يونسكو .. في المكان غير المناسب
نبيل بدران
المتفرجون العاديون من أبناء الجيزة الذين تعودوا الذهاب إلي مسرح النيل التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة ‘الثقافة الجماهيرية سابقا’ لمشاهدة ولمتابعة عروض تنهل من التراث وتجسد واقعنا وأحلامنا وواضحة في أهدافها ومراميها وعادة ما تكون بالعامية متوخية البساطة في توصيل أفكارها الأساسية.. متوجهة لهم بالتحديد.. ولا تنتج وتعرض فقط استرضاء للجان التحكيم أو تكالبا علي جوائز المسابقات..
هؤلاء المتفرجون الذين لم يعرفوا يوما يوجين يونسكو.. وصمويل بيكيت.. واداموف.. واربال ولم يسمعوا أبدا عن مسرح العبث ولا عن المسرحيات الطليعية عموما هل بمقدورهم ان يستوعبوا دون عناء أهداف ومرامي ذلك العرض الذي قدمته مؤخرا الفرقة القومية المسرحية من اخراج أحمد طه باسم ‘شد حيلك’ عن ثنائية جاك ليونسكو ‘الامتثال والمستقبل في البيض’ من ترجمة د.حمادة ابراهيم؟
سمعت ضحكاتهم في مسرح النيل المكشوف خاصة عندما أعلن الابن جاك رفضه المبدئي المستميت لأكل البطاطس وعندما اعتبره والده شاذا وخارجا عن تقاليد وعادات العائلة بسبب موقفه الغريب من البطاطس ثم يضحك المتفرجون بعدما يطلب جاك عروسا بثلاثة انوف ومثل هذه المواقف العبثية تثير بالتأكيد الدهشة والضحك لكن هل أدركوا تماما ان العرض ينتقد الطبقة البورجوازية وافكارها وعاداتها الجامدة المتوارثة وان امتثال الابن في النهاية تجسيد للقهر؟ وليس ذلك تشكيكا في ذكاء ووعي هؤلاء المتفرجين بل ما اقصده ان نصوص يونسكو ورفاقه من كتاب مسرح العبث مازالت تقدم لنوعية محددة من المتفرجين تعرف وتدرك دوافع ومبررات ظهور مسرح العبث كنوع من الاحتجاج علي ما حدث في النصف الأول من القرن العشرين الذي شهد حربين عالميتين مروعتين ضحاياهما من البشر بالملايين.. وترتب عليهما شعور متزايد باليأس والعزلة في الغرب عموما بعد ان أدرك الجميع فقدان المعني والأمل ¬ فعبر مسرح العبث عن عبثية الوجود وعن افتقاد اللغة لقدرتها علي التعبير والتوصيل باحثا عن معني جديد لهذا الوجود ¬ اذن فهذا المسرح له خصوصية التعبير عن واقع اخر غير واقعنا وعن ظروف تاريخية بعيدة عنا.. فلماذا اذن هذا الاخفاق في الاختيار؟ النصوص العالمية التي تلائمنا عديدة واخص بالذكر مسرحيات هنريك أبسن وموليير وبرتولدبرشت وجوجول وغيرهم لكن مسرحيات يونسكو وبيكيت وارابال واداموف يصعب تقريبها لحياتنا ولواقعنا ولا اريد ان اظلم المخرج الموهوب حقا احمد طه الذي علمت انه اختار في البداية نصا لتوفيق الحكيم لكن ظروفا معاكسة منعته من تقديمه ولا اريد ان اظلم الموهوبين المتميزين في الاداء التمثيلي ياسمين ياسر ومحمد يوسف وسلوي عزب ومصطفي موسي وحسن حرب وايزابيل كمال ومحمد فاروق ونهي مصطفي وغادة جابر.. ورغم ادخال العامية مع الفصحي وتميز الألحان وتعميق الروح الساخرة في الأداء التمثيلي والحركي ظل نص يونسكو غريبا علينا.. ولم يصل بالطبع لمتفرجه الحقيقي.


