عن عرض (باب البراحة) هل للسماء نوافذ؟
خشبة مسرح جرداء.. سوداء.. وصاري سفينة عار من الشراع.. وأربعة من المسنين يحتجزون ممرضتهم الشابة في غرفتهم داخل مأوى العجزة.. يرفضون بإصرار أن يفتح الباب الذي يفصل بينهم والعالم الخارجي. لا أحد يدخل ولا أحد يخرج.. الأبواب موصودة ولا شيْ يحدث هنا.. سوى الموت!
ماذا يحدث لو أن عجائز في دار للمسنين قاموا باحتجاز ممرضتهم وأغلقوا الباب دونهم والعالم الخارجي؟ سؤال يحتمل إجابات كثيرة. لكنه بلا شك موقف درامي يستدعي التوتر والترقب.. مبدئياً.
يتكشف الموقف بالتدريج.. فنحن إزاء مجموعة من الشخصيات المفعمة بالإحباط واليأس.. والتي تتفجر بالمعاناة على أصعدة كثيرة.. لكنهم يتشبثون بالمكان؟ ماضيهم وتراثهم الذي يشعرون بالإنتماء إليه. وكأنه جزيرتهم في وسط بحر هائج.
لدينا إذن 5 شخصيات تمثل إحباطات مختلفة.. الأول “بن ميلي” مولع بالسياسة وتقصي الأخبار من مصدر معلوماته الوحيد (الراديو) يحب هذا الوطن ويؤمن بعروبته. في شبابه تطوع للدفاع عن فلسطين.. وألتحق بمعسكر للتدريب على القتال.. لكنهم فجأة أوقفوا التدريبات. لازال الرجل يعشق عبد الناصر ويعتبر هتلر شخصية جديرة بالإحترام لموقفه من اليهود.
الثاني (عبد الرحمن) رجل الأعمال والمال الذي لم يكترث إلا بجمع الثروات الفخمة.. بنى المصانع واستورد المكانيان لكنه نسى حق أبنائه ووطنه.. فقابلته أبنته الوحيدة بالحود والنكران, وهاجرت إلى أمريكا حيث سحبت أمواله إلى هناك, وتركته وحيداً معدماً محطماً.
أما الثالث فهو البحار (أبو مرزوق) الذي يجسد مجتمع البحر القديم.. والذي مازال يؤمن بأنه يستطيع أن يفعل شيئاً.. لكننا ندرك العذابات المضنية التي يعيشها منذ تركته زوجته وتزوجت ربان سفينته.. وتنكر له أبنائه.
أما الشخصية الخامسة, فهي الممرضة الشابة التي تمثل الحاضر- لا ينقصها الإحباط أيضاً, فقد هجرها زوجها الذي سئمها ومل رائحة “الديتول” المطهر الذي ينبعث منها, وذهب يبحث عن امرأة أخرى.. وتركها وحيدة تبحث عن إنسان يشاركها وحدتها.
تشكلت كل الشخصيات وتحددت ملامحها قبل أن تبدأ المسرحية.. وليس لديها ما تفعله الآن سوى اجترار الذكريات والكشف عن معاناتها الخاصة.. في هذيان محموم لا يقطعه سوى صرخات الممرضة وتوسلاتها إليهم كي يعطوها مفتاح الباب.. باب البراحة فهي الوحيدة التي لا تنتمي إليهم ولا تشاركهم معاناتهم, إذ تعيش عصراً آخر له مفردات أخرى.. ولا تجد مفراً من الخروج إلى العالم الجديد.. عالمها من واقع الأمر.
نحن إذن فيم واجهة عالمين.. عالم يحتضر وعالم يتطلع نحو المستقبل.. من هذه اللحظة الشيقة تتحول خشبة المسرح إلى منصة لإطلاق التساؤلات.
الدراما هنا متعددة الأبعاد والطبقات.. نتيجة لطبيعة الشخصيات المسرحية ذاتها.. فالشخصيات على الجانب الواقعي- مستديرة لها أبعادها النفسية والاجتماعية المكتملة, لكنها تلعب وظيفتها الدرامية في مستوى أعلى كمقولات وأفكار.
تلك البنية الواقعية للشخصيات الدرامية تهدف إلى ما هو أبعد من سرد الحكاية.. فالعرض ينطلق من الخاص إلى العام.. فيناقش العديد من القضايا تدور كلها حول علاقة الأنا بالآخر.. “النحن” في علاقاتها “بالهؤلاء“.
هناك مسألة الاغتراب على المستوى الاجتماعي. وهناك علاقتنا بالعالم وموقفنا من العولمة.. وموقفنا من إسرائيل..
ويتم الطرح من خلال كوميديا سوداء تتكشف لنا عبر الموقف الدرامي (هذيان العجزة الأربعة والذي تستفزه الممرضة في محاولتها للخروج من المكان).
وتستدعي المسرحية إلى الذهن أجواء “لا مفر” التي كتبها سارتر, حيث توصد الأبواب دون الشخصيات في مكان لا مفر منه, وكأنها قيد المحاكمة.. وتتعرى الشخصيات وتتكشف أبعادها.. (تتردد بقوة هذه الطبيعة الكابوسية للمكان المسرحي..).
مرعي الحليان في أول نصوصه المسرحية مبشر وواعد وإن لم تخل مسرحية من خطايا البداية الأولى في المسرح.. أن تحاول أن تقول كل شيء, وتطرق كل القضايا دفعة واحدة.
وفي انتظار عمله القادم “أعطني خشبة وإنساناً حياً.. أصنع لك مسرحاً“.
أما ناجي الحاي فقد قطع شوطاً طويلاً منذ “حبة رمل” التي رأيناها في مهرجان المسرح التجريبي عام 1991- ومازال مخلصاً لمنهجه الذي يعتمد على التركيز على الممثل باعتباره أهم ركائز العملية المسرحية, ويتعمد الإهمال الواضح للموسيقى التعبيرية والديكورات المعقدة, ويكتفي إلى جانب اهتمامه بالممثل بمؤثرات الإضاءة البسيطة التي كان يمكن تطويرها لإضفاء قدر من التركيز في بعض اللحظات. ينجح الحاي على الرغم من سكونية النص الضمنية في أن يجعل خشبة المسرح تضج بالحركة. وأن يضفي حياة صاخبة على عرض حافل بالمقعدين والطاعنين في السن. واستطاع أن يدير خشبة مسرح بها خمس شخصيات طوال الوقت- وإن كان التداخل بين الشخصيات يحتاج إلى مزيد من الضبط فيبعض اللحظات..
ممثلو العرض.. كل هذا الإخلاص والحب لفن المسرح يجسده هذا الفريق الرائع من الممثلين.
فاطمة الحوسني وأحمد الأنصاري وعبد الله صالح وإبراهيم سالم ومرعي الحليان (المؤلف/ الممثل).. بذلوا الكثير من الجهد والتدريبات ليصل أداؤهم إلى هذا المستوى, نقول لفرقة مسرح دبي الأهلي.. عرض ممتع.. نشكركم عليه.
ولكن يبقى تساؤل أخيراً.. هل هناك حقاً باب “للبراحة”؟
ينطوي العنوان مبدئياً على مفارقة- ولكن.. هل للسماء نوافذ؟


