد اثنان من الحرفيين المسرحيين حديثى العهد التزم كل منهما مكانه كحرفى لفترة طويلة، ولكنهما الآن أصبحا فنانين مبدعين يزاحمان بقوة الممثل الذى كان حتى وقت قريب هو المبدع الوحيد على خشبة المسرح. وبهذا تكون الثورة قد اكتملت.

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
مهرجانات ومؤتمرات
  • افتتاح مهرجان المسرح العربي بالقاهرة تحت شعار “تأكيداً للتضامن وتحفيزا للإبداع”

    افتتاح مهرجان المسرح العربي على مسرح العرائس تحت شعار “تأكيدا للتضامن وتحفيزا للإبداع” افتتح دكتور أحمد مجاهد “رئيس المهرجان” يوم الخميس الموافق 15 أبريل الدورة الثامنة لمهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الجمعية المصرية لهواة المسرح تحت رعاية السيد الوزير الفنان/ فاروق حسنى وزير الثقافة، وذلك في حضور نخبة كبيرة من الفنانيين والمسرحيين المصريين والعرب وفي [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • تونس تحتضن احتفالات اليوم العربي للمسرح

    انطلقت بالمسرح البلدي بالعاصمة التونسية فعاليات الاحتفال الثالث باليوم العربي للمسرح الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح على غرار الاحتفال باليوم العالمي للمسرح وذلك ضمن أهداف الهيئة التى أطلق مبادرة تأسيسها ويرأسها شرفيا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة . حضر الاحتفال الذي يأتي بالتزامن مع احتفالات تونس بمئوية [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • المكسيك و ألمانيا تحصدان جوائز الدورة ال22 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء

    بشرى عمور بعد نيلها لجائزتي (الموضوع المسرحي، ومناصفة في جائزة أداء إناث من خلال الممثلة نورما إيريكا شانشس) تفوز مسرحية “المرأة سازون” لجامعة المسرح بنميرييتا (المكسيك) بالجائزة الكبرى للدورة ال22 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، التي أقامتها جامعة الحسن الثاني ـ المحمدية ـ الدار البيضاء / كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ بنمسيك، من العاشر [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • ندوة دولية عن المسرح الذي لا نعرفه

    التبادل المعرفي المسرحي  وتحديات المشهد العولمي المسرح دوت كوم – ‏08‏/02‏/2010- سعياً من  أكاديمية الفنون الى مواكبة  الاهتمام العالمي المتزايد بالمسرح العربي وبقضاياه وإشكالياته، نظراً لما لهذا المسرح بالضرورة من دور هام في الاشتباك مع الواقعين العربي والعالمي بكل تعقيداتهما الراهنة في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: الثقافية والإيديولوجية والسياسية والاقتصادية ، وتأكيداً [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • أكثر من 30 عرضا في الدورة الخامسة للمهرجان القومي للمسرح المصري

    القاهرة (رويترز) – يشارك 34 عرضا في (المهرجان القومي للمسرح المصري) الذي تقام دورته الخامسة الاسبوع القادم على نحو 15 مسرحا وقاعة عرض في القاهرة. وقال رئيس المهرجان أشرف زكي يوم الاربعاء في مؤتمر صحفي ان المهرجان سيبدأ السبت القادم دون حفل افتتاح حيث تعرض في أولى لياليه ست مسرحيات منها (عرق البلح) لعبير منصور [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me