مسرح المرأة في مصر
تكتسب الدراسات عن الدراما المسرحية اهمية لندرتها هذه الأيام، او بالاحرى لندرة الجيد منها، إلا ان هذه الدراسة تكتسب مزيداً من الاهمية لانه لم يسبق وان وضعت دراسة مطولة ومعمقة عن كتابة المرأة المصرية للمسرح أو لمشاركاتها الفنية في المسرح، وتأتي هذه الدراسة التي وضعتها الباحثة المصرية سامية حبيب، مشفوعة بالتحليلات العلمية والتوثيق عن دور المرأة في هذه الكتابات خاصة وان معظم الادبيات عن المسرح استأثرت بالتجربة الذكورية.
وقد حاولت الكاتبة ان تقدم قراءات مختلفة عن هذه التجربة الاثيرة، وتكشف عن الكثير من الابداعات التي لم تأخذ طريقها في النقد والتحليل. حيث وجدت اثناء جمع المادة العلمية مجموعة كبيرة من النصوص الدرامية بلغ عددها (43) نصاً درامياً مصرياً معاصراً منذ عام 1951، وحتى الان وهو عدد كبير لم يكن في الحسبان من قبل، ولم يرد ذكره في اي مرجع حول المسرح المصري.في الفصل الاول حددت الكاتبة مساره في الدور الاجتماعي للمرأة المصرية.
وقد تناولت هذا الدور وفق فترات زمنية مختلفة ابتداء من مطلع القرن العشرين، او بالاحرى من القرن التاسع عشر لاوائل القرن العشرين ثم قدمت لدور المرأة من عام 1923 ولغاية 1952 مع ثورة يوليو حيث التحولات الجذرية التي طرأت على المجتمع المصري مع ثورة يوليو ثم بحثت في هذا الدور من عام 1952 ولغاية 1974 ثم مرحلة الانفتاح الاقتصادي والانغلاق الفكري على حد تعبيرها، لتبدأ بعد ذلك في البحث عن هوية الحركة النسوية
وتعد السنوات الخمس عشرة الاخيرة من القرن العشرين هي مرحلة مراجعة مهمة لمكتسبات المرأة المصرية بعد فترة التمزق السابقة التي استنفدت الكثير من جهدها وجهد المجتمع في مناقشة موضوعات ظن كثيرون انها قضايا قد تم حسمها منذ سنوات سابقة.
الفاصل الثاني من البحث كان عن السياق الابداعي للمرأة، وقد رصدت الباحثة ظاهرة تأخر ظهور المرأة المبدعة في نواحي الادب ومنها الشعر، الا ان البواكير ظهرت مع بداية القرن المنصرم. فظهرت عائشة التيمورية كشاعرة متميزة، ومن الصحفيات والمفكرات كانت ملك حفني ناصف، ومي زيادة، واقترن اسم نازك الملائكة بحركة التجديد الشعري ومحاولات التمرد والثورة على القالب التقليدي الموروث للقصيدة العربية وتقنياتها.
اما عن النشاط المسرحي للمرأة، فقد رصدت جانبين من المشاركات، مساهمات المرأة في المسارح الاهلية وتجاربها في المسارح الحكومية، وكانت الدراسات لا تهتم كثيراً بالدور الفاعل للمرأة في المسرح على اهميته في مشاركتها للرجل، وعلى الرغم من وجودها كمبدعة الى جانب المسرحي المبدع
ولذا فهو يكتب عن المساهمة الاولى لرائدات المسرح واللواتي عملن مع يعقوب صنوع أو مع الشيخ سلامة حجازي أو مع احمد ابو خليل القباني أو حتى مع عزيز عيد ويوسف وهبي وغيرهم من عمالقة مسرحنا ورواده، وهي تبحث في اصول الممثلات والظروف التي احيطت بهن، وكذلك المؤسسات التي شاركن بتأسيسها أو أسسن هذه الشركات أو هذه الفرق.
عندما وقفت الباحثة على مرحلة لاحقة لدور المرأة في المسرح في مصر وجدت تقدماً كبيراً قد لحق بهذا الدور في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حيث كونت اكثر من فنانة فرقة مسرحية تحمل اسمها، تنتج وتمثل فيها مع مجموعة من زملائها، وقد سبب ذلك لهن مشكلات فنية واقتصادية بل واجتماعية اثرت على المسرح وعلى حياتهن الشخصية.
ثم تخوض الباحثة في النشاط المسرحي الرسمي، ابتداء من التمثيل بشكل عام الى تأسيس معهد الفنون المسرحية لتعليم فن التمثيل وفنون الدراما، وقد حمل هذا المعهد اسم (معهد التمثيل الحكومي) رأسه مسيو هونكير مدير عام الفنون الجميلة بوزارة المعارف العمومية وعضوية كل من د. طه حسين، والشاعر احمد شوقي، والشاعر خليل مطران، والمخرج زكي طليمات.
ان التفاصيل التي تذكرها الباحثة شديدة الاهمية وممتعة ايضاً، وننتقل بعد ذلك الى الفرقة القومية المصرية والتي تأسست عام 1935 ومن ثم تكتب عن التطور الابداعي للمرأة في المسرح وكتابتها للدراما بما في ذلك دراما الاطفال.
في الفصل الثالث نبدأ مع الباحثة سامية حبيب وهي تتابع المرحلة الاولى من كتابة المرأة للدراما للفترة من 1950 ولغاية 1975، ثم نقرأ صورة المرأة في نصوص تلك المرحلة التي سمتها الباحثة بالمرحلة الاولى على اننا نطلع على قائمة بمسرحيات الكاتبات المصريات للفترة انفة الذكر.
يعد نص مسرحية «كسبنا البريمو» لصوفي عبدالله، هو أول نص درامي لكاتبته تشهده خشبة المسرح المصري (في النصف الثاني من القرن العشرين) عندما عرض في موسم 1951 ـ 1952 اخراج حمدي غيث والنص لم يكن ليقدم لولا حماس مدير الفرقة القومية المخرج زكي طليمات وحماس شاب دارس عائد من بعثة دراسية هو حمدي غيث،
ثم يأتي نص مسرحية سكان العمارة لجاذبية صدقي ليكون النص الدرامي التالي الذي تشهده خشبة المسرح القومي لكاتبة اخرى بعد مرور اربع سنوات على التجربة الاولى وقد تحمس له هذه المرة مخرج مسرحي صاحب تاريخ طويل وهو يوسف وهبي.
اما الفصل الرابع فقد خصصته الباحثة لدراسة المرحلة اللاحقة من التجربة النسوية في الكتابة. وحددت الفترة من عام 1980 ولغاية 2002 وقد خاضت في البحث في الدراما الاجتماعية، ودراما التراث وكذلك الدراما التعبيرية، وقد استعرضت الباحثة عشرات العناوين وعدداً كبيراً من الكاتبات اللواتي ساهمن في الكتابة الدرامية.
كتبت نادية البنهاوي مسرحيات متعددة من ذوات الفصل الواحد وضمتها في مجموعة باسم «الوهج» يجمع بين هذه المسرحيات التي تحمل اسماء (لماذا؟، مشهد درامي، اللحن المفقود، الوهج) عوامل مشتركة عدة منها شخصيات قليلة، الحدث الدرامي بسيط يعتمد على التطور النفسي، المكان مغلق غالباً، منزل وبالتحديد حجرة محدودة الاتساع، يختلف نوع المكان في الوهج لكنه ايضاً مغلق ومحدود على البطلة، وفي اللحن المفقود شاطيء بحر لكنه ايضاً معكوس الدلالة حيث تشعر فيه البطلة بالوحدة والمحدودية.
وقد خلصت الباحثة الى عدة نقاط استنبطتها من نصوص الدراما التي حللتها وسبرت غورها، ووجدت تنوعاً للقوالب، كما تنوعت الدراما في توصياتها، وناقشت الكاتبة قضايا جذرية وشديدة الخصوصية بالمرأة، وكذلك علاقة الموروث الاجتماعي بدور المرأة، ووضعها الاجتماعي، وقضايا الخيانة، وقضايا الانحراف بأشكاله.
على ان الكاتبة الباحثة سامية حبيب تضع بين يدي القاريء في نهاية كتابها السير الذاتية للكاتبات المصريات اللواتي كتبن للمسرح وهن كثر منهن نذكر: صوفي عبدالله، جاذبيه صدقي، لطيفة الزيات، فوزية مهران، ليلى عبدالباسط، نهاد جاد، فتحية العسال، نادية البنهاوي، ناهد نائله نجيب، وفاء وجدي، فاطمة المعدول، منحة البطراوي.
عبدالاله عبدالقادر
الكتاب: مسرح المرأة في مصر
تأليف: د. سامية حبيب
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2003
الصفحات: 202 صفحة من القطع المتوسط


