مدخل الى تجربة مسرح المقهورين (1-2(
أثير السادة
السياسة والمسرح:
للسياسة صلة وثيقة بالمسرح ، تنبع في مستواها الأولى من ارتباط الممارسة المسرحية في أفق وجودها بتأثيرات السلطة وتوجهاتها ، التي تعكس غالبا قراءة متوجسة لدور الثقافة بشكل عام والمسرح تحديدا باعتباره مواجهة حية تملك القدرة على إحداث كهربة خطيرة كما يصف بيتر بروك ، وبذلك تمارس السلطة حضورها الثقيل في داخل التجربة المسرحية عبر التحكم بإمكانات الدعم المادي والبنى التحية والتدخل المباشر في توجيه الأعمال المسرحية ناحية التسويق الايدلوجي والدعاية السياسية لها ، وبالتالي يصبح المناخ المسرحي مشروطا بعلاقته “الجدلية والتأثيرية” مع السلطة ، متماهيا تارة ومتصادما تارة أخرى مع املاءاتها وهي العلاقة التي ستفرز مفاهيم مغايرة لتمازج السياسة بالمسرح تفترق كثيرا عن مرامي السلطة ، وستجعل من المسرح فعلا سياسيا في نفس الوقت الذي يحتفظ فيه بصفته كفعالية جمالية.
وفق هذه القراءة ، يمكن إرجاع تاريخ نموذج المسرح السياسي بوصفه انعكاسا جدليا لطبيعة العلاقة بين المسرحيين والسلطة الى ذلك الزمن الذي بدأت فيه السلطة بالتدخل في العرض المسرحي ، ونشوء حالة الوعي المضاد لنمطها المسرحي ، وتصبح بذلك العروض التي تسللت اليها أيدلوجيا السلطة والأخرى التي تنفذها جهة سياسية مضادة أمثلة على المسرح السياسي ، تندرج في ضمنها تجارب مسرح العمال ، المسرح الملحمي، الجريدة الحية والمقهورين وسواهم من العروض والتجارب التي تزامنت مع أحداث سياسية من قبيل الثورة الفرنسية والثورة البلشفية .
ويطرح آخرون تصورا آخرا لصلة السياسة بالمسرح ، لاينحصر في نطاق الانعكاسات السياسية المباشرة وغير المباشرة وانما يذهب إلى القول باختصاص السياسية بوجود حتمي ضمن بنية المسرح على اعتبار ان كل دراما ” هي حدث سياسي ، لا تخلو من تحريض ، او تشريح لسلوك او فكرة ما”، وكل انماط السلوك بحسب مارتن اسلن فيها مضامين اجتماعية وبالتالي سياسية..مما يعني ان كل مسرحية تحمل بعدا سياسيا بالضرورة ، وبهذا يصبح المسرح السياسي مفهوما منزلقا لا يشكل نسيجا دلاليا خاصا به ، بل ينفرط المعنى حد احتواء كل التجارب المسرحية على اختلافها.
غير اننا في هذا البحث المعني بتجربة”مسرح المقهورين” سنتعامل مع فكرة المسرح السياسي من منظور يقرب دون ان يتطابق كليا من المفهوم الاول ، ويبتعد من الثاني بنحو لا يمكن معه الجزم مطلقا بعدم امكانية الاقتراب منه.. وسنعمد الى تعريف المسرح السياسي ذي الطابع الراديكالي بأنه المسرح الذي يسعى لدعم التغيير الجوهري للايدلوجيا المسيطرة ،حتى نلامس البعد الفلسفي لتجربة مسرح المقهورين ونحيط بالخط الفكري الذي تنهل منه التجربة كثيرا من مفاهيمها.
فلسفة بول:
لعل في تسمية المقهورين/المضطهدين ما يرشد بشكل ابتدائي إلى الاتجاهات الفكرية للتجربة ويشي بالتصاقها بالموضوعة السياسية ، فالقهر والاضطهاد في حقلهما الدلالي الاجتماعي يحيلان غالبا على خلل في توازن القوى الاجتماعية والى ممارسة سياسية غير سوية ينشا عنها نوع من التراتبية التي تدفع صوب تفجير التناقضات الداخلية و الصراع داخل المجتمع.
هذا ما سنجده عند تفحص التجربة عن قرب ، حيث انطلقت تجربة مسرح المقهورين في منتصف الستينيات من القرن الفائت مع المخرج البرازيلي اوغستو بول المبتكر لتقنياته ومنهجياته ، مدفوعة بتداعيات الوضع السياسي في امريكا الجنوبية وامتلاك الديكتاتورية العسكرية لزمام الأمور وممارستها لأشكال القمع السياسي فيها.
وبول الذي مارس النشاط السياسي الى جانب العمل المسرحي في تلك الظروف كان مهجوسا بتعزيز البعد الثوري للمسرح وإيجاد وسائل درامية اجتماعية لتحدي الظروف الصعبة في ظل الدكتاتورية ، مأخوذا بميوله اليسارية المتنامية. وبمثل ما كانت عليه أغلب أنماط المسرح السياسي الأخرى ، جاءت تجربة بول متكئة على وعيه بالنظرية الماركسية وفيها راهن على جدلية التناقضات التي تعيشها الطبقة الكادحة لإفراز وعي سياسي لدى المتفرج وحمله على ممارسة الفعل الاجتماعي.
انشغل بول بتصعيد الحالة الحوارية بين العرض والجمهور كأمر مهم للخلاص من القهر ، الذي يتلمس وجوده في اللاحوار حسب باولو فرايري في اصداره الشهير “تعليم المقهورين”، فاللا حوار وسيلته الأبدية على حد فرايري هي تحقيق الغزو المستمر لعقول وقلوب المقهورين. وظهرت مساحة تأثير هذا الأخير على افكار بول بنحو واسع ، حيث أفاد من نظرية الحوار الثوري والتعليم الحواري وسعى الى تطبيقها في عمله مع الفلاحين للتحرر من قهر الاقطاعيين من ملاك الاراضي.
كان حينئذ يبحث عن صيغة مسرحية تتواءم والحساسية المحلية ، فضاء جمالي مصعدا لمراداته الفلسفية والسياسية ، يتطلع معها للافتراق عن النموذج الغربي/البرجوازي بمدلولاته القمعية ، الذي يستحيل على الدوام بزعم بول الى اداة للقهر بفعل تفويضه للسلطة في العرض الى الممثلين ، الامر الذي يصبح معه الجمهور مذعنا وسلبيا بنحو تام ، وهذا ما دفعه لرفض المفهوم الارسطي للتراجيديا والتطهير باعتباره وسيلة لتجريد الجمهور من السلوكيات غير المقبولة اجتماعيا واضفاء صبغة اخلاقية على هذا اللون من لقهر للحيلولة دون اختراقهم للرقابة الاجتماعية ،فهو برأيه كابح لنزعة التغيير في المجتمع وليس بطارد للانفعالات والمشاعر السلبية بالنحو الذي يوصف، مماثلا في ذلك ما ذهب اليه بريشت ، أكثر المسرحيين اشتغالا على مفهوم المسرح السياسي، من رفض لفكرة التطهير واستبدالها بالتحريض ، ووصفه لقواعد الدراما التي صاغها ارسطو بأنها محاولة “لجعل النظام السياسي والفكري السائد في عصره قيمة مطلقة لا تخضع للنقد ، ولا ترتبط بأية ظروف او متغيرات تاريخية “.
بهذا الميل الفلسفي للنزعة البريشتية ، سعى بول الى تفعيل الجمهور السلبي عبر تقنيات ادائية تجهد لجعلهم جمعا من المتفرجين الممثلين في ذات الوقت ، يشاركون في تحويل واقعهم الشخصي والاجتماعي الى وعي وفعل سياسي ، لا يكتفي فيها بطبيعة العلاقة التحريضية التي صاغها بريخت في مسرحه الملحمي ، بل يمضي الى شراكة حقيقة بين الجمهور والممثلين في تأسيس الفعل المسرحي ، وتوجيه أحداث العرض.
قدم بول بدائل اكثر راديكالية لعملية التغريب التي تبناها بريشت ،أمعنت في اقترابها من الفئات المضطهدة ، ملامسة مشاكلها الإنسانية ،بقصد الارتقاء بسوية الوعي بقضاياها وإمكانات تجاوزها والتحرر من سطوتها، وفيها ينخرط الجمهور في عملية استكشاف لحقائقهم الاجتماعية ، يدعون فيها لتحليل مشاكلهم التي يختارونها بحرية والبحث عن خياراتهم الخاصة للتغيير.
ومن خلال عدد من التقنيات الادائية والألعاب المسرحية تمكن بول من ان يحول فلسفته السياسية إلى جدل جمالي نعرفه الآن باسم “مسرح المقهورين “، في سياق مسرحي يعتمد على امتلاك القدرة على التلقائية والارتجال وحق التعبير الذاتي كضرورات منهجية لايجاد صياغة جماعية للعرض.


