قراءة فى الخال فانيا – مارك رازوفسكي

قراءة فى ” الخال فانيا ”

مارك رازوفسكى

أنطون تشيكوف

ترجمة: د. أشرف الصباغ

هذه ليست مخطوطة متخصص فى الآداب ، وليست أيضا لمتخصص فى عالم تشيخوف ، لكن الدافع لكتابتها جاء ، وبالدرجة الأولى ، من مصدرين أساسيين : الأول ـ من أوراق ودفاتر الإخراج التى ضمنتها العديد من الملاحظات . والثانى ـ من جهاز التسجيل المنزلى الذى سجلتُ عليه جميع الالتباسات والتشويشات، والتهويمات التى كانت ترد على لسانى . وقد فعلتُ ذلك بشكل ذاتى ولنفسى كخطوة ضرورية وعمل تمهيدى لإخراج المسرحية . ولكن الآن ، وبعد أن تمت المحاولة بالفعل وشاهدها الجمهور، فمن الضرورى والمهم أن نعيد اكتشاف عالم تشيخوف على ضوء هذه التجربة للخروج بفهم جديد له.

إن كل قراءة جديدة هى ، فى المقام الأول ، عملية إبداعية . وباعتبار أن قراءة النص محاولة ذاتية ، أو بمعنى أدق هى محاولة فردية ، فمن الممكن أن تكون قراءتى مفيدة وخلاقة لقارئ آخر له محاولة ذاتية مختلفة ، ومن الممكن أيضا ألا يكون لها أى تأثير فى هذا القارئ . وبشكل عام لا يوجد لدىَّ هذا الوازع اللجوج لفرض رؤيتى / قراءتى ـ الذاتية ـ على القارئ . إلا أننى أود التركيز على أنه من خلال التعامل ـ القراءة ـ مع النص تتولد لديك بعض الأفكار الجاهزة مسبقا ، مثل تلك التداعيات التى تخلفها كلمة الكلاسيكية ، أو التعليمات التى يتلقاها الممثل من المخرج فى صيغة جاهزة ، حيث أن هذه الأفكار الجاهزة لا تأتى هكذا من فراغ ، أو من لا شئ . فعندما نلقى بحجر فى الماء ، نرى الدوائر الموجية وقد بدأت بالانتشار . والتداعيات مثلها مثل هذه الدوائر ، أو لنقل أن هذه الدوائر مثلها مثل التداعيات . فالدائرة الأولى تكون واضحة جلية ومحددة ، ثم تأتى الثانية ، والثالثة … والعاشرة … إلخ والنص التشيخوفى يمتلك خواص هذه الدوائر الموجية من حيث الغزارة والجزالة ، وأبسط شئ فيه يتحول إلى قيمة ذات أهمية عالية تصدر صدى واسعا نتيجة لتقاطع الخطوط المرئية وغير المرئية ، والمبنية على تناسب أجزاء العمل الفنى الدرامى المعقد ، والذى يمتلك ضروراته وتشعباته وأسراره عند تشيخوف . إلا أن القراءة يمكن أن تحدث بشكل سلبى ، وفى هذه الحالة يكون القارئ ـ المتعامل مع النص ـ مثل بقرة تجتر وتجتر فقط ، لأنه ببساطة يتعامل مع النص بشكله المكتوب على الورق ، ودون وعى لأى دوائر وتقاطعات ناجمة عن الكلمات التى تحتل مركز الجملة ، وتدور حولها الفكرة . وهذا النوع من انزلاق العيون على الكلمات يعتبر غير مثمر بالنسبة للمسرح . فإذا كان الأدب عبارة عن قاعدة ـ قانون ـ فإن المسرح هو الصيغة الروائية لهذه القاعدة ، ولكى نؤسس العلاقة .. ونوطدها بين القاعدة والصيغة ، لا ينبغى أن تكون القراءة سلبية ، بل يجب أن تكون قراءة نافذة وتفصيلية ومتأنية ، أى : دراسة ، وإلا تعرضنا لخطر الانحطاط الثقافى المعرفى ، والجهل باللغة المسرحية التى يكتب بها الكاتب مسرحيته ووقعنا فى فخ عدم فهم وإدراك البديهيات الأولية للوصول إلى أعماق النص .
إن تقديم الأعمال الكلاسيكية يعنى دائما ـ شئنا أم لم نشأ ـ الارتداد والنكوص عما يجرى فى زمننا المعاصر ، ذلك الزمن الذى أصبح يشكل عالما قاسيا من الخواء الروحى ، الذى يفتح بدوره هوة حالكة من انعدام القيم والمفاهيم الإنسانية . مما يتطلب بشكل فورى العودة إلى الثقافة الكلاسيكية بما تنطوى عليه من زخم فكرى وإنسانى . وفى الوقت نفسه يعنى التوغل فى المعاصرة على ضوء استلهام الثقافات الكلاسيكية ، وبمساعدة تجارب وخبرات أصحابها ، والتى نستدعيها خصيصا لسد هوة الفراغ الروحى للزمن المعاصر ، والقضاء على كل ما يتسرب إلى أرواحنا من خواء يشمل كل شئ . فالإقبال على القديم ينشأ بسبب النزوع إلى الجذور الأصلية والتوق إلى التراث حتى لا يموت فى لحظات الرعـب المتأصل ، أو ينثر فى خضم تمزقات العالم المعاصر ، بل ليبقى دائما وأبدا فى وعينا ووعى أحفادنا . إن إدراك عظمة التماثيل والآثار القديمة لا يتأتى من صمتها المخيم فى الفضاء المجرد ، ولكن عن طريق حركتها الواقعية الدائبة فى الوعى المحسوس ـ الموضوعى ـ لكل إنسان على حدة فى عالمنا الحاضر . وبالتالى فإن إعادة إنتاج ما مضى يجب ألا تكون ، فى أى حال من الأحوال ، مثل إقامة تماثيل لتماثيل أخرى . والمقصود هنا ذلك الفن الميت الخالى من القيم والأخلاقيات الإنسانية ، والذى يرضى الكثيرين من الأدعياء والكاذبين على الرغم من إفلاسه وعدم فعاليته فى الواقع . فالماضى الذى يُنْسَج بشكل غير عضوى مع الحاضر ، يتم نسيانه ، ومن ثم يندثر ويذهب هباء ، ومن الأفضل للحاضر أن يندفع متدفقا فى المستقبل بدلا من الاستقرار فى فى التاريخ . لكن إذا كان الماضى غير مدروس ومستقرأ ، فسوف يكون المستقبل غير معروف . وعندما تشكل الكلاسيكية الجوهر الروحى للحاضر ، فهى جديرة بالدخول إلى المستقبل ، ويتم ذلك فقط عندما تجرى فى هذا الحاضر عملية تحرر وانعتاق الروح ، بعيدا عن محاكاة هذه العملية أو تزويرها ، لأن الثقافة تأخذ دورها الطليعى عندما تتغلغل فى العمق ، وتعيد إنتاج نفسها ، وتبعث فى الذاكرة عملية بحث جبارة عن الحقيقة ، وعن ذلك الذى اندثر وغاص هناك فى المجهول . فى هذه اللحظة الخطيرة تصبح الثقافة ضرورية للجماهير التى صارت ضامرة الإحساس ، وعديمة الاكتراث بأى تراث مهما كان رائعا وجميلا . والمقصود هنا بالطبع هو تشيخوف الذى ينكره راهننا ، وتنكره انغماساتنا فى مشاكلنا الخاصة ، ذلك الكلاسيكى الذى مازال يحلِّق عاليا فوق رؤوسنا ، وتلزمنا قوة ضخمة للوصول إليه ، لأننا فى الواقع قد ابتعدنا كثيرا عن التراث ، وعلينا أن نقطع مسافات طويلة من أجل عملية التماس مع هذا التراث . عندئذ سنجد أننا نصطدم بالإشكالية الدائمة لتأثير الذين ماتوا عضويا فقط : فهل أعمالهم تؤثر ” أو لا تؤثر ” فينا نحن الأحياء ؟ وهل هذه الأعمال لها نفوذ ” أم هى دون نفوذ ” ؟ وفى حالة الاعتماد المباشر على كفاءتنا فى قراءة أو عدم قراءة النص القديم ـ فهل إعادة الخلق الفنى فى خبرتنا تعطى ” أو لا تعطى ” متعة خيالية كاملة ، مادامت تظهر ” أو لا تظهر ” بداخلنا قدرة حقيقية على رؤية ما تحقق فى الماضى من نماذج وأشكال مسرحية حية ؟ وعندما نجد فى أنفسنا تلك القدرة على اكتشاف العلاقة بين تصوراتنا عن العالم الذى مضى ، وبين أحداث التاريخ التى جرت فيه وتناولتها الكتب بالشرح والتحليل ، فسوف يحضر العالم الماضى لتشيخوف ، وشكسبير ، وغيرهما ، ويمثل أمامنا بشكل فعلى ومقنع ، على الرغم من ابتكاراتنا واختراعاتنا الفنية . إن الكلاسيكية تشكل لنا تصورا عن أنفسنا فيه معنى الخلود ، وفيه إمكانية الوصول إلى أرقى مراحل المعرفة ، بل وتؤكد لنا عن أنفسنا ، أننا نعيش فى كل الأزمنة ، وفى كل الأماكن ، خاصة فى حالة تحطيمنا للزمن ، وسلخ الأحداث التى جرت فيه ، والتصقت بكل شوائبه ، وعندما نحمل هذا الزمن إلى زمننا الحالى ، إلى الـ ” هنا ” و ” الآن ” الخاصتين بنا . كل ذلك هو اللعبة المسرحية ، وتيار صيروراتها على خشبة المسرح . فالإنسان ـ الممثل ـ فى ملابسه ليس فقط تلك الشخصية التى كتبها المؤلف ، ولكنه الـ ” أنا ” التى تعطى من ذاتها قوة وزخما ، وتؤكد وجودها فى كل الأزمنة ، وكل الأشياء ، وكل الأماكن .
على ضوء ذلك ، فإن الرغبة فى عرض أية مسرحية كلاسيكية تبدأ من القراءة المتواضعة للنص المسرحى مع مراعاة أن تكون قراءة واعية متعمقة ونشطة تقود إلى تكوين التصورات الإخراجية والحلول السينوجرافية . ففن المسرح النفسى لا يوجد ، ولن يوجد ، دون المرور بهذه الخطوة العملية ، التى دعا إليها الموسيقار ” ساليرى ” الذى كان يضع موسيقاه على أسس وقواعد القوانين الموسيقية المحسوبة ، وعلى أسس ما يسمى بالجبر الهارمونى ، مما دعاه إلى انتقاد موسيقى ” موتسارت ” التى لم تكن تراعى هذه القواعد والأسس بقدر ما كانت تعتمد فى عظمتها وقوتها وهارمونيتها على عبقرية موتسارت نفسه . وعلى الرغم من تدنى الاهتمام بالمسرح النفسى يوما بعد يوم إلا أن ذلك لن يؤثر فى قوته وعظمته ، لأنه دائما يتناول كل ما هو مجهول ومتعدد الوجوه من طبيعة الإنسان .
وبرغم تأكدنا اليوم من هبوط وانحطاط المستوى العام لحرفة الإخراج الخاصة بهذا المسرح ، فإننا ندرك بشكل لا يقبل الجدل بأن هذا الفن هو ذروة الاستيعاب الفنى للعالم . ومن المحزن حاليا أن نرى انهيارا ( ليس نهائيا ) لمدرسة الممثل الروسى القائمة على ” المعايشة ” ـ معايشة الممثل للدور ، وعلى أداء ممثلينا الرفيع والعقلانى المبنى على الدوافع . ففى الوقت الحاضر يؤدى الممثل دوره بشكل مبـالغ فيه ، وبإضفاء حالة من التصنع والصراخ . لقد أصبح من النادر حاليا وجود تلك القاعدة العلمية الأكاديمية التى تتطلب حالة من التناسب بين ما تنطوى عليه الشخصية المكتوبة ، وبين الممثل الذى يؤدى هذه الشخصية على المستويين الداخلى والخارجى ، والتى كان يطلق عليها ، قديما ، إتقان الدور ، دون مبالغة عن طريق إدراك جوهر وماهية الشخصية ، من أجل تجسيد الفكرة ، ومن أجل كل ما هو رئيسى ومهم . وعلى الرغم من ذلك فالمسرح يذكِّرنا دائما بجوهره ، وبعظمته غير العادية ، وأنه فى كل هذه الحالات لا يزال يؤدى طقوسه فى تؤده ومهابة ، ولا يهبط أو ينحط إلى حضيض المبالغة والبهلوانية ، ويحفظ تراثه وكينونته التى تعلن دائما وأبدا عن الـ ” أنا ” غير المتحفية ، وغير الروتينية ، وغير الملساء ، وإنما تلك الـ ” أنا ” التى يحققها ويعلن عنها عن طريق المشاركة والتعاون والصراحة والإخلاص ، والتفانى فى الجوهر . وسوف تظهر هذه الـ ” أنا ” عندما يمتلك المسرح قوته الجبارة وصراحته المطلقة فى رفض الانحطاط والمبالغة والابتذال ، وينهض ليصنع من نفسه جسرا روحيا ومَعْبَرا من الإنسان إلى الإنسان الآخر ، وأن يجد فى نفسه القدرة على التجديد ، وإمكانية التخلص نهائيا من التفاهة والتكرار ، ومن ثم يعيد نفسه إلى صفائه السابق ونقائه وعظمته على أسس وقواعد معروفة منذ القِدَم لكنها لم تستخدم حتى الآن ، ولم يتم تطبيقها من قبل .
سوف نقرأ مسرحية ” الخال فانيا ” كما لو كنا نقرأها للمرة الأولى ، لكى نبدأ بعد ذلك فى تقديمها على خشبة المسرح . ولذا فسوف نتوقف قليلا أثناء القراءة كى نفهم شيئا ما ، ونناقش ونتدبر ما نقرأه ، ومن الضرورى أن نعمق فى أنفسنا الإحساس بهذا العمل الفنى . سوف نقرأ ، وندرس النص ، ونغوص فيه سوف نمر بأصابعنا فى بطء شديد على كل حرف ، وكل كلمة . وسوف نحصر كل ملليمتر فى كـل سطر . وسوف نرتجف ونرتعش مع كل علامة تعجب أو فاصلة أو نقطة أو علامة استفهام . ولن ندَّعى أى شئ آخر سوى تلك النظرة الهادئة إلى الصفحة المطبوعة ، فإننا لن نكتشف أى شئ آخر جديد ، ولن نحاول إمساك أذننا اليمنى بيدنا اليسرى . سوف نقرأ فقط ، وبشكل بطئ ومدقق وممل … ومن المهم جدا أن يكون ذلك مملا جدا إلى درجة أن نصبح نحن أيضا مملين ، بل ولنجعل الملل يتسرب إلى أنفسنا إلى حد يثير النفور والعزوف . وعندما ننهى قراءة هذا النص التشيخوفى العظيم ” الخال فانيا ” من الغلاف إلى الغلاف ، سوف نحصل على متعة لا تضاهى ، أى من العنوان وحتى آخر حرف ، وإلى أن ” يسدل الستار بهدوء ” .
عندما كان شئ ما لا يعجب تشيخوف فى أحد عروض مسرحياته ، كان يقول دون عصبية ” إنهم لم يقرأوا النص ، فهناك كل شئ مكتوب ” . ومع ذلك فمازالت هناك بديهيات عامة يتم تجاهلها وإهمالها ، فبدلا من ” قراءة النص ” ، نرى المخرج يشرع فى الإخراج مباشرة . والإخراج بالطبع ليس قراءة عابرة ، لكنه إعادة قراءة ودراسة وتوغل فى النص . وعلى الرغم من ذلك ، فإننا نرى المخرج وقد اتخذ هيئة العالم الضليع ، ومن ثم يبدأ فى التعامل مع النص بقوانين من خارجه ، وتجد أن الأدوار قد توزَّعَت ، وفنان الديكور قد وضع تصميمه ، والعربة قد وُضِعَت أمام الحصان من أجل إطلاقها من فوق الجبل ! وهلم بنا . إن فهمنا لتشيخوف يتشكل أثناء عملية إجراء البروفات الأولية ، بل وحتى فى غضون مرحلة القراءة الجادة ، حول المائدة ، والتى تتطلب معالجة مبدئية للنص : تحليل كل كلمة فى منظومة الشخصيات ، وتحليل الموضوع ، والمَشَاهد ، والشخصيات نفسها ، والآلاف المؤلفة من التفاصيل البسيطة التى يمكن أن تكون على درجة عالية من الأهمية . إن لغة العمل الذى نحن بصدده الآن لن تصل إلينا بشكل ذاتى ومن تلقاء نفسها ، ولن تقفز من النص من جراء تلك الارتجالات غير المنظمة ، ومن الأفضل ألا يكون هناك أى نوع من الارتجال والحذلقة ، فتشيخوف لن يسامحنا على أية حال . وبالأحرى فإن جميع تأنقاتنا وبهرجاتنا الشكلية سوف تكون باطلة وعديمة الأساس ، وبدلا من التعمق فى النص ، فسنحصل بإرادتنا على ما يمكن أن يبهر المشاهدين المسطحين ، أو النقاد السطحيين ، فى الوقت الذى يعتبر فيه كل ذلك خيانة فظيعة للمؤلف ، بل يعنى إنتاجا هشا ورخيصا للعمل الفنى نفسه . فتشيخوف يتكون فى عمومه من ألغاز ، ومن أجل الإقدام على فك طلاسمها ، يجب أولا أن نقرأ النص قراءة عادية متأنية ، كلمة كلمة ، وجملة بعد أخرى . وهنا يتحتم علينا فهم عملية القراءة . فقراءة النص تسبق عملية الدراسة وتعدنا للدخول إلى مرحلة أكثر جدية ومسؤولية ، ألا وهى البروفات . القراءة هى فقط المدخل إلى تشيخوف ، وبدونها لن توجد أى نتائج على الإطلاق ، ويمكننا أن نقول : ها هى المسرحية أمامنا على خشبة المسرح … وبالتالى فهى نتيجة ! وفى الحقيقة سوف نكون قد ابتعدنا عن تشيخوف الحقيقى ، وعن الثقافة الحقيقية ، لنقف وحيدين على الجانب المضاد ومعنا تشيخوف آخر ممسوخ . وعليه فمن الضرورى بداية أن نطالع النص فى مجمله بطريقة المطالعة المدرسية ، وبأسلوب البحث عن الإبرة فى كومة القش . وعلى الرغم من التعب والملل والإنهاك ، فالقراءة البطيئة ـ وكلما كانت بطيئة ، تكون أفضل ، وكلما كانت تفصيلية ، تكون أكثر فائدة ـ تُعْتَبَر ذلك الوقود الذى يُشَغِّل محرك الممثلين بسرعة صاروخية . وفى النهاية يمكننا ألا نكترث بموافقتهم أو عدم موافقتهم ، فالأهم والأساس هنا هو إيقاظ وإثارة خيال وثقافة الذين يـؤدون الأدوار ، لأن قراءة تشيخوف ” تلد أرواحا جديدة ” ، وتجعلها مستعدة للإبداع الحر والكامل على خشبة المسرح ، وبعيدا عن أى غباء أو عبث . إن عملية الخلق والإبداع تبدأ بعد مرحلة الحفر والتنقيب ، بعد الحركة الإنهاكية على كل ملليمتر ، بعد الحصول على أكبر عدد ممكن من محاولات التعرف والتشخيص لما هو مكتوب حتى ولو كان بالفعل ” هناك كل شئ مكتوب ” . فجميع محاولاتنا للإقلاع والهبوط تتطلب خط طيران ممهدا قد مهده المؤلف ، ولكن لسوء الحظ فهو ليس مستقيما على الإطلاق ، بل تملؤه المنحنيات . وحتى الفرنسى … كوكلان ـ الأكبر الذى عاصر تشيخوف وعاش بعده خمس سنوات كاملة ـ أشار فى كتابه ” فن الممثل ” : ( عندما يقدم الممثل ” بورتريه ” ، أى يؤدى دورا ـ فمن الضرورى أن يتسلل إلى نوايا المؤلف وأفكاره ليبحث ويستفسر عن معنى وأبعاد كل شخصية عن طريق القراءة الواعيـــة المتعددة ) . ومنذ زمن ستانسلافسكى والممثلون لا يقرأون النص بأنفسهم ، بل يقرأونه مع المخرج ـ وهو الذى يقرأه عليهم .
إن صعوبة تشيخوف تتلخص فى أن ما يسمى بموقف المؤلف عند هذا الكاتب لا يتجلى فى تلك الكلمات التى كتبها ، إنما يظهر هذا الموقف فى الكلمات وفى علامات الاستفهام والتعجب والفاصلات والإشارات والإيماءات التى تموِّه هذا الموقف بأشكال عديدة ، وتبدو وكأنها لا تملك أى قيم دلالية ، أو معان فى سياق النص . إلا أن هذه اللغة بالتحديد قد استُخلِصَت من اليومى والعادى والمعتاد … وذلك اليومى والعادى متزامنة بطبعها مع التخيل والاختلاق والتلفيق ، وكل ذلك يشكل عالما كاملا يعيش فيه الناس كالشظايا ، وأيضا عدم وجود الحدث نفسها ، والغياب الشكلى الخادع لهذه العملية فى موضوعاته التى تتركب من محاور ومدارات وموضوعات دقيقة ، إلا أن صغرها ودقتها وعفويتها الظاهرية تخفى ما يسمى بغياب الحدث المزعوم فى مسرح تشيخوف . لكن كل ذلك وبطريقة غريبة يبدأ فى التراكم ، وعلى نحو ما مفاجئ يظهر كل ما من شأنه أن يباغت ويصعق ، مثل طلقة نارية ، أو ضربة سكين ، أو صرخة مدوية ، أو أى شئ آخر يفجر ذلك السريان المنسجم لسآمة وملل الحياة . فالأبطال مثلا ، يتبرمون من الضجر الذى يلفهم ، وفجأة يظهر مشهد قتل ، قصير مثل الومضة ( مع أن عملية القتل يمكن أن تفشل ) ، أو عملية انتحار ما ، حتى ولو من وراء الكواليس .
إن الطاقة الانتشارية ، أو تلك القدرة الاتساعية المتسلسلة لجميع النصوص التشيخوفية شبيهة بالأعمال البوليسية ، ولكنها فى الحقيقة تتناقض وتختلف معها كليا ، فهى تُبْنَى على أساس المفارقة وعدم المنطقية ، فى حالات الخطأ وسوء الفهم ، والسخافة ، والحماقة ، والبلادة ، وتقوم أساسا على منطق الفعل ورد الفعل ، والأحاسيس . وهنا نرى لماذا يكون من المهم والممتع فى آن واحد البحث والتنقيب فى معانى الحوارات التشيخوفية التى تدفع وتقود شخصياته مع بعضها البعض إلى الدخول فى مماحكات ، ونقاشات ، ومجادلات ، ومخاصمات ، ومشاجرات ، حيث تتصادم هنا ، ليس الأفكار أو المفاهيم الفلسفية ، وإنمـا الناس ـ هؤلاء البشر الأحياء وعلى العكس مما هو موجود فى الأدب الروسى عند ديستويفسكى ، وفى بعض مؤلفات تورجينيف ، وإلى حد بعيد عند تولستوى . فتشيخوف يبتكر نوعا جديدا من الـ ” النص داخل النص ” ( Meta – Dramaturgy ) ، حيث يوجد الإنسان دون رداء أيديولوجى ، أو قناع ” ماسك ” دينى ، إنما ببساطة يوجد كما هو ، وفى علاقات مع أناس على شاكلته . فى هذه الحالة تجرى عملية اختلاط للأنواع أو الأجناس الأدبية التى هى من مميزات مسرحه ، ففى أصعب اللحظات التراجيدية يمكن أن تمتزج حياة أشخاصه بنوع من العته والبلاهة الفكاهيين ، أو تهبط إلى أوطأ مناطق تقاطعات الصوت مع الصمت ، فها هم فى حالة يأس وقنوط ، بينما يودعون الحياة لاهين مرحين ، والقيم التى ضحى من أجلها الآخرون ، نرى أن هذا الخال وهذه الخالة يحاولان إهمالها . ولذا فإن خمولهم واضطرابهم يغذيان فيهما الأوهام والخيالات . إن المؤلف هنا ينظر إلى أبطاله من خلال حاجز زجاجى يمسخهم ، بتهكم وسخرية ، مما يجعلهم فى مواضع ما خلف هذا الحاجز ، يبدون واقعيين ، بل أكثر واقعية ، فيحيل حياتنا المعاصرة كلها إلى حياة مسرحية تجرى أحداثها أمامنا . إن جميع الأزمات الروحية ، والحساسية المرضية عند الأبطال التشيخوفيين لا تحمل مطلقا أية مسؤولية أمام الإله ، فهم يمارسون النميمة مع بعضهم البعض ، ويرتكبون الآثام كما لو كانت جوهرا لعدم إيمانهم ، يحدث كل ذلك دون فلسفات المعاناة الدينية ، وبدون جهد فوق قدرة البشر للتعرف على الحقيقة ، وإدراك أين يكمن الشر ، وأين يكمن الخير ، ولكنهم ببساطة يعيشون بالشكل الطبيعى ، وعلى مستوى التعرض للصدمات والهزات المعيشية العادية ، ودون مبالغة أو حذلقة . فهل يظهر شئ ما فى نهاية أعمال تشيخوف كما لو كان واضحا ومباشرا ، وقطعيا ؟ نعم يوجـد ذلك ، ولكن دون رياء أو ادعاء فى المعانى والدلالات ، ودون حماسة وتحمس وإنما كنتيجة لتدمير المصير وانكساره ، مثل اكتشافك فجأة أنك قد وقعت فى ذلك الفراغ الخانق للأبعاد الأربعة ( X . Y . Z . T ) . فى هذه النهايات التشيخوفية يوجد تشاؤم إنسانى عميق ، وكفر مطلق بإمكانية فهم وإدراك مغزى الحياة ، وقسوة خفية ، وشك كبير : نعم أيها البشر … ليس هناك أى أمل بسبب الخضوع والاستكانة … بسبب استحالة إمكانية الحياة نفسها . يعيش فقط النساك ، والزاهدون ، وفقط المتعصبون لأفكارهم وأعمالهم ، أو هؤلاء الذين يعالجون ، ويزرعون الأشجار ، ويعلمون الأميين . إن متاعب حياتهم أيضا تزداد وتتفاقم بسبب الانحطاط والمخاطر ، غير أن هذه الحالة من الشذوذ والاهتزاز هى جزء من اختيارهم ، وبمحض إرادتهم ، لطريقة حياتهم . وعلى الرغم من هذا الاختيار الخالى من أى إيمان ، إلا أنهم فى الحقيقة قد فعلوا ذلك ليس فقط من أجل أنفسهم ، ولكن أيضا من أجل الآخرين . وعلى ضوء ذلك فقد تغلب تشيخوف على تشاؤمه المعروف ، وأعلن عن إيمانه الإنسانى بهدوء وبلا ثرثرة ، فجلس فى ” الكارتة ” بمحض إرادته ، وسافر إلى جزر سخالين من أجل أن ينجز فقط ما كان يجب أن ينجزه كل كاتب روسى فى ذلك الوقت ، وقد فعله شخص واحد فقط ، هو أنطون بافلوفيتش .
إن النص المسرحى هو القانون ، أما المسرح فهو صيغة هذا القانون ومفجر مكنوناته . لقد شاهدنا أكثر من مرة ظاهرة غريبة جدا بالنسبة لأعمال تشيخوف ، فعلى الرغم من أن النص يسرد أمامنا على خشبة المسرح ، إلا أننا نلاحظ أن تشيخوف نفسه غير موجود . ونسأل أنفسنا : ماذا حدث ؟ وفى هذه الحالة نجيب :
ـ الممثلون أدوا أدوارهم بشكل سئ ، والمخرج أخرج المسرحية بشكل أسوأ .
لكن من أين يأتى كل هذا ” السيئ ” ؟ ولماذا يكون هناك ” إخراج ” فعَّال ، وآخر غير فعَّال ؟ هذا بالطبع يوضحه لنا النقاد ، فهم يقوِّمون العمل ويحللونه ، ثم يحكون لنا عن انطباعاتهم . لكن للأسف سيكون الوقت متأخرا ، وسيكون من الصعب الإمساك بتشيخوف . فهذا المؤلف بالتحديد يستخدم دلالات كلامية مضادة للكلمة نفسها ، فالجملة الكاذبة التى تقال على لسان الشخصية تحوى حقيقة ما ، وهذه الحقيقة تصل إلى وعى المُشَاهد . لأن الكذب الواضح فيها يعتبر بالنسبة لنا تعبيرا لفظيا . فما يقوله البطل التشيخوفى فى كثير من الأحيان هو عبارة عن كلام فارغ وسخافة غير متجانسة أو مقبولة ، بمعنى أن الخاصية الموجودة أمامنا هنا ، والتى يجب أن نفهمها ، هى أننا مجبرون على ألا نؤدى ، لا الكلمات نفسها ولكن ما بينها، أو ما تحتها، أو ما فوقها، أو ما هو بالقرب منها ، أو حتى ما هو بعيد عنها نسبيا . إن تعيين وتحديد المغزى، والبحث عن المنطق، هما الشرطان الأساسيان للتعامل مع المسرح التشيخوفى . ذلك المنطق الذى يُمَكِّن المُشَاهد من فهم المضمون الانفعالى الحى والمؤثر فى البناء الدرامى ككل ، أى فى تلك العلاقات المتبادلة بين الناس الموجودين على خشبة المسرح، وليس منطق المعلومات أو الكلمات نفسها . لأن تشيخوف هو عبارة عن الدلالة اللفظية المسرحية ذات الخصوصية الشديدة، والتى تعمل على البحث عن مغزى الكلمات فى حالة الاختفاء الكامل لدلالاتها. وقراءة مسرحيات تشيخوف ما هى إلا محاولة لفك طلاسم هذه الدلالات، من أجل أن يقف الممثلون على خشبة المسرح، تحت الأضواء، وينطقوا كلمات رائعة، لا تكمن روعتها وقوتها فيها ، بقدر ما تكمن فيما وراءها من حدث/فعل، وقلق، ودلالات حقيقية .
” الخال فانيا ” ـ أعظم مسرحية لتشيخوف ، لكنها لم تقرأ حتى الآن .
العنوان بسيط ومضجر ، ليس له صدى مسرحى ، وببساطة فهو ليس عنوان شباك . خـال ، خاله ، بابا ، ماما ـ كل ذلك ليس بالشئ الذى يلمع ويومض أو يهز طبلة الأذن ، ولا يجذب خلفه أو إليه . فأى ” خال ” ( دياديا ) كلمة تبعث على الضحك وتستدعى ابتسامة ما بسبب تركيبتها اللفظية المكونة من التكرار الغريب لحرفين ( ديا ) ، والتى تتشابه مع الكثير من الألفاظ الموجودة فى لعثمات الأطفـــــال ( ديا ـ ديا ) ، ومثل ذلك ( دادايزم ) . كما أن هناك اسما آخر مضافا إلى ( دياديا ) ، وهو اسم ” فانيا ” الراقص ، وهو اسم طريف بالنسبة للروس ! اسم يتكون من ثمانية أحرف تُكَوِّن كلمتين ، كل منهما تضم أربعة أحروف . إنها قسمة بالمناصفة تعطى للعنوان ذلك الإيقاع السرى الدفين ، الذى يبث فيه قدرا هائلا من الفتنة والسحر . وهذا ما حدث لى عندما سمعت اسم المسرحية باللغة الإنجليزية ” أنكل فانيا ” بذلك الإيقاع الصوتى ، وبصرف النظر عن كون الإنجليزية هى لغة تختلف عن اللغة الروسية ، لكنها أعطت التسمية نغما مميزا . وباختصار فهذا العنوان له شكل خاص ومميز ، وجمال ذو تأثير مهدئ بالمقارنة مع تسميات أخرى مثل ” هاملت ” و” عطيل ” . وهناك مسرحية أخرى لتشيخوف تملك نفس الخاصية من حيث علاقة القرابة بين الشخصيات وبين الاسم ، وهى ” الشقيقات الثلاث ” ( تِرِىِ سِسْتِرِىِ ) التى تعتبر من المسرحيات التشيخوفية التى لا تعلن عن نفسها . وعلى الأرجح فإن تشيخوف هو الوحيد الذى استطاع أن يسمى أعماله بهذا الشكل ، وبإصرار على المألوف والعادى ، وكما لو كان يقول : لا تتوقعوا أى شئ مفاجئ من قِبَلِى ، فسوف أقترح عليكم شيئا عاديا ومبتذلا ، وفى أحط صور السأم والملل ، فهل سيكون ذلك ممتعا لكم ؟
” الخال فانيا ” ـ كلمتان كفيلتان بإبعادك عن المسرح ، وعن التعامل الطبيعى مع عمل فنى فى سوق الفن . فالمؤلف يعلن بدهاء عن حكايات وشخصيات ، أولها شخص ما يدعى ” فانيا ” ، يتضح فيما بعد أنه بالنسبة لإنسان ما ” خال ” . فهل يبقى هناك شك فى أن كل ذلك بلاهة وضجر وسأم ؟! ” بلاهة وضجر وقبح ” مثل الحياة نفسها . ففى الأدب العالمى ، وفى المؤلفات المكتوبة خصيصا من أجل المسرح ، تنتشر ظاهرة تسمية العمل باسم البطل الرئيسى مثل ” هاملت ” ، ” لير ” ، ” عطيل ” ، ” ماكبث ” ، ” روميو وجولييت ” . ومن الواضح أن شكسبير لم يكلف نفسه عناء البحث عن أسماء غريبة . ومن هذا المنطلق فقد أطلق بوشكين بعض الأسماء على أعماله مثل ” جودونوف ” و ” موتسارت وساليرى ” ، وهناك المئات من الأمثلة الأخرى على هذه الظاهرة . وأنطون تشيخوف أحد هؤلاء ، بمؤلفيه ” إيفانوف ” و ” الخـال فانيا ” . ففى ككل من الحالتين تبرز عملية عدم التصنع والادعاء بشكل واضح وسافر . إلا أنه وبنظرة واعية مدققة يتضح أن هذا الوضوح والتحدى ما هو إلا رداء يخفى الظهور الذاتى للمؤلف . وهنا تتجلى حيلة تشيخوف فى تحويل انتباهنا ، واتخاذه موقفا كما لو كان لا يستهويه ، وليس من مصلحته ، نجاح أى مبدع يتناول هذا العمل . وهو يفعل كل ذلك من أجل أن ينقل إلينا انطباعا بأنه يقود فهمنا وانطباعاتنا ، لكنه فى الظاهر يرفض التأثير فينا ، فكل ما يهمه هو الطريق إلى الحقيقة ، وليس العنوان هو ما يهمه إطلاقا ، ولأنه يدرك جيدا أن ذلك كاف لجذب المُشَاهد والسيطرة عليه ، وليس هناك أى داع لافتعال أى مبالغات وحذلقات فنية لحث المُشَاهد وتنشيطه واحتوائه … إلخ .
ولنبدأ فى تحليل قائمة الشخصيات .
الأول على رأس هذه القائمة هو ” سيريبرياكوف ألكسندر فلاديميروفيتش ” ( أستاذ متقاعد ) . ولكن ماذا تعنى ( أستاذ متقاعد ) ؟ فضابط متقاعد شئ مفهوم ، بمعنى أنه أحيل إلى التقاعد . ولكـن الأستاذ ؟ كيف يمكن للأستاذ ـ البروفيسور ـ أن يكون متقاعدا ؟ أن يكون على المعاش ؟ وتشيخوف هنا يضع بطله رقم 1 كما لو كان يخطو خطوته الأخيرة فى الحياة ، لأن التقاعد يعتبر وظيفة لعاطل ، ونهاية مطاف وهو بذلك يستدعى دراما ذلك الإنسان الذى يفضل الماضى على الحاضر ، ويُظهِره كعملاق متعب مستسلم .
” يلينا أندرييفنا ” ـ الزوجة ( سنها 27 سنة ) ، ولنأخذ فى اعتبارنا لحظتين :
1 ـ زوجة أستاذ ـ بروفيسور ـ تُنَادَى باسمها واسم أبيها .
2 ـ المؤلف يصر على تحديد عمر البطلة بالضبط .
هنا يظهر موضوع السن حتى الآن على مستوى الإشارات فقط ، ونتيجة لذلك ، فعندمل تتطور الأحداث ، سوف يتحدث البطل كثيرا عن التوق إلى الشباب . والبطل ” سيريبرياكوف ” يطلق على نفســه ” تقريبا جثة ” ، وعند هذا الـ ” تقريبا جثة ” زوجة شابة تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاما . وسوف يناديها ، تحببا ورفعا للكلفة ” لينوشكا ” ، وسيناديها فوينيتسكى بـ ” هيلين ” ، أما أستروف فسوف يناديها بـ ” المرأة الرائعة ” ويلينا أندرييفنا …
هنا يظهر موضوع الزواج غير المتكافئ . وعلى الرغم من أنه قد تم الإعلان حتى الآن عن شخصيتين فقط : الزوج والزوجة ، وهما يبدوان كشريكين مختلفين ، وبرغم أن المسرحية لم تقرأ بعد ، ولم يبدأ أى حدث ، إلا أننا نملك فكرة ما وتلميحا عن الخلاف ، ولدينا تصور ما عن المشكلة ، كما لو أن تشيخوف يتفق معنا مبدئيا على أن الزواج غير المتكافئ هو مبرر لأسباب الخلاف . وهذه بالطبع ميلودراما مبتذلة ومكررة ملايين المرات فى الأدب .
بعد ذلك ..
” صوفيا ألكسندروفنا ” ( سونيا ) ـ ابنة سيريبرياكوف من زوجته الأولى . وهذا ضرورى جدا من أجل فهم … ” تصور شخصية ” سيريبرياكوف . بمعنى أنه أستاذ يمتلك يلينا أندرييفنا كزوجـــــة ” ثانية ” ، أى أنه كانت له حياة ما قبل يلينا أندرييفنا . إذن فمن الممكن أن يكون الأمر ممتعا ، بل أكثر من ممتع للدخول فى المسرحية . فماذا عن تلك الحياة فى النص ؟ هل هناك كلمة أو تلميح أو مميزات لهذه الحياة السابقة ؟ لا شئ تقريبا يمكن استخلاصه من فم المربية العجوز مارينا . إن اسم ” سونيا ” الموضوع بين قوسين فى قائمة الأسماء ، سوف يأتى داخل النص ، خارج الأقواس ، وسيصبح أساسيا ، كما أنه لا يوجد أى إنسان ينادى سونيا بصوفيا ألكسندروفنا سوى أستروف . وهذا ليس مهما بالنسبة للمؤلف بقدر ما هو مهم بالنسبة للشخصيات الأخرى ، مع تذكرنا جيدا أننا قد اشترطنا بأن يكون توزيع القوى على المواقف من منطلق ” الزواج غير المتكافئ ” ، ومن هنا سوف تتفاقم البواعث الدرامية الجديدة ، والتى ستكون أسبابا دائمة للصراع والخلافات . ونلاحظ أيضا أن الأسماء الثلاثة الأولى فى القائمة تُكَوِّن المثلث الأول للمسرحية : الزوج ـ زوجة الأب ـ ابنة الزوج . والأب عجوز متقاعد ، وزوجة الأب شابة ، وابنة الزوج لم تعد بعد طفلة ، أو ليست لديها القدرة على معرفة وفهم ” الكبار ” .
” فوينيتسكايا ماريا فاسيليفنا ـ أرملة مستشار سرى ، وأم زوجة الأستاذ الأولى ” . وهذه أول إشارة إلى الزوجة الأولى . ويتضح أنها من أسرة مستشار سرى . ولكن ماذا يعنى هذا المنصب … مستشار سرى ؟ هذا لقب وليس منصبا . فكم كانوا يدفعون من أجل هذا اللقب ؟ لا شك أنهم كانوا أغنياء . وماذا تعنى كلمة ” سرى ” إلى جانب كلمة ” مستشار ” ؟ وفى النهاية …
” فوينيتسكى إيفان بتروفيتش ـ ابنها ” . وهو البطل الرئيسى الذى يحمل عنوان المسرحيـة اسمه . ما ترتيبه فى قائمة الأسماء ؟ الخامس ! لم تكن هناك إشارة إلى عمره فى القائمة ، ولكن ذلك يُعرَف من خلال النص ، وعلى لسان الخال فانيا نفسه ” والآن عمرى سبعة وأربعون عاما ” . وتشيخوف غالبا ما يستخدم طريقة تداعى البطل على الرغم من أنها أحيانا ما تكون خطرة لأنها تقود إلى ” المصارحة ” الدرامية ، وإلى التقليدية التى تقود بدورها إلى التصوير المباشر بشكل مبتذل . ولكن قدرة تشيخوف هنا تتجلى فى أن الجزء التقريرى المباشر لفهم الدور متغلغل ، متداخل وذائب ، وفى حالة تفاعل مع المعاناة الخفية والقلق المسيطر على البطل ، مما يجعل هذه التقريرية المباشرة وليدة للحالة الشعورية ، ومن ثم يستقبلها المُشَاهد كما لو كانت تفسيرا للتركيبة النفسية للبطل ، وليست معلومة مباشرة .
يلى ذلك فى القائمة ” أستروف ميخائيل لفوفيتش ” ـ طبيب . وتركيز المؤلف على مهنة أستروف لم يأت هكذا عبثا ، أو من فراغ ، فدور أستروف فى مجمله ما هو إلا معاناة ، وخاصة على مستوى ممارسته المهنية للطب ، ولذا فهو يتغلب على تلك المعاناة بتركيز اهتمامه على البيئة المحيطة ( كمتحمس وليس كمتخصص ) .
” تيليجين إيليا إيليتش ” ـ إقطاعى مفلس .
الدلالة والتحديد هنا لكلمة ” مفلس ” هما نفسهما لكلمة ” متقاعد ” . وإشارة المؤلف إلى فقر أبطاله ، وتدنى قدراتهم المادية فى حالتهم الآنية ، وإلى موقفهم الانهزامى من الحياة ، هى إشارة هامة للغاية ، حيث إنها تعتبر النظرة المبدئية التشيخوفية للناس الذين يقومون بأدوارهم فى مسرحه . ودون إدراك هذا ” المفهوم ” ، من الصعب فهم العالم التشيخوفى ، ومن غير الممكن امتلاك ذلك المفتاح الذى يمكن بواسطته فك طلاسم هذا العالم . إن أبطال تشيخوف منذ البداية ضعفاء وعاجزون . وبرغم أن المسرحية لم تبدأ بعد ، إلا أن هناك الكثير المعلن عنهم ، فهم ” متقاعدون ” و ” مفلسون ” … إلخ . وهذا التقويم البسيط والمسبق من قبل المؤلف بمثابة تخطيط لمصائرهم المأساوية التى لم تظهر بعد فى تصرفاتهم وسلوكياتهم وحواراتهم . فهؤلاء الأبطال ينتمون إلى تلك الفئة المهدورة حقوقها ، وهم من الدرجة الثانية ” بل ويمكن أن يكونوا من النوع الثانى ” ، وبالتالى فقد حكم عليهم سلفا بتلك المأساة التى يعيشونها .
وأخيرا ” مارينا ” ـ المربية العجوز والعامل .
والاسم المعاصر لهذه العجوز يثير الدهشة لعدم التطابق الواضح بينه وبين صاحبته ، فهو ليس إطلاقا اسما لشخصية تشيخوفية ، وسوف توصف ، فى أقرب إرشاد مسرحى ، بالسخرية التشيخوفية اللازمة : ” عجوز رخوة ، قليلة الحركة ، تجلس بجوار السماور وتحيك جوربا ” … أما الإشارة إلى العامل بأنه ” عامل ” فتكشف عن الطابع الوظيفى للدور ، إلا أننا نحاول أثناء الإخراج تنمية وتطوير هذا الدور ، وعدم إعطائه أبعادا ميكانيكية اعتيادية ، على الرغم من أن الكاتب قد وضعه فى ذيل قائمة الأسماء .
ويأتى أول إرشاد مسرحى ” تدور الأحداث فى ضيعة سيريبرياكوف ” ، وهو شبيه بالإرشاد الأول فى مسرحية ” النورس ” حيث تدور الأحداث فى ضيعة ” سورين ” ، وبالإرشاد الأول فى مسرحيـــــة ” إيفانوف ” حيث تدور الأحداث فى قطعة أرض صغيرة بأحد القضاءات الروسية ، وبالإرشاد الأول فى مسرحية ” الشقيقات الثلاث ” حيث تدور الأحداث فى عاصمة إحدى المحافظات ، وبالإرشاد الأول فى مسرحية ” بستان الكرز ” حيث تجرى الأحداث فى ضيعة ” رانيفسكايا ” . لقد استطاع تشيخوف أن يتمرد على العالم كله ، ويحاربه ، وينتصر عليه بمسرحياته ، وبالأحداث التى تجرى بكاملها فى تلك البقع المنسية ، فى زوايا وغرف مهجورة ومهملة ، فى أكثر الأماكن منافاة للعقل فى روسيا . وبهذا سوف تبدأ الشخصيات حديثها ، سوف تبدأ الحوارات و ” المونولوجات ” التشيخوفية المعروفة ، ولكن المهم والرئيسى هو إيقاع المسرح التشيخوفى نفسه . فماذا وراء الكلمة ؟ ما العلاقات بين الأبطال بعضهم البعض ؟ بأى كلمات يموهون أفعالهم ؟ كيف نتعرف من خلال الزخارف الكلامية على حقيقة دوافع وأسباب أفعالهم الظاهرية ، غير المبررة ، وتصريحاتهم التى تبدو للوهلة الأولى غير منطقية ؟ أين الحد الذى تنتهى عنده عملية فعل ورد فعل الشخصية ، والحد الذى تبدأ عنده حياة الأشباح التشيخوفية ، وبقدر الابتكار عند الحد الأول تكون الطبيعية عند الحد الثانى ؟ لماذا ، ولأى سبب يكتئبون ويتعذبون ، وأحيانا يطلقون النار على بعضهم البعض ( على أنفسهم مثل تريبليف ـ مسرحية النورس ) ويخطئون الهدف مثل ( الخال فانيا ) ؟ ماذا تعنى الإرشادات التشيخوفية ، خاصة تلك التى تتكون من كلمة واحدة ” صمت ” ؟ متى تظهر ، وأين تختفى منظومة الشخصيات فى الضيعة الموجودة فى حيز الرؤية على خشبة المسرح ، والتى تعيش فى الواقع خارج ( الزمن والعالم ) الأبعاد الأربعة ( X . Y . Z . T ) ، حيث الكآبة التشيخوفية كآبة كونية ، أما كآبة الحياة العادية فهى فاتنة وساحرة بشكل ما ؟
فيا أيها ” الخال فانيا ” فيم تفكر ، وعن أى شئ ؟ وما سر هذه المسرحية التى يحلِّق فوقها الموت وهى تنظر فى المستقبل ؟

0

انشر في موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Add to favorites

التعليقات مغلقة

سياسة النشر في الموقع

يرحب الموقع بمساهمات الكتاب والباحثين في مجال المسرح.
ونعتذر عن عدم نشر مواد سبق نشرها على شبكة الانترنت.

الإشعار البريدي

يرجى ادخال بريدك الالكتروني:


تصنيفات
الصور
أفق2

سلام النساء2

سلام النساء

More Photos
الكتّاب
مهرجانات ومؤتمرات
  • افتتاح مهرجان المسرح العربي بالقاهرة تحت شعار “تأكيداً للتضامن وتحفيزا للإبداع”

    افتتاح مهرجان المسرح العربي على مسرح العرائس تحت شعار “تأكيدا للتضامن وتحفيزا للإبداع” افتتح دكتور أحمد مجاهد “رئيس المهرجان” يوم الخميس الموافق 15 أبريل الدورة الثامنة لمهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الجمعية المصرية لهواة المسرح تحت رعاية السيد الوزير الفنان/ فاروق حسنى وزير الثقافة، وذلك في حضور نخبة كبيرة من الفنانيين والمسرحيين المصريين والعرب وفي [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • الشمعة الخامسة لمهرجان فاس للمسرح الجامعي

    على نغمات أغنية:”الحلوة” رهانات تحققت وأخرى في الانتظار بشرى عمور طيلة أربع أيام عاش فضاء مركب الحرية عرسا مسرحيا دوليا بمناسبة الدورة الخامسة لمهرجان فاس الدولي  الجامعي، بتيمته المتميزة:” مهرجان القراءة المسرحية”، الذي نظمته جامعة سيدي محمد بن عبد الله من يوم الأربعاء 08 أبريل 2010 إلى غاية 11 منه. تميزت هذه النسخة بنضوج حضوري [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • تونس تحتضن احتفالات اليوم العربي للمسرح

    انطلقت بالمسرح البلدي بالعاصمة التونسية فعاليات الاحتفال الثالث باليوم العربي للمسرح الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح على غرار الاحتفال باليوم العالمي للمسرح وذلك ضمن أهداف الهيئة التى أطلق مبادرة تأسيسها ويرأسها شرفيا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة . حضر الاحتفال الذي يأتي بالتزامن مع احتفالات تونس بمئوية [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • المكسيك و ألمانيا تحصدان جوائز الدورة ال22 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء

    بشرى عمور بعد نيلها لجائزتي (الموضوع المسرحي، ومناصفة في جائزة أداء إناث من خلال الممثلة نورما إيريكا شانشس) تفوز مسرحية “المرأة سازون” لجامعة المسرح بنميرييتا (المكسيك) بالجائزة الكبرى للدورة ال22 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، التي أقامتها جامعة الحسن الثاني ـ المحمدية ـ الدار البيضاء / كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ بنمسيك، من العاشر [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
  • دعوة إلى جميع المسرحيين في العالم من مهرجان بغداد الدولي للمسرح

     تنوي دائرة السينما والمسرح / وزارة الثقافة العراقية إقامة  مهرجان بغداد الدولي للمسرح في بغداد والذي ستنطلق فعالياته في يوم 17 / 9 / 2010وبهذه المناسبة يسعدنا إبلاغكم  برغبة  اللجنة العليا  المنظمة للمهرجان  باستضافة  العروض  المسرحية العربية  والأجنبية  للمشاركة  في هذا  المهرجان. علما  بأن إدارة المهرجان سوف  تتحمل كامل  تكاليف  الإقامة  والإعاشة والتنقل  داخل  العاصمة  [...]

    انشر في موقعك المفضل:
    • Digg
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks
    • Add to favorites
ساهم في هذا الموقع

للمساهمة في هذا الموقع
يرجى ارسال المساهمات الى
editor at  al-masrah.com

Back to Top ↑
  • Remember Me